د. عبدالمحسن الرحيمي
منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - وحتى عهد مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ارتبط بناء الوطن في المملكة ببناء الإنسان؛ فكان الإنسان دائمًا محور التنمية وغايتها، وأحد أهم مصادر قوتها واستمرارها.
وقد اتصلت مسيرة المملكة، عبر مراحل التأسيس والبناء والتحول، برؤية تنظر إلى الإنسان باعتباره الثروة الأعمق والأثر الأبقى. فمن توحيد الأرض وإرساء الدولة، إلى تأسيس المؤسسات وتوسيع التعليم والصحة والاقتصاد، تشكل مسارًا وطنيًا متصلًا انتقلت فيه المملكة من مرحلة التأسيس إلى مراحل أوسع من التنمية وصناعة القدرة.
ومن هذا الامتداد يكتسب اليوم الوطني السعودي معناه؛ فهو يستحضر لحظة تأسيس الدولة، ويقرأ ما راكمته الأجيال من مؤسسات وخبرات ومعارف، ويستشرف مرحلة يتسع فيها مفهوم البناء ليشمل المعرفة والابتكار والتقنية وصناعة المستقبل.
فالوطن حين يتحول إلى مشروع حضاري تتكامل فيه عناصر الإنسان والمؤسسة والاقتصاد والمعرفة والثقافة والتقنية ضمن رؤية واحدة، يصبح كل إنجاز رصيدًا لما يليه، وكل جيل شريكًا في بناء مرحلة جديدة.
وتكشف التحولات السعودية خلال السنوات الأخيرة جانبًا من هذا المسار. ففي التعليم المبكر تجاوز عدد الملتحقين ببرامجه 400 ألف طفل وطفلة في عام 2023، وبلغ معدل الالتحاق 34.6 %. وفي التعليم الجامعي دخلت أربع جامعات سعودية ضمن أفضل 500 جامعة عالميًا في 2025، فيما وصلت جامعة الملك سعود إلى قائمة أفضل 100 جامعة عالميًا. وتكشف هذه المؤشرات اتساع الاستثمار في الإنسان، وتطور قدرة المؤسسات التعليمية على بناء المعرفة والمنافسة عالميًا.
وتظهر قيمة هذه التحولات في قدرتها على صناعة الإنسان المنتج للمعرفة والقيمة؛ فالتعليم يوسع أفق التفكير، والجامعة تنتج المعرفة، والبحث العلمي يفتح مجالات الاكتشاف، والاقتصاد يحول المهارة والطموح إلى إنتاج، والتقنية تضاعف إمكانات الإنسان.
ومن هذه الرؤية تتبلور المدرسة السعودية للقيادة الواعية بوصفها إطارًا فكريًا لقراءة القيادة من داخل التجربة السعودية؛ قيادة تجعل الإنسان مركزًا، والقيم عنصرًا في صناعة القرار، والطموح مرتبطًا بالمسؤولية، والتغيير متصلًا بالوعي، والإنجاز مرتبطًا بأثره في الإنسان والمجتمع.
وتتأسس هذه الرؤية على ثلاثية عميقة الدلالة: الرحمة في علاقتها بالإنسان، والعدل في علاقته بالدولة، والبناء في علاقته بالمستقبل.
فالرحمة تمنح القرار بعده الإنساني، وتجعل حياة الناس واحتياجاتهم وفرصهم حاضرة في صناعة السياسات. والعدل يؤسس الثقة، ويحفظ الحقوق، وينظم العلاقة بين الفرد والمؤسسة والدولة على أساس المسؤولية والإنصاف. والبناء يحول هذه القيم إلى مؤسسات ومعرفة ومشروعات وقدرات، ويمنح الحاضر أثرًا يمتد إلى المستقبل.
الرحمة تحفظ إنسانية القرار، والعدل يؤسس قوته، والبناء يمنحه أثره الممتد.
ويظهر هذا المعنى في التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة؛ فقد تجاوز عدد العاملين في المنشآت الصغيرة والمتوسطة 8.88 مليون موظف في عام 2025، مقابل مستهدف بلغ 7.55 مليون. ويعكس هذا التوسع اتساع قاعدة المشاركة الاقتصادية ونمو ريادة الأعمال والعمل الخاص، ودخول أعداد متزايدة من السعوديين والسعوديات إلى مواقع الإنتاج وصناعة القيمة.
فالاقتصاد الحديث يقوم على إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على المبادرة، وعلى مؤسسات تفتح المجال أمام هذه الطاقات لتتحول إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. وكلما اتسعت قاعدة المشاركة في الإنتاج، ازدادت قدرة الاقتصاد على التجدد والمنافسة.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي تدخل المملكة مرحلة جديدة من صناعة القدرة الوطنية. فالبيانات والبحث العلمي والبنية الرقمية والكوادر البشرية والنماذج اللغوية وحوكمة التقنية أصبحت منظومة مترابطة، وتعمل المملكة على تطوير هذه المكونات ضمن توجه يجعل الذكاء الاصطناعي جزءًا من تحولها الاقتصادي والمعرفي والتقني.
فالذكاء الاصطناعي يضاعف القدرة، بينما يحدد الإنسان الغاية. والبيانات توسع المعرفة، بينما يمنحها الوعي سياقها. والخوارزميات تسرّع القرار، بينما تمنحه القيادة اتجاهه ومسؤوليته.
وهنا تظهر أهمية القيادة الواعية؛ فهي قيادة تقرأ التحولات بعين المستقبل، وتربط القوة بالمسؤولية، والابتكار بالقيمة، والسرعة بجودة القرار. وتنظر إلى المؤسسة باعتبارها كيانًا يتعلم ويتطور، وإلى المعرفة باعتبارها مصدرًا للقدرة، وإلى التقنية باعتبارها وسيلة لتوسيع إمكانات الإنسان والمجتمع.
وتبقى الهوية الوطنية الإطار الذي يمنح هذا التحول معناه. فالهوية تظهر في طريقة المجتمع في العمل، وفي احترامه للعلم، وفي ثقته بذاته، وفي مسؤوليته تجاه وطنه، وفي قدرته على الجمع بين الأصالة والتجدد.
ومن هنا تأتي دلالة «عزّنا بطبعنا»؛ فالقيم الوطنية تتحول إلى قوة حين تصبح سلوكًا وممارسة. الشجاعة تصبح مبادرة، والرؤية تصبح عملًا، والهمة تصبح إنجازًا، والكرم يصبح أثرًا، والأصالة تصبح ثقة بالذات وقدرة على الانفتاح والتجدد.
إن المجتمع الواثق من جذوره يستطيع أن يتفاعل مع العالم بثقة، ويستفيد من تجاربه، ويطور في الوقت نفسه نماذجه الخاصة المنطلقة من شخصيته واحتياجاته. وهذه الموازنة بين الجذور والتجدد تمنح التحول السعودي خصوصيته واستمراره.
وفي هذا المسار تصبح المعرفة أحد أهم أصول الوطن؛ فالجامعة، ومركز البحث، والمدرسة، والمؤسسة الحكومية، والشركة، كلها مواقع لإنتاج المعرفة والخبرة والقدرة. وكل معرفة تفتح مجالًا جديدًا للفعل، وكل قدرة تهيئ للابتكار، وكل ابتكار يضيف إلى الاقتصاد والمجتمع والدولة.
وهكذا تتصل الأجيال داخل مشروع واحد. فالجيل المؤسس وحّد الأرض وأرسى الدولة، والأجيال التي تلته شيدت المؤسسات ووسعت التعليم والاقتصاد والخدمات، والجيل الراهن يضيف إلى هذا الإرث المعرفة والتقنية والابتكار والقدرة التنافسية، فيما ستبني الأجيال القادمة على ما يتراكم اليوم.
وهذه هي قيمة الوطنية حين تُقرأ في بعدها الحضاري: أن يتسلم الإنسان وطنًا بناه السابقون، ثم يضيف إليه معرفة جديدة، ومؤسسة أقوى، وقدرة أوسع، وفرصة أكبر للأجيال القادمة.
إن المملكة تدخل مرحلة تتخذ فيها عناصر قوتها صورة أكثر ترابطًا: الإنسان رأس مال، والمعرفة قوة، والمؤسسة قدرة متجددة، والتقنية أداة لصناعة القيمة، والهوية ثقافة عمل، والقيادة وعي بالمسؤولية والمستقبل.
وإذا كان المؤسس قد وحّد الأرض وأرسى الدولة، فإن امتداد ذلك المشروع اليوم يتمثل في توسيع معنى البناء؛ بناء المعرفة، وتطوير المؤسسات، وتوسيع القدرة على الابتكار، وإعداد أجيال تحمل مسؤولية المستقبل.
في اليوم الوطني السعودي نستحضر تاريخ التأسيس، ونقرأ الحاضر، ونستشرف المستقبل. التاريخ يمنحنا الجذور، والحاضر يمنحنا القدرة، والمستقبل يمنحنا الغاية.
إن مسؤولية الأجيال الجديدة تتمثل في توسيع معنى البناء؛ في المعرفة التي تنتجها، والمؤسسات التي تطورها، والقدرات التي تصنعها، والفرص التي تهيئها للأجيال القادمة.
فالوطن الذي بدأ بتوحيد الأرض، يستمر ببناء الإنسان، والمعرفة، والقدرة، والمستقبل.
هنا يتحول الوطن من تاريخ نفخر به إلى مشروع حضاري نشارك في صناعته.