العقيد م. محمد بن فراج الشهري
في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، تتجدد في المملكة العربية السعودية ذكرى يوم عزيز على كل قلب سعودي، يوم ارتبط في وجدان الوطن بقصة طويلة من الكفاح والتوحيد والبناء، وأصبح شاهداً على مسيرة دولة استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تنتقل من مرحلة التأسيس إلى آفاق واسعة من التنمية والحضور والتأثير.
فاليوم الوطني السعودي يمثل وقفة نستعيد فيها قصة وطن بدأت فصولها الحديثة عندما استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، مدينة الرياض عام 1902م، ثم واصل رحلة التوحيد أكثر من ثلاثة عقود، حتى صدر في عام 1932م الأمر الملكي بإعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية، واختيار الثالث والعشرين من سبتمبر يوماً لإعلان قيامها. ومنذ ذلك اليوم بدأت صفحة جديدة في تاريخ هذه البلاد. صفحة عنوانها الوحدة، وأساسها الأمن والاستقرار، وغايتها بناء دولة حديثة تحفظ مكانتها وقيمها وهويتها. ولم تكن مهمة التأسيس سهلة، فقد احتاجت إلى إرادة صلبة، ورؤية بعيدة، وعمل متواصل، وتضحيات رجال آمنوا بأن جمع الكلمة وتوحيد الصف هو الطريق إلى بناء وطن قوي ومستقر.
ثم جاءت مسيرة البناء في عهود أبناء الملك المؤسس، رحمهم الله جميعاً، فشهدت المملكة توسعاً في التعليم والصحة والطرق والاتصالات والخدمات، ونمت المدن، وتطورت مؤسسات الدولة، وأصبح الاستثمار في الإنسان أحد أهم الأسس التي قامت عليها مسيرة التنمية. وكان كل عهد يضيف لبنة جديدة إلى هذا البناء، حتى وصلت المملكة إلى ما هي عليه اليوم من مكانة إقليمية ودولية راسخة.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، وبقيادة ومتابعة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله، دخلت المملكة مرحلة جديدة من التحول، جاءت رؤية المملكة 2030 لتضع لها إطاراً واضحاً وطموحاً، لا يكتفي بالمحافظة على مكتسبات الماضي، وإنما ينظر إلى المستقبل بثقة، ويعمل على تنويع الاقتصاد، ورفع جودة الحياة، وتمكين أبناء وبنات الوطن، وتعزيز تنافسية المملكة في مختلف المجالات.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن الرؤية تحولت إلى برامج ومشروعات ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية. فقد شهد الاقتصاد السعودي توسعاً في الأنشطة غير النفطية، وتنامى دور القطاع الخاص والاستثمار، وبرزت قطاعات جديدة في السياحة والترفيه والثقافة والرياضة والتقنية والتعدين، إلى جانب المشروعات الكبرى التي تعيد رسم صورة المملكة وتفتح أمامها آفاقاً جديدة.
وما تحقق خلال السنوات الماضية يجعل الحديث عن رؤية المملكة 2030 حديثاً عن واقع نراه ونلمسه، فقد أسهمت الرؤية في تنويع الاقتصاد ورفع مساهمة الأنشطة غير النفطية، وتعزيز دور القطاع الخاص والاستثمار، وإطلاق قطاعات اقتصادية جديدة، إلى جانب إعادة توجيه الاستثمارات نحو مجالات واعدة تفتح فرصاً واسعة أمام أبناء الوطن. وفي الوقت نفسه، شهدت المملكة تحولاً اجتماعياً وثقافياً واضحاً، انعكس في ارتفاع جودة الحياة، واتساع المشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية، وتنامي حضور المرأة والشباب في سوق العمل ومواقع المسؤولية.
وامتد أثر الرؤية إلى الخدمات الحكومية، التي شهدت مراحل التحول الرقمي المبهر، وإلى قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والنقل والسياحة، التي دخلت مرحلة جديدة من التطوير والتكامل. كما ظهرت المملكة بصورة أكثر حضوراً في المشهد الدولي، من خلال استضافة الفعاليات العالمية، وتطوير المشروعات الكبرى، وتعزيز موقعها مركزاً للاستثمار والأعمال والسياحة والابتكار. وقد أظهرت السنوات العشر الماضية أن الرؤية مثلت مشروعاً وطنياً متكاملاً لإعادة صياغة المستقبل، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً، ومجتمع أكثر حيوية، ودولة أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة.
ومن أهم ما يميز هذه المرحلة أنها وضعت الإنسان السعودي في قلب التحول. فالشاب والشابة السعوديان اليوم أمام فرص أوسع للتعليم والعمل وريادة الأعمال والمشاركة في مختلف القطاعات، وأصبحت الكفاءة والابتكار والطموح أدوات أساسية في بناء المستقبل. كما شهدت المملكة تقدماً ملموساً في تمكين المرأة، وتحسين الخدمات الحكومية، والتحول الرقمي، وتطوير القطاع الصحي، والارتقاء بجودة الحياة.
وفي عام 2026، دخلت رؤية المملكة 2030 مرحلتها الثالثة والأخيرة، وهي مرحلة جديدة من الطموح، تقود إلى الانتقال نحو التركيز على تعظيم المكتسبات وتسريع الإنجاز وترسيخ أثر التحولات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية. وقد أكدت قيادتنا الحكيمة أن الوصول إلى عام 2030 ليس محطة تتوقف عندها التنمية، بل قاعدة تنطلق منها المملكة نحو عقود جديدة من العمل والريادة.
وفي اليوم الوطني السادس والتسعين، يأتي شعار «عزنا بطبعنا» معبراً عن معنى يتجاوز الكلمات؛ فالعز السعودي ارتبط بطباع وقيم عريقة، عرف بها أبناء هذه البلاد، تمثلت في الشجاعة، والأصالة، والكرم، والجود، والهمة، والرؤية. وهذه القيم كانت وستظل جزءاً من الشخصية السعودية، ومن الطريقة التي واجه بها الآباء والأجداد صعوبات الحياة، وبنوا بها وطناً أصبح اليوم حاضراً بقوة في العالم.
إن أجمل ما في اليوم الوطني أنه يجمع الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة واحدة؛ نتذكر فيها الرجال الذين أسسوا ووحدوا، وننظر إلى ما تحقق من إنجازات، ثم نسأل أنفسنا: ماذا نريد لوطننا في السنوات القادمة؟
والإجابة تبدأ من الإيمان بأن بناء الوطن مسؤوليتنا المشتركة، وأن المحافظة على منجزاته لا تقل أهمية عن تحقيق منجزات جديدة. فالمملكة التي استطاعت أن تبني دولة قوية خلال عقود، وتحقق تحولاً واسعاً خلال سنوات قليلة، قادرة بإذن الله على مواصلة طريقها نحو مزيد من التقدم والازدهار.
في يوم الوطن السادس والتسعين، نحتفل بما مضى، ونفتخر بحاضر أنجزناه، ونجدد العهد على مواصلة المسيرة نحو مزيد من الإنجازات. نستمد من تاريخنا الثقة، ومن حاضرنا العزم، ومن مستقبلنا الطموح. ونسأل المولى الكريم أن يديم على وطننا الغالي نعمة الأمن والأمان، وأن يحفظ لنا قيادتنا الرشيدة، ومليكنا المفدى، وولي عهده الأمين. وكل عام وأنت يا وطني بخير.
دام عزك يا وطن... دامت رايتك عالية