أحمد صالح حلبي
حرصت حكومة المملكة العربية السعودية منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- على توفير الأمن والأمان، وأفضل الخدمات لقاصدي البيت الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، من حجاج ومعتمرين وزوار.
وبرز الاهتمام السعودي لقاصدي البيت الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، بتوفير الخدمات الأمنية التي لم يكن لها وجود، وشكا منها الكثيرون، ودون أحداثها المؤرخون والرحالة، ومنهم المستشرق الألماني جون وايلد الذي دخل مكة عام 1012هـ / 1604م، وذكر أن «معاناة الحجاج متعددة، فمنها الخوف من قطاع الطرق الذين كانوا يتربصون بالحجاج وقوافلهم لأخذ الإتاوات حتى يسمح للقوافل بالمرور، وإن تجاوزوهم وجدوا غيرهم يسلبون أمتعتهم وأموالهم؛ لذلك كان الحجاج لا يمشون فرادى بل جماعات نتيجة لغياب الأمن، ولم تكن مخاطر الحج منحصرة على قطاع الطرق وحدها، بل كانت الطرق التي يسلكها الحجاج محفوفة بمخاطر السيول والأمطار».
ولم يكن غياب الأمن منحصراً على الطرق الخارجية الرابطة بين المدن، فهو غائب أيضاً حتى بين أحياء مكة المكرمة، وهذا ما أكده قائد المحمل المصري إبراهيم رفعت باشا، أمير ركب الحج المصري، في كتابه (مرآة الحرمين) بقوله: «إن من كان يريد زيارة جبل النور، عليه أن يحمل معه الماء الكافي، وأن يكون الحجاج على شكل جماعات يحملون السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم من اللصوص الذين يتربصون بهم لسلب أمتعتهم».
وأكد ذلك الفريق أحمد مصطفى يغمور مدير الأمن العام خلال الفترة من 1380 - 1386هـ في كتاب الأمن في عهد الملك عبدالعزيز لإبراهيم العتيبي بقوله «إن كبار السن كانوا يروون له أنه قبل العهد السعودي كان الأمن في المشاعر المقدسة والطرق المؤدية إليها معدوماً لدرجة أن سكان حارة (جرول) في مكة المكرمة لا يقدرون على الذهاب لحارة (الباب) إلا بشكل جماعي خوفا من الاعتداء عليهم».
ومع توحيد الجزيرة العربية وإعلان قيام المملكة العربية السعودية، بدأ الأمن يستتب، والأمان يبرز، وهذا ما أوردته الباحثة أريج محسن العوفي في دراستها بعنوان «جهود الملك عبدالعزيز في حفظ الأمن في الحجاز (1344 – 1373هـ/ 1925 – 1953م)»، التي نشرها كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود لدراسة تاريخ مكة المكرمة، الظروف الأمنية التي عاشتها منطقة الحجاز قبل عهد الملك عبدالعزيز، وحالة الحجاز بعد دخول الملك عبدالعزيز، والإصلاحات التي قام بها لتحسين أوضاع المنطقة.
وقال أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف)، «إنه ما إن تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - مكة المكرمة، والذي كان همه الأول بسط الأمن وتأمين طرق الحجاج، حتى عم الأمن والأمان ربوع المملكة العربية السعودية، ولا سيما منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة».
وأضاف «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد، أكثر أمناً من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه».
أما اليوم فنرى بفضل الله تعالى، وبدعم قيادتنا منظومة أمنية متكاملة تعمل من خلال وزارة الداخلية ليس لتوفير الأمن والأمان لقاصدي البيت الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من حجاج ومعتمرين وزوار فقط، بل لتقديم خدمات ومبادرات تستهدف راحة وطمأنينة ضيوف الرحمن ومنها، «مبادرة طريق مكة» التي تمثل إحدى مبادرات وزارة الداخلية ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، أحد برامج رؤية السعودية 2030، وأطلقت في عام 2017م، وتهدف إلى تقديم خدمات ذات جودة عالية للحجاج المستفيدين من المبادرة، من خلال إنهاء إجراءاتهم من بلدانهم، بدءًا من إصدار التأشيرة إلكترونيًا وأخذ الخصائص الحيوية، ومرورًا بإنهاء إجراءات الجوازات في مطار بلد المغادرة بعد التحقق من توافر الاشتراطات الصحية، إضافة إلى ترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل والسكن في المملكة، وعند وصولهم ينتقلون مباشرة إلى حافلات لإيصالهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بمسارات مخصصة، في حين تتولى الجهات الخدمية إيصال أمتعتهم إلى مساكنهم.
برز الاهتمام بالخدمات الصحية لقاصدي البيت الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من معتمرين وحجاج وزوار، فكانت الخطوة الأولى عام 1343هـ متمثلة في تأسيس مصلحة الصحة العامة في مكة المكرمة، والتي تحولت عام 1344هـ لمديرية عرفات باسم مديرية الصحة العامة والإسعاف.
كما شكل نظام إدارة الحج الصادر في 20 ربيع الأول عام 1345هـ، خطوة للحفاظ على صحة الحجاج إذ دعت المادة 13 إلى الاهتمام بصحة الحاج، ونصت أنه «على المطوف إخبار مديرية الصحة العامة فيما إذا طرأ مرض على أحد الحجاج، فيخبر عنه إدارة الصحة لمعاينته فوراً، وعلى إدارة الصحة إجراء وظيفتها نحو ذلك».
وبتوقيع الاتفاقية الصحية الدولية لأنظمة الحجر، المتضمنة إيجاد محجري «الطور» و«كمران» في البحر الأحمر كمركزين رئيسيين لتنفيذ الأنظمة الصحية التي عرفت لاحقاً بالكرنتينات، تم حجر الحجاج القادمين من خارج المملكة عبر البحر، وفي عام 1345هـ تم تأسيس محاجر صحية في كل من ينبع والوجه، باعتبارهما منطقتي قدوم للحجاج، وافتتاح قسم خاص بالجراثيم في المستشفى الحكومي بباب مكة في مدينة جدة في العام نفسه.
وحينما انتشر وباء الجدري عام 1368هـ، اتخذ الملك عبدالعزيز -رحمه الله- عدة إجراءات صحية لمواجهته، ومنها التعاقد مع خبراء أوروبيين لتطوير المحاجر الصحية الموجودة، وتأسيس محاجر صحية أخرى على الساحلين الشرقي والغربي.
اليوم نرى قطاع الخدمات الصحية للحجاج قد شهد نقلة كبرى شملت العديد من المجالات حيث تم توفير 183 منشأة صحية، منها 32 مستشفى و151 مركزاً صحياً و6 عيادات متنقلة، مزودة بأحدث التقنيات الطبية؛ لضمان تقديم الرعاية الصحية الفورية والفعالة، فيما بلغت الطاقة الاستيعابية لهذه المنشآت أكثر من 6400 سرير موزعة على جميع المستشفيات والمراكز، تشمل أسرّة العناية المركزة والطوارئ وأسرّة مخصصة لضربات الحرارة، كما تم توظيف تقنيات نوعية، من أبرزها استخدام الطائرات بدون طيار «الدرون» لتسريع الإمداد الطبي ونقل الأدوية والمستلزمات، إلى جانب توسيع خدمات الطب الاتصالي والأنظمة الرقمية لدعم الفرق الميدانية وتعزيز سرعة اتخاذ القرار الطبي عبر مستشفى صحة الافتراضي، بالإضافة إلى إجراء عمليات جراحية باستخدام تقنيات الروبوتات الطبية، وتوظيف الساعات الذكية لمتابعة المؤشرات الحيوية عن بُعد للحجاج الذين تتطلب حالتهم الصحية ذلك.
وفي مجال النقل نجد أن الجمال التي كانت هي الوسيلة الرئيسية لنقل الحجاج خلال الأربعينات الهجرية، وتحديداً خلال الفترة بين عامي 1343 ـــ 1345هــ، كانت السيارات لا تستخدم، وكانت وسائل النقل تعتمد على الجمال، وتتولى (هيئة المخرجين) إحضار الجمال والجمالة، ويعمل (المقومون) على تحديد الحمولة، استبدلت في عهد الملك عبدالعزيز ــ طيب الله ثراه ـــ بعد دخوله مكة المكرمة بعد أن أخذ بمبدأ التطوير فسمح بدخول السيارات واستعمالها، وأصدر ـ طيب الله ثراه ـ أمره عام 1346هــ / 1927م، بإصلاح الطرق الوعرة التي يمر بها الحجاج ذهاباً وإياباً من جبل عرفه.
أما شركات نقل الحجاج فكانت بدايتها الأولى عام 1344هــ حينما أسست أول شركة لنقل الحجاج بين جدة ومكة المكرمة وكان عدد أتوبيساتها لا يتجاوز خمسة وعشرين سيارة، ثم صدر في عام 1345هـ أول تنظيم لسيارات نقل الحجاج وتضمن إحدى وثلاثين مادة وصدر الأمر السامي بالمصادقة عليه في 18 جمادى الآخرة سنة 1346هـ، وبدعم من الملك عبدالعزيز تأسست الشركة السعودية الوطنية لسير السيارات بالحجاز برأسمال قدره خمسون ألف جنيها، وارتفعت أعداد السيارات في الحجاز وبلغت في جمادى الآخرة 1346هـ 267 سيارة ثم ارتفع العدد ليصل إلى 541 سيارة في شهر شعبان من العام نفسه.
وصدر الأمر السامي الكريم رقم (11501) وتاريخ 3 - 7 - 1372هـ باعتماد نظام النقابة العامة للسيارات، لتبدأ الخطوات الأولى لبروز شركات نقل الحجاج، فكانت شركة خميس نصار، وباخشب باشا، والعربية، والمغربي، والتوفيق، والكعكي، والداخلي، لكن هذه الشركات لم تستمر طويلاً، إذ خرج البعض منها ودمج البعض الآخر، فأصبح عددها لا يتجاوز الخمس شركات، وهي (العربية، التوحيد، التوفيق، عبدالعزيز كعكي، المغربي)، ثم أضيفت إليها لاحقاً (النقل الداخلي).
وفي عام 1392هــ صدر قرار مجلس الوزراء رقم (958) بتشكيل الهيئة العليا لمراقبة نقل الحجاج وبموجبه أصدرت الهيئة بعض القرارات بتصنيف أجور السيارات وزيادة بعض الأمور بما يتناسب مع الوضع السائد آنذاك.
وكانت الحافلات من الموديلات القديمة، والتي ظلت تستخدم حتى عام 1395هــ، إذ عمدت الدولة - رعاها الله - على تطوير مستوى الحافلات فقدمت ما بين عامي 1395 - 1398هــ دَعماً لشركات نقل الحجاج، تمثل في تأمين نحو الفي حافلة (2000) حافلة قامت بـشرائها، ووزعتها على أربع شركات هي التوفيق، المغربي، عبدالعزيز كعكي، النقل الداخلي، وجرى استخلاص قيمتها من الشركات على أقساط ميسرة ممتدة لـ 15 عاماً تحسم من إيراداتها السنوية.
شكلت هذه الحافلات بداية لإحداث نقلة نوعية وتطوير شامل لأسطول نقل ضيوف الرحمن، والانتقال به إلى مرحلة الحافلات الحديثة المنظمة بدلاً من الوسائل البدائية القديمة.
واليوم نرى أن عدد شركات نقل الحجاج تحت مظلة النقابة العامة للسيارات بلغ نحو ثمانين شركة، تمتلك ما لا يقل عن ثلاثين ألف حافلة.
وأوردت الليدي افلين كوبولد - إحدى سيدات الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا -، والتي أعلنت إسلامها وأسمت نفسها زينب، وأدت فريضة الحج العام 1933م، معاناة الحجاج مع وسائل النقل، وذكرت أنها قطعت المسافة بين جدة ومكة المكرمة في غضون يوم كامل فيما تمكنت من الوصول إلى المدينة المنورة من جدة في نهاية اليوم الثالث، ومنها انتقلت إلى مكة المكرمة التي وصلتها خلال أربعة أيام وعدّت ذلك إنجازاً عظيماً للملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - في تذليل المسافات التي تحتاج إلى 15 يوماً بواسطة قوافل الجمال، وذكرت أن الملك عبدالعزيز قد شرع في إنشاء محطات طرق لخدمة الحجاج.
ولم ينحصر اهتمام الدولة بنقل الحجاج على الوسائل المستخدمة، وإدخال وسائل نقل حديثة، بل شمل ذلك تطوير منظومة النقل، ولمحدودية مساحة المشاعر المقدسة، واعتماد نقل الحجاج بينها على فترة زمنية محددة، كلف معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة والزيارة بجامعة أم القرى لدراسة مشكلة التزاحم بالمشاعر ووضع الحلول المناسبة لها، وبدا الإعداد لدراسة قدمها الباحث المشارك بالمعهد، المهندس فاضل يحي عنان، من قبل لجنة ضمت إمارة منطقة مكة المكرمة، وزارة المواصلات، وزارة الحج، والنقابة العامة للسيارات، والمؤسسة الأهلية لمطوفي حجاج تركيا وأوروبا وأمريكا وأستراليا، وقيادة أمن الحج.
وعملت وزارة المواصلات من جانبها على تبني فكرة نقل الحجاج للمشاعر المقدسة، بنظام الرحلات الترددية، وقامت بتوسعة الطريق رقم (9) بمنى ليصبح 1400م عند الدوران، وبطول 600 م، كما تم إنشاء طريق خاص للترددية من منى إلى مزدلفة ذي اتجاهين وبعرض يتراوح بين 1400 - 2100م، بطول 600م، كما تم ترحيل الطريق رقم (9) الشمالي، وتعديل مواقف السيارات المرتبطة به في مزدلفة وربطه بمنحدرات جسر الملك فيصل.
وأدى تطبيق نظام الرحلات الترددية إلى خفض أعداد الحافلات المشاركة في نقل الحجاج بالمشاعر المقدسة، مما أسهم في مرونة حركة السير، حيث تم نقل مائة وعشرين ألف حاج بـ1200 حافلة.
وأبرز ما يتميز به نظام النقل بالرحلات الترددية انخفاض أعداد الحافلات العاملة، فرغم مشاركة 1200 حافلة، إلا أن عدد الحافلات العاملة منها لا يتجاوز الـ 700 فقط، وتشكل الأعداد الباقية منها احتياطي تشغيل وفائض تشغيل.
وشهد عام 2008 تنفيذ مشروع قطار المشاعر المقدسة، الذي يربط منى - عرفات - مزدلفة بسكة حديدية لسرعة وسلامة نقل الحجاج، وبلغت تكلفت المشروع أكثر من ستة مليار ريال، وافتتح عام 2010.
ودخل قطار الحرمين السريع الرابط بين منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ضمن منظومة وسائل نقل الحجاج إذ نقل خلال موسم حج العام الماضي 1447 هـ، أكثر من ثمانمائة ألف حاج، منذ إطلاق خطة تشغيلية لموسم حج 1447هـ، وذلك عبر تنفيذ (3649) رحلة حتى 5 ذي الحجة 1447هـ.
ختاماً فإن ما قدمته وتقدمه الدولة السعودية لراحة وسلامة ضيوف الرحمن لا يتوقف عند حد، أو ينحصر بقطاع دون آخر، فعملية التطوير والتحديث لراحة وطمأنينة ضيوف الرحمن وسلامتهم مستمرة، ويكفي الأمن والأمان في بلد الله الحرام، التي ترجمها أمير البيان شكيب أرسلان، في كتابه (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج لأقدس مطاف) بقوله: «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد، آمن من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه».