عبدالرحمن بن محمد القشعمي
افخروا بوطنكم؛ فالفخر بالوطن ليس كلمات تقال في مناسبة، ولا أناشيد تردد في احتفال، وإنما هو شعور يسكن القلب حين يدرك الإنسان حجم النعمة التي يعيشها، ويرى بعينيه كيف تحول الحلم إلى واقع، والطموح إلى إنجاز، والصحراء التي كانت بالأمس مسرحًا للحياة البسيطة إلى وطن ينافس العالم في ميادين العلم والتقنية والابتكار.
كانت هذه الأرض، في بداياتها، أرضًا شحيحة الموارد، قاسية الطبيعة، يعيش أهلها على ما تجود به الصحراء؛ يرعى أحدهم ماشيته، ويسافر آخر في طلب الرزق والتجارة، ويزاول الناس مهنًا وحرفًا بسيطة توارثوها جيلاً بعد جيل. كانت الحياة شديدة البساطة، وكان الوصول إلى كثير من الضرورات يحتاج إلى مشقة السفر وطول الانتظار.
ثم أكرم الله هذه البلاد بنعم عظيمة، وفي مقدمتها نعمة الأمن والاستقرار، وهيأ لها قيادةً آمنت بالإنسان، وأدركت أن بناء الأوطان لا يكون بتشييد المباني وحدها، وإنما ببناء العقول، وتمكين الإنسان، واستثمار الطاقات.
ومضت المملكة العربية السعودية في طريقها؛ خطوةً بعد خطوة، وجيلًا بعد جيل، حتى أصبحت اليوم دولةً حديثةً شامخة، لا تقف عند حدود ما حققته، بل تنظر دائمًا إلى ما تستطيع أن تحققه.
ولعل من أجمل صور هذا التحول ما نراه في حياتنا اليومية دون أن نشعر أحيانًا بعظمته.
فالتقنية التي أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا لم تعد ترفًا أو مظهرًا من مظاهر التطور، بل أصبحت وسيلةً حقيقية لخدمة الإنسان وتيسير حياته.
من هاتفك، وأنت في منزلك، تستطيع أن تنجز معاملاتك، وتستخرج وثائقك، وتتابع طلباتك، وتسدد التزاماتك، وتحجز مواعيدك، وتنجز كثيرًا من أعمالك التي كان إنجازها في الماضي يتطلب مشوارًا، وربما مشاوير؛ وطريقًا، وربما طرقًا؛ وانتظارًا، وربما ساعات طويلة خلف أبواب المؤسسات.
أما اليوم، فقد أصبحت المسافات أقصر، والوقت أثمن، والخدمة أقرب.
ضغطة على شاشة صغيرة قد تختصر عليك ساعات من الحركة والانتظار.
ومنصة إلكترونية قد تنجز لك ما كان يحتاج في الماضي إلى ملفات وأوراق ومراجعات.
وتطبيق في هاتفك قد يختصر رحلةً كاملة، ويضع الخدمة بين يديك أينما كنت.
وهذه ليست مجرد تقنية.
إنها صورة من صور الرفاه الذي نعيشه، وثمرة من ثمار التطور الذي وصلت إليه بلادنا.
ولذلك، حين يستخدم الشاب السعودي هاتفه فينجز معاملةً حكومية خلال دقائق، أو يحصل على خدمة دون أن يغادر منزله، فليتوقف لحظة ويتأمل:
كيف كانت الحياة بالأمس؟
وكيف أصبحت اليوم؟
وكم من عقل وعمل وتخطيط وإصرار كان خلف هذا التحول الذي أصبح بالنسبة لنا أمرًا عاديًا؟
إن من نعم الله علينا أن نعيش في زمن أصبحت فيه التقنية في متناول أيدينا، وفي وطن جعل التحول الرقمي جزءًا أساسيًا من مسيرته نحو المستقبل.
لكن الأجمل من التقنية ذاتها أن ندرك أنها لم تأت من فراغ؛ كان وراءها حكمة قيادة، وهمة شعب.
كان وراءها رؤية، وقيادة، ومؤسسات، وعقول سعودية، وشباب وشابات آمنوا بأن هذا الوطن يستحق الأفضل.
وهنا يأتي دوركم يا شباب لا تجعلوا إنجازات وطنكم شيئًا معتادًا إلى درجة أن تنسوا شكر الله عليها.
ولا تنظروا إلى ما وصل إليه وطنكم بعين من اعتاد النعمة، بل انظروا إليه بعين من يعرف قيمة الرحلة.
افخروا بوطنكم، ولكن اجعلوا فخركم دافعًا للعمل. افخروا بما تحقق، واسألوا أنفسكم: ماذا يمكن أن نقدم نحن؟
فالوطن لا يحتاج منا أن نصف إنجازاته فحسب، بل يحتاج إلى أن نكون جزءًا من إنجازاته القادمة.
أنتم جيل المستقبل، والذين سيحملون راية هذه البلاد في العقود القادمة. وما ترونه اليوم من تطور في التقنية والخدمات والبنية التحتية والتعليم والاقتصاد ليس نهاية الطريق، بل بداية لطريق أطول وأوسع.
فليكن طموحكم بحجم وطنكم، ولتعلموا أن الوطن العظيم لا يبنى بالماضي وحده، وإنما يبنيه أبناء يؤمنون بمستقبله.
وفي خضم كل هذا، يبقى أجمل ما يمكن أن نقوله: اللهم لك الحمد على نعمة الوطن، ولك الحمد على نعمة الأمن، ولك الحمد على ما أنعمت به علينا من قيادة رشيدة، واستقرار ورخاء، ولك الحمد على ما بلغته بلادنا من تقدم وازدهار.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها أمنها وعزها واستقرارها، ووفق قادتها لما فيه خير البلاد والعباد، وبارك في شعبها وشبابها، واجعلنا جميعًا أوفياء لهذه الأرض، عاملين من أجل رفعتها، شاكرين لنعمك، مستشعرين فضلك.
فيا شباب الوطن افخروا بوطنكم. ليس لأن وطنكم بلغ غايته، بل لأنه عرف كيف يبدأ، وكيف ينهض، وكيف يمضي إلى المستقبل. وافخروا أكثر؛ لأنكم أبناء وطن لا يقول للمستقبل: ماذا سيحدث؟
بل يقول له بثقة: نحن قادمون.