د. يعقوب بن يوسف العنقري
استحضار المعروف واستشعار الجميل من محاسن الصفات ومعالي الشمائل، وهي من مكارم الأخلاق العربية التي جاء الدين الإسلامي بترسيخها في العلاقات الإنسانية وجعلها محَكًّا من المحكات ومعيارًا من معايير السلوك والأخلاق؛ فلا يَنسى الفضل لأهل الفضل والمعروف إلا سيئ المنبت. ولا شك أننا في هذه المناسبة الوطنية والذكرى العزيزة على قلوبنا نستذكر ما بذله المؤسس الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- في إرساء كيان الدولة السعودية الثالثة، وما واجهه من صعوبات اعترضت مسيرة البناء؛ إلا أنه بفضل من الله استطاع أن يذلل تلك الصعوبات، ويضع لبنات البناء الحضاري والإنساني للمجتمع السعودي. وقد جعل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم دستورًا لدولته ومرجعًا لحكمه، وأقام نهج حكمه على أساس العدل والشورى والصدق والحوار؛ حتى أصبحت بلادنا معروفة بهذا النهج، وموصوفة بهذه الصفات والشمائل الحميدة.ولئن كان في التاريخ جملة من العظماء في شتى الأمم والحضارات وبخاصة في الحضارة الإسلامية، فإن الإنسان المنصف لا يجد بدًّا من أن يرى أن المؤسس الملك عبدالعزيز-طيب الله ثراه- واحدٌ من هؤلاء القدوات الأفذاذ الذين صنعوا المجد وأعادوا البناء الحضاري والإنساني، فقد سلك مسالك حسنة وطرائق فريدة في تحقيق هذا الهدف المنشود. ومن ذلك استصلاحه -طيب الله ثراه- للرجال بعد تمكنه منهم، واستيعابهم وإشراكهم في مسيرة الدولة التنموية، وفتح باب الحوار معهم ومع غيرهم من أطياف المجتمع؛ حتى تحقق بفضل من الله توحيد هذه الأرض في كيان يجمع أطيافها وقبائلها تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، وتضاءلت الولاءات الضيقة التي ظهرت في المجتمع بعد غياب كيان الدولة في طورها الثاني. ولعل أجمل ما يعبّر عن مشاعر الوفاء والاعتزاز في هذه المناسبة الوطنية العظيمة، ويجسّد ما تختزنه النفوس من تقدير لأهل الفضل وصنّاع المجد، قول الفرزدق مفتخرًا ومعتزًا:
أولَئِكَ آبائي فَجِئني بِمِثلِهِم
إِذا جَمَعَتنا يا جَريرُ المَجامِعُ
إن استحضارنا لسيرة المؤسس-طيب الله ثراه- في توحيد هذا الكيان وبنائه، واعتزازنا بمآثره وجهوده ليس مجرد استحضار للماضي، وإنما هو في حقيقته وفاءٌ لمن كان لهم بعد الله الفضل في صناعة الحاضر، فالوفاء الحقيقي هو أن نحفظ أثرهم، ونصون ما بنوه، ونواصل مسيرة البناء على النهج الذي أرسوه.