سعد بن دخيل الدخيل
تحدث خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله في مستهل كتابه «ملامح إنسانية من سيرة الملك عبدالعزيز» ص 24 فقال: إن رجال التاريخ وشخصياته مثل الملك عبدالعزيز تتواصل الكتابة عنهم خلال السنين، ويُقدَّم عنهم إلى اليوم ومستقبلاً رسائل علمية ودراسات جديدة. وقد توقفت طويلًا عند هذه العبارة؛ ليس لأنها تفتح الباب لمزيد من الكتابة عن الملك عبدالعزيز فحسب، وإنما لأنها تذكّرنا بأن الشخصيات الكبيرة لا تنتهي عند ما كُتب عنها، وأن في سيرتها دائمًا جوانب تستحق أن تُقرأ من جديد، وأن يُعاد النظر إليها من زوايا مختلفة، ومن هنا جاءت فكرة هذا المقال.
ولكوني مهتم بشخصية هذا القائد الفذ، فمن بين الجوانب التي طالما استوقفتني في شخصية الملك عبدالعزيز رحمه الله ذلك التناقض الجميل الذي لم يكن تناقضًا في الحقيقة: هيبة ملك، ولين إنسان. رجلٌ امتلك من القوة والحزم ما جعله قادرًا على اتخاذ أصعب القرارات، وفي الوقت نفسه امتلك من الرحمة والعفو ورقة الجانب ما جعله قريبًا جداً من الناس، يملك الشعور القوي بضعفهم وحاجتهم، مما يترك في نفوس من عرفوه أثرًا يتجاوز هيبة السلطة، وتأمل هذا النص في إهداء محمد أمين التميمي لكتابه لماذا أحببت ابن سعود، كتب التميمي في إهدائه:
«إلى من أضاء الله به طريق الهداية، وسد بسيفه سبل الغواية.
إلى قاطع دابر المفسدين، ومؤمن ديار المسلمين، ومحكم كتاب رب العالمين، ومحي سنة أشرف الخلق أجمعين.
إلى من سكن قلبي، وأخذ علي تفكيري ولبي، وغير مجرى حياتي.
إلى من يدعو له العرب جميعًا بطول العمر والتأييد.
إلى حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية.»
إهداء ملفت لكتاب حمل عنواناً مميزاً «لماذا أحببت ابن سعود» فهو هنا يكشف شيئًا مهمًا: أن العلاقة التي يصفها محمد أمين التميمي بالملك عبدالعزيز لم تكن قائمة على الهيبة وحدها. لو كان التميمي يرى جلالة الملك عبدالعزيز بوصفه ملكًا مهيبًا فقط، لكان من الطبيعي أن يتحدث عن الإعجاب أو التقدير أو الولاء؛ لكنه اختار كلمة «أحببت»، وهي كلمة تنقلنا من علاقة المواطن بالملك إلى علاقة الإنسان بالإنسان. ولقد وجدتني أمام سؤال يستحق التوقف: كيف استطاع الملك عبدالعزيز أن يجمع في شخصيته هذه الهيبة التي تفرضها القوة، وهذا اللين الذي يصنع المحبة؟ وهي محاولة مني للاقتراب من هذا الجانب من شخصيته؛ لا لأضيف وصفًا جديدًا إلى ملكٍ كُتب عنه الكثير، وإنما لأتأمل معكم بعض المواقف التي تكشف كيف اجتمعت في عبدالعزيز هيبة الملك ولين الإنسان. فالهيبة ليست دائمًا في ارتفاع الصوت، ولا القوة في شدة العقاب، كما أن اللين ليس ضعفًا، ولا الرحمة عجزًا عن الحزم. وربما كان أجمل ما في شخصية الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه أن هذه المعاني المتباعدة اجتمعت فيه دون أن يطغى أحدها على الآخر؛ فكان الرجل الذي تهابه الرجال، هو نفسه الذي تلين عنده القلوب. فقد كانت له رحمه الله هيبة الملك، وهيبة الرجل الذي يعرف ماذا يريد، فإذا قال كلمته مضى فيها، وإذا اتخذ قراره لم يكن من السهل أن يتراجع عنه. وكان حضوره في مجلسه، وفي جيشه، وفي مواقف الشدة، يفرض نفسه دون حاجة إلى كثير من الكلام. وقد وصفت شهادات تاريخية نهجه بالحزم وثبات القرار، حتى إن دارة الملك عبدالعزيز نشرت على قناتها في اليوتيوب شهادة شفوية من عقيل بن فهد الخطيب عن هذه السمة في شخصيته، عنوانها: «مسمار ما يتعدى ما قعه»، في إشارة إلى ثبات رأيه ونفاذ قراره.
لكن هذه الهيبة لم تكن الوجه الوحيد لجلالة المؤسس رحمة الله عليه، فخلف ذلك القائد المهيب الذي خاض المعارك، وأعاد بناء دولة، وأدار رجالًا وقبائل وأقاليم واسعة، كان إنسانًا شديد الحساسية تجاه الإنسان وحاجته، لا يرى في السلطة حقًا في ظلم الضعيف، ولا يرى في الانتصار ضرورة للانتقام من المهزوم، ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة في شخصيته، أي أنه لم يكن لينًا لأنه عاجز عن الشدة، بل كان لينًا وهو قادر على الشدة.
وهنا تكمن قيمة اللين عند الملك عبدالعزيز؛ فالرحمة تكون أكثر دلالة حين تصدر من رجل يملك القوة، والعفو يكون أعظم حين يأتي بعد المقدرة، والإنصاف يكون أكثر قيمة حين يستطيع صاحب السلطة أن يميل إلى جانب الأقوى، ولذلك لم تكن مهابته عند الناس نقيضًا لمحبته، بل كان الاثنان يلتقيان في شخصيته على نحو نادر. فالذين عارضوه أو حاربوه لم يكونوا دائمًا ينتهون إلى العداوة الدائمة؛ فقد عفا عن عدد كبير من خصومه، وأعاد بعضهم إلى مواقعهم، وجعل من بعض أعداء الأمس رجالًا قريبين منه. وقد وصف الملك سلمان هذا الجانب في كتاب ملامح إنسانية من سيرة الملك عبدالعزيز بقوله : تعامل الملك عبد العزيز مع من عارضه أو حاربه من أجل إقامة هذه الدولة تعاملاً إنسانيا وكريما، حتى قيل: إنه ما من شخص عاداه، وبقي حيا يرزق إلا عاد إليه طوعا بسبب حسن تعامله، وصدقه مع الناس. ومن النادر أن تقترن صفة العفو مع صفة الشدة والحزم خصوصاً لدى القادة الذين ينشغلون بالتأسيس والمواجهات لكن الملك عبد العزيز أثبت للجميع قدرته على العفو في أصعب الظروف شدة.».وكان للملك عبدالعزيز رحمه الله عناية بالأيتام والأرامل والمعوزين والنساء من السكان لتشملهم الأوقاف التي أجراها في المدينة، فمن إنسانيته في هذا أنه قام بوقف النخل الواقع في المصانع والمسمى نخل الحواطى حيث خصص وقفة على صوام رمضان والوثيقة أرخت بتاريخ 7 رجب 1366هـ جاء نصها التالي: (بسم الله الرحمن الرحيم يعلم الناظر إليه بأن إمام المسلمين عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل حفظه الله قد أوقف وحبس وأبد النخل الواقع في المصانع الذي درج على الإمام بالشراء من عبد الله بن دريس وهو المسمى نخل الحواطى الذي قد صار إلى ابنه ناصر ثم استرجعه الإمام حفظه الله على صوام رمضان ابتغاء ثواب الله ونسأل الله تعالى أن يتقبل منه حسناته ويتجاوز عن سيئاته ويرفع درجاته ويزيده من التمكين في الأرض لإقامة دينه ويصلح له في ذريته قال ذلك وأملاه الفقير إلى الله محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. 7/ 7 / 1366هـ . «الختم».- ثم أسفلها ما نصه - (بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى من يراه السلام وبعد ذلك العمل على ما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم أعلاه وقد وكلنا الشيخ محمد بن إبراهيم على النخل المذكور يصرفه للصوام ماله معارض يكون معلوم إن شاء الله «الختم»، كا أوقف الملك عبدالعزيز بيتاً لإمام المسجد في حلة آل ريس : وحلة آل ريس تقع في الجهة الغربية من سور الرياض وبدأ البناء بها بعد توسع المدينة خارج أسوارها بعد منتصف الخمسينيات الهجرية من القرن الرابع عشر الهجري ( أنظر العساكر، راشد بن محمد الاوقاف الشرعية والاعمال الخيرية للملك عبد العزيز في مدينة الرياض: دراسة وثائقية، ويقول الملك سلمان حفظه الله : وكان -رحمه الله - يخصص للنساء من أسرته وغير أسرته وقتا في المساء للاستماع إليهن، وقضاء حوائجهن وليطلع على أحوالهن على الرغم من مشاغله المعروفة. وكان يزور الكبيرات من أسرته؛ صلة للرحم. وكان ضمن برنامجه اليومي إذا انتهى عند الظهر من مقابلة الناس، وإنجاز العمل في قصر الحكم زيارة أخته نورة في بيتها؛ تقديراً لها. ويقول الملك فيصل رحمه الله عن والده جلال الملك عبدالعزيز كما جاء في كتاب ( شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز) لخير الدين الزركلي: «إن والدي في تربيته لنا يجمع بين الرحمة والشدة، ولا يفرق بيننا وبين أبناء شعبه، وليس للعدالة ميزانان يزن بأحدهما لأبنائه ويزن بالآخر لأبناء شعبه، فالكل سواء عنده، والكل أبناؤه. كما يقول: ويحب جلالته المباسطة على المائدة خلال تناول الطعام ويمازح أبناءه وجلساءه، ويحادثهم أحاديث لا أثر للكلفة فيها ويعاملهم معاملة الصديق للصديق».ومن رحمته وعطفه أن وقف محامياً عن النساء ومدافعاً عن حقوقهن فهذه قصة يرويها وزير الحج سابقاً الدكتور محمود سفر خلال أمسية ثقافية عن حياة الملك عبدالعزيز أقيمت في جامعة أم القرى بمكة المكرمة عام 1429 (2008م)، بحضور خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز ومدار الحدث حول امرأة مسنّة أنصفها الملك عبدالعزيز، وتولى قضيتها، بعد أن استولى أهل زوجها على أرضها وتعنت أحد القضاة معها وأصدر حكماً ضدها، وأظهر المشهد رد فعل خادم الحرمين الشريفين خلال سماعه باهتمام لهذه الواقعة، يقول د. محمود: «السيدة المسنة التي أوكل عبدالعزيز نفسه نيابة عنها في المحكمة، واسمها فاطمة بنت عبدالله الشافعي، وكانت في الطائف عندما حدثت معركة الطائف وتوفي فيها زوجها، حيث وجدت من أقارب زوجها من استولى على ممتلكاتها وأصدر من المحكمة حكماً يقضي بملكيتهم لها فانزعجت، فقيل لها هناك حاكم جديد في مكة فاذهبي إليه، فقالت: أين هو، فقالوا لها إنه في السقاف، فذهبت مشياً إلى هناك»، وأضاف: كان الملك عبدالعزيز يخرج من القصرفصارت تصرخ: «يا عبدالعزيز. يا عبدالعزيز» بلهجتها العفوية، فاقتربت منه، فهدّأ الملك عبدالعزيز من روعها وقال لها: وش القصة؟ وش اللي حصل؟ فقالت: نزلت من كذا كذا، ووجدت الأملاك وقاضي من قضاتكم الذين وضعتهم في المحكمة حكم بالظلم، فطلب من «ابن جميعه»، وهي تتذكر اسمه، هات قرطاساً واكتب إلى القاضي فلان الفلاني، وأنا وكيل هذه السيدة شرعاً أمامك، فأخذت الو رقة وهي لا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف ما بها، وقالت: ما هذه الورقة ما بها؟ فقال لها: خذي هذه الورقة واذهبي إلى القاضي بها، فذهبت إليه، وتابع معالي الدكتور: القاضي كان دخل وكان في كل مرة تدخل إليه يطردها ويهددها بالعسكري، ولكن هذه المرة جاءت متسلحة بورقة بها ختم الملك عبدالعزيز، وقالت: «هذه الورقة من سيد سيدك»، بلهجة عفوية. وقال دكتور محمود سفر: «كان القاضي جالساً وفتح الورقة وعندما رأى ختم عبدالعزيز قام واقفاً، ووضع الورقة على رأسه، فقالت له بعفويتها: «الله أكبر عليك.. خفت من عبدالعزيز وما خفت من رب عبدالعزيز» وقد تبسم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان من قول المرأة وهو يصغي للقصة التي يرويها معالي دكتور محمود سفر.( انظر الحميد، عبداللطيف بن محمد. 1430هـ/ 2009م .» سلمان بن عبدالعزيز آل سعود سيرة توثيقية». الرياض. السعودية.)
ومن المواقف الإنسانية المؤثرة لكرم الملك عبدالعزيز غفر الله له ما ذكره خادم الحرمين الشريفين الملك فهد يرحمه الله في إحدى خطبه رواية عن والده بشأن ما كان يقوم به ليلاً بنفسه دون علم الآخرين من الإحسان للضعفاء والفقراء خاصة في العشر الأواخر من شهر رمضان في كل عام ومن بينهم امرأة عجوز من أسرة يعرفها، يقول الملك عبدالعزيز أعطيتها مبلغاً من المال فأمسكت بي والدنيا ظلام، وقالت: من أنت؟ فلم أقل لها شيئاً لأني لا أريد أن تعرفني، فقالت: أنت عبدالعزيز؟ فقلت لها: نعم أنا عبدالعزيز فاستقبلت القبلة وقالت: قل آمين إن الله يفتح لك خزائن الأرض وبعد أن ظهر الزيت عندنا عرفت أن هذي هي خزائن الأرض» (انظر المجلة العربية للدراسات الأمنية ،1438هـ 2017م، المجلد 32، العدد 68، ص 416 )، وتستمر المواقف ولكن هذا الموقف يستحق التوقف والتأمل حين قال رحمه الله للريحاني: العدل عندنا يبدأ بالبل - الإبل - ومن لا ينصف بعيره يا حضرة الاستاذ لا ينصف الناس، وقد كانت هذه الحكمة منه حين رأى جمل كأنه متعب، يقول الريحاني في كتابه ملوك العرب: كان اذ ذاك يراقب قافلة اناخت عند خيمة المونة تحمل إلينا الخضر والماء من الاحساء . فأمر ان يحضر قيمها، فسأله سؤالاً بخصوص جمل من الجمال، فقال القيم : هو حرون يا طويل العمر . فأجابه السلطان : اتر كه يرعى مع الجيش لا ترجعه معك .
وتأمل اللطف مع الشعب ومع الرعية واقرأ معي رسالة منه رحمه الله يعزي فيها الشيخ مشاري بن عبدالله الصعيري في وفاة والده عام 1347هـ ونصها: (من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى جناب الأخ المكرم الشيخ مشاري بن عبدالله الصعيري سلمه الله تعالى آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن أحوالكم أحوالنا من كرم الله جميلة الخط المكرم وصل وماعرفت كان معلوم مخصوصاً من قبل وفاة والدكم فنرجو أن الله تعالى يغفر له ويرحمه ويعظم لكم الأجر وإن شاء الله حنا عوظكم فيه ومن قبل قاعدته هذا واصلكم ورقة لبن سلطان معرفينه يجيبها لكم بالتمام إن شاء الله هذا ما لزم تعريفه مع إبلاغ السلام العيال ومن عندنا العيال يسلمون 18-5-1347هـ). وفي هذه الرسالة التي يواسي فيها الشيخ مشاري ينثر الملك المؤسس أخلاقه الأبوية وإنسانيته ورفقه بشعبه وتواضعه فيقول: «وإن شاء الله حنا عوظكم فيه» فهو يخفف مصابهم بأنه رحمه الله عوضهم في والدهم الذي توفي وأنه العين الساهرة عليهم بعده، ويختم رسالته بمفردات جميلة رائعة من خلال جملتين الأولى يقول فيها : « مع إبلاغ السلام العيال» ويقصد أبناء مشاري وكافة قبيلته.ومهما حاولنا أن نجمع المواقف الإنسانية في سيرة الملك عبدالعزيز، فلن نستطيع أن نحصرها في مقال، ولا أن نستوفيها في كتاب. فالحياة اليومية للإنسان، مهما كان موقعه، تحمل من التفاصيل ما لا تصل إليه كتب التاريخ كلها، فما بالك برجل عظيم عاش سنوات التأسيس، والتوحيد، وبناء الدولة، والتقى في طريقه بآلاف الناس، في أحوال مختلفة ومواقف لا تتشابه. ولعل ما وصل إلينا من تلك المواقف ليس إلا ما بقي في ذاكرة أصحابها، أو ما تناقلته الأجيال، أو ما سجّلته الكتب والصحف. أما كثير مما فعله عبدالعزيز من عفو، أو رحمة، أو إنصاف، أو التفاتة إنسانية عابرة، فقد يكون قد مضى معه ولم يجد طريقه إلى الرواية والتوثيق.ولهذا فإن المواقف التي استعرضناها هنا لا أراها إلا نوافذ صغيرة نطل منها على شخصية أكبر؛ شخصية لم تكن إنسانيتها موقفًا عابرًا، وإنما كانت جزءًا من تكوينها. ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به أن الملك عبدالعزيز لم يكن مهيبًا رغم إنسانيته، ولا إنسانيًا رغم هيبته؛ بل كان مهيبًا وإنسانيًا في آن واحد. كان في موضع يستطيع فيه أن يأمر، لكنه كان يعرف متى يعفو. ويستطيع أن يعاقب، لكنه كان يعرف متى يرحم. ويستطيع أن ينتصر، لكنه كان يعرف أن بض الانتصارات لا تكتمل إلا بالتسامح. وهكذا تبقى صورة عبدالعزيز أكبر من أن تُحصر في موقف، أو تختزل في صفة؛ هيبة ملك، ولين إنسان. وإذا كان محمد أمين التميمي قد سأل قبل عقود: «لماذا أحببت ابن سعود؟»، فربما كانت بعض الإجابة كامنة في هذه المواقف الصغيرة التي تكشف لنا أن وراء الملك المهيب إنسانًا استطاع أن يسكن القلوب، أما ما لم نروه، وما لم يصلنا، وما لم يُكتب بعد، فربما ينتظر قارئًا آخر، ووثيقة أخرى، وذاكرة أخرى، لتكتمل بعض ملامح الصورة التي لن تكتمل أبدًا.