مبارك بن عوض الدوسري
في كل عام، يأتي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية حاملاً معه مشاعر الفخر والاعتزاز، ومجدداً في نفوس أبناء هذا الوطن العظيم معنى الانتماء إلى أرضٍ صنعت تاريخاً استثنائياً، وأقامت حاضرها على أسس راسخة، وتمضي بثقة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وطموحاً؛ وفي اليوم الوطني لعام 2026، تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، تتجدد أمامنا مساحة واسعة للتأمل في ذلك العز الذي لم يكن يوماً مجرد كلمات تُقال، أو شعارات تُرفع، أو ألوان تتزين بها الشوارع والمباني، بل كان ـ وما يزال ـ طبعاً أصيلاً في أبناء هذه البلاد، يظهر في أخلاقهم، وفي سلوكهم، وفي إحساسهم بالمسؤولية، وفي محافظتهم على وطنهم ومكتسباته؛ فالوطن ليس حدوداً نرسمها على الخريطة فحسب، وليس نشيداً نردده في المناسبات، وليس علماً نرفعه في الاحتفالات وحدها، بل هو أيضاً ذلك الشارع الذي نسير فيه، والمدرسة التي نتعلم بين جدرانها، والحديقة التي يستمتع بها أطفالنا، والمستشفى الذي يقصده مرضانا، والمرافق العامة التي أنفقت الدولة عليها من أجل راحة الإنسان وخدمته؛ ومن هنا، فإن المحافظة على الممتلكات العامة ليست قضية ثانوية أو سلوكاً اختيارياً، بل هي أحد أهم التعبيرات العملية عن حب الوطن، وأصدق صور المواطنة، وأجمل ما يمكن أن يتجسد فيه شعار «عزّنا بطبعنا».
إن من المؤسف أن نجد أحياناً من يحتفل بالوطن، ثم يترك خلفه مكاناً ملوثاً، أو يعبث بمرفق عام، أو يكتب على جدار، أو يتلف مقعداً، أو يتعامل مع الممتلكات العامة وكأنها لا تخصه؛ وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً، لكنه عميق المعنى: كيف يمكن للإنسان أن يعلن حبه لوطنه، ثم يسيء إلى شيء من ممتلكاته؟ وكيف يمكن أن نفتخر بما تحقق من منجزات، ونحن لا نمنح تلك المنجزات ما تستحقه من احترام ورعاية؟
إن المحافظة على الممتلكات العامة هي في حقيقتها احترام للإنسان قبل أن تكون حماية للحجر أو للمكان؛ لأن هذه الممتلكات وُجدت لخدمة الجميع؛ فالحديقة ليست ملكاً لشخص واحد، والمدرسة ليست ملكاً لطالب بعينه، والشارع لا يخص فرداً دون آخر، والمرافق والخدمات العامة هي حق مشترك ينتفع به المواطن والمقيم والزائر، ويأتي الاعتداء عليها أو إهمالها ليحرم الآخرين من حقهم، ويضيف أعباءً جديدة على المجتمع، ويستنزف أموالاً كان يمكن أن توجه إلى مشاريع جديدة أو خدمات إضافية.
وإذا كان اليوم الوطني مناسبة للاحتفاء بتاريخ المملكة ووحدتها ومنجزاتها، فإنه أيضاً مناسبة لترسيخ السؤال الأهم: ماذا قدمنا نحن لوطننا؟ وليس المقصود دائماً تقديم أعمال ضخمة أو إنجازات استثنائية؛ فقد تبدأ خدمة الوطن من سلوك صغير، كأن ترفع ورقة ألقيت في الطريق، أو تحافظ على مقعد في حديقة، أو تمنع طفلاً من العبث بمرفق عام، أو تبلغ عن حالة تخريب، أو تغادر مكاناً عاماً وقد تركته أجمل مما كان عليه.
إننا بحاجة، خصوصاً في هذه المرحلة، إلى أن نوجه اهتماماً أكبر إلى شبابنا، فهم الطاقة التي تبني المستقبل، وهم الأكثر قدرة على تحويل الأفكار إلى مبادرات، والقيم إلى ممارسات، والانتماء إلى عمل ملموس؛ والشباب السعودي اليوم يعيش مرحلة وطنية مختلفة، مرحلة تتسارع فيها الإنجازات، وتتوسع فيها المدن، وتقام فيها المشاريع العملاقة، وتُفتح أمامه آفاق واسعة في التعليم والاقتصاد والثقافة والرياضة والتقنية والسياحة وغيرها من المجالات؛ وكل ذلك يجعل من الضروري أن يسير الوعي والمسؤولية جنباً إلى جنب مع التنمية؛ فكل مشروع جديد يحتاج إلى مواطن يحافظ عليه، وكل مرفق جميل يحتاج إلى مجتمع يدرك قيمته، وكل إنجاز وطني يحتاج إلى سلوك حضاري يحميه؛ فالتنمية لا تكتمل بالإعمار وحده، وإنما تكتمل عندما يتحول المجتمع كله إلى شريك في المحافظة على ما تحقق؛ ومن هنا، فإن مسؤولية التوعية لا ينبغي أن تترك لجهة واحدة، بل يجب أن تصبح مشروعاً مجتمعياً تشارك فيه المؤسسات المختلفة، كل من موقعه وبالوسائل التي يمتلكها؛ ولعل الأندية الرياضية والثقافية والاجتماعية تستطيع أن تؤدي دوراً مؤثراً في هذا الجانب، خصوصاً أنها تستقطب أعداداً كبيرة من الشباب، وتملك القدرة على مخاطبتهم بلغة قريبة من اهتماماتهم.
فما أجمل أن تتحول بعض الفعاليات الرياضية إلى رسائل وطنية وسلوكية، وأن تحمل المباريات والبطولات مبادرات توعوية حول احترام المرافق والمحافظة على الممتلكات العامة، وأن يشارك اللاعبون والمؤثرون والرياضيون في تقديم رسائل قصيرة لكنها مؤثرة، تؤكد أن الشاب الذي يحافظ على ملعبه وناديه وشارعه ومدينته، إنما يقدم صورة مشرقة عن نفسه ووطنه؛ كما يمكن للأندية أن تجعل من العمل التطوعي جزءاً من برامجها، من خلال تنظيم مبادرات لتنظيف الحدائق والشواطئ والأحياء، والمحافظة على الأماكن العامة، وغرس الأشجار، وإعادة تأهيل بعض المواقع بالتعاونمع الجهات المختصة؛ فحين يشارك الشاب بيده في خدمة المكان، تتغير علاقته به، ويصبح أكثر حرصاً على حمايته والمحافظة عليه. أما المدارس، فإن مسؤوليتها في هذا الجانب تبدأ من سنوات العمر الأولى؛ لأن السلوك لا يُفرض في مرحلة متأخرة، بل يُبنى بالتربية والممارسة والتكرار؛ والمدرسة ليست مكاناً لتلقي المعلومات فقط، بل هي بيئة تربوية يتعلم فيها الطالب كيف يكون مواطناً صالحاً، وكيف يتعامل مع الآخرين، وكيف يحترم المكان الذي يعيش فيه؛ ويمكن للمدارس أن تجعل المحافظة على الممتلكات جزءاً حياً من برامجها، لا مجرد عبارات مكتوبة على الجدران؛ فالمسابقات، والمبادرات الطلابية، والإذاعة المدرسية، والأنشطة التطوعية، والزيارات الميدانية، وبرامج الكشافة، كلها أدوات قادرة على تحويل هذه القيمة إلى ممارسة يومية؛ والأجمل أن يشعر الطالب بأن المدرسة ليست «مكاناً للدولة» لا علاقة له به، وإنما هي مكانه هو أيضاً، وأن المحافظة على مقعده وجدرانه ومرافقه ودورات المياه وساحاته هي صورة من احترامه لنفسه ولزملائه وللمال العام؛ فالطالب الذي يتعلم اليوم أن يحافظ على ممتلكات مدرسته، سيكون غداً أكثر وعياً وهو يتعامل مع ممتلكات مدينته ووطنه.
وتأتي الجامعات في مرحلة لا تقل أهمية، إذ يعيش الطالب الجامعي مرحلة من النضج الفكري والاجتماعي تؤهله لأن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة الوعي؛ والجامعات السعودية، بما تمتلكه من طاقات شبابية وخبرات أكاديمية وإمكانات بحثية، تستطيع أن تقدم نموذجاً متقدماً في نشر ثقافة المحافظة على الممتلكات العامة؛ فالمحاضرات التوعوية، والمشروعات البحثية، وحملات الطلاب، والمسابقات الإعلامية، والمبادرات التطوعية، يمكن أن تتحول إلى برامج مستدامة، تبحث في أسباب السلوكيات السلبية، وتقترح حلولاً عملية لها، وتستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي للوصول إلى الشباب بلغة عصرية ومؤثرة.
ونحن اليوم في عصر يستطيع فيه مقطع قصير، أو فكرة إبداعية، أو مبادرة شبابية بسيطة، أن تصل إلى آلاف وربما ملايين الناس؛ فلماذا لا نرى مزيداً من الحملات التي تجعل من المحافظة على الممتلكات العامة سلوكاً «مفتخراً» به؟ لماذا لا يصبح الشاب الذي يلتقط المخلفات من مكان عام نموذجاً يحتذى، بدلاً من أن يُنظر إلى هذا العمل على أنه أمر عادي لا يستحق الاهتمام؟
كما أن المساجد وخطب الجمعة تملك دوراً بالغ الأهمية في ترسيخ هذه القيمة، لما للمنبر من مكانة عظيمة وتأثير مباشر في المجتمع؛ فالمحافظة على الممتلكات العامة ليست قضية مدنية فقط، بل لها بعد ديني وأخلاقي عميق؛ لأن الإسلام دعا إلى الإصلاح ونهى عن الإفساد، وحث على النظافة، وجعل إزالة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان؛ وبالتالي فإن الحديث عن احترام الطريق، والمحافظة على النظافة، وعدم الإضرار بالآخرين، وعدم الاعتداء على الحقوق العامة، يمكن أن يجد مساحة واسعة في الخطاب التوعوي، ليس باعتباره توجيهاً عابراً، وإنما باعتباره جزءاً من بناء المسلم المسؤول الذي يدرك أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن السلوك؛ فالذي يحافظ على نظافة الطريق، ويحترم المرافق، ويمنع الضرر عن الآخرين، لا يقوم بعمل حضاري فقط، بل يمارس قيمة دينية وأخلاقية عظيمة؛ ومن هنا، فإن خطب الجمعة والدروس والمحاضرات يمكن أن تسهم في إعادة التأكيد على أن الممتلكات العامة ليست «مجهولة المالك»، وإنما هي ملك للجميع، والاعتداء عليها اعتداء على حق المجتمع.
وفي هذا السياق، يبقى الإعلام شريكاً أساسياً في صناعة الوعي؛ فنحن بحاجة إلى الانتقال من مجرد الحديث عن التخريب بعد وقوعه إلى بناء ثقافة وقائية تمنع حدوثه من الأساس؛ ونحتاج إلى قصص إيجابية، ونماذج شبابية ملهمة، وحملات ذكية، ورسائل إعلامية لا تعتمد فقط على التوبيخ، بل تزرع الشعور بالفخر بالسلوك الإيجابي.
إن الشباب لا يحتاجون دائماً إلى من يقول لهم: «لا تفعل»، بل يحتاجون أيضاً إلى من يقول لهم: «افعل هذا، وستكون جزءاً من الحل»؛ فبدلاً من الاكتفاء بالتحذير من العبث بالمرافق، يمكن تشجيعهم على المبادرة في حمايتها، وتكريم النماذج الإيجابية، وإبراز قصص المتطوعين الذين يجعلون من خدمة المجتمع جزءاً من حياتهم؛ ولعل من أجمل ما يمكن أن تحمله احتفالات اليوم الوطني هذا العام هو أن تتحول المناسبة من مظاهر احتفال مؤقتة إلى مشروع وطني للسلوك الحضاري؛ فكما نزين شوارعنا بالأعلام، ينبغي أن نحافظ على نظافة تلك الشوارع بعد انتهاء الاحتفالات؛ وكما نفرح بالحدائق والمتنزهات، ينبغي أن نغادرها وقد تركناها نظيفة وجميلة؛ وكما نرفع شعار الوطن بفخر، ينبغي أن نترجمه في تعاملنا مع كل ما يخص الوطن.
إن الشاب الذي يرفع العلم السعودي ثم يرمي المخلفات في المكان الذي يقف فيه يحتاج إلى أن يفهم أن حب الوطن لا ينتهي عند رفع العلم؛ والذي يردد الأناشيد الوطنية ثم يكتب على الجدران يحتاج إلى أن يدرك أن الجدار ال ذي يشوهه هو جزء من المكان الذي يفتخر بالانتماء إليه؛ فالوطنية ليست لحظة احتفال، وإنما أسلوب حياة؛ وهذا هو المعنى الذي نحتاج إلى ترسيخه في أذهان الأجيال الجديدة؛ أن المواطن الحقيقي لا ينتظر مراقباً ليحسن التصرف، ولا يحتاج إلى كاميرا لتدفعه إلى المحافظة على المكان، ولا يبحث عن مكافأة مقابل سلوك يفترض أن يكون جزءاً من شخصيته.
إن «عزّنا بطبعنا» يمكن أن يكون أكثر من شعار لليوم الوطني، إذا جعلناه سؤالاً نطرحه على أنفسنا كل يوم: هل يظهر عزنا في أخلاقنا؟ هل يظهر في احترامنا للنظام؟ هل يظهر في محافظتنا على نظافة مدننا؟ هل يظهر في تعاملنا مع الممتلكات التي أنفقت الدولة عليها من أجلنا؟ وهل نترك للأجيال القادمة وطناً أجمل مما وجدناه؟
إن المملكة اليوم تمضي في مشروع حضاري وتنموي كبير، وتبني مدناً ومشاريع ومرافق تواكب مكانتها وطموحاتها، لكن أعظم استثمار يظل دائماً هو الاستثمار في الإنسان؛ فالإنسان الواعي هو الذي يحمي المنجز، والإنسان المسؤول هو الذي يحافظ على المكتسب، والشاب الذي يدرك قيمة وطنه هو أفضل حارس لمستقبله؛ ولذلك، فإن مسؤوليتنا جميعاً ـ الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والنادي، والمسجد، والإعلام، ومؤسسات المجتمع ـ أن نعمل معاً من أجل بناء جيل لا يكتفي بالفخر بوطنه، بل يترجم ذلك الفخر إلى سلوك.. جيل يعرف أن رمي المخلفات ليس أمراً بسيطاً، وأن تخريب مقعد عام ليس مزحة، وأن الكتابة على الجدران ليست حرية، وأن العبث بالمرافق ليس تصرفاً فردياً لا يضر أحداً، بل هو اعتداء على حق مجتمع كامل؛ وفي اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية لعام 2026، لنجعل من شعار «عزّنا بطبعنا» دعوة إلى أن يكون طبعنا هو المحافظة، والمسؤولية، والنظافة، والاحترام، والمبادرة، والعطاء.
فلنحتفل بوطننا كما يليق به، لا بالأغاني والأعلام وحدها، بل بالأفعال التي تحفظ جماله، وتصون ممتلكاته، وتحمي مكتسباته؛ ولنتذكر دائماً أن الوطن الذي نفخر به اليوم لم يُبنَ بالكلمات، بل بالجهد والعمل والتضحيات، وأن المحافظة على ما تحقق فيه هي أقل ما يمكن أن نقدمه له؛ فالوطن أمانة.. وممتلكاته أمانة.. ومستقبله أمانة في أيدينا.
عزّنا بطبعنا.. ومن أجمل طباع العز أن نحافظ على وطننا كما نحافظ على أعز ما نملك.