د. سامي بن عبدالله الدبيخي
في مثل هذه الأيام من عام 1924، دخل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود مكة المكرمة طائفًا بالبيت العتيق، حاملًا وعدًا لم يُكتب على ورق بقدر ما نُقش في وجدان أمة: أن تظل قبلة المسلمين آمنةً، عامرةً، مهيبةً، وأن تبقى خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن في صدارة الأولويات.
مضى أكثر من قرن، وما زال ذلك الوعد «الخيط الناظم» لمسيرة التنمية في العاصمة المقدسة، المدينة التي لا تشبه سواها، حيث تلتقي قداسة المكان بعظمة الرسالة، وتتعانق متطلبات المدينة الحديثة مع مسؤولية استقبال ملايين الحجاج والمعتمرين من كل فج عميق.
ويستحضر هذا الاهتمام المتصل بالحرمين والمشاعر المقدسة موقفًا خالدًا للملك المؤسس -تغمده الله بواسع رحمته- حين مُنع رجاله من دخول الحجاز لأداء الحج لسنوات، فكان يحثهم على الصبر والتريث وألا يتسلل اليأس إلى نفوسهم، مؤمنًا بأن لكل أمر أوانه. ثم دارت الأيام، وأصبح شرف خدمة الحجاج والمعتمرين أمانة تتوارثها الدولة وقيادتها، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- حيث انتقلت هذه العناية إلى آفاق أرحب من التخطيط والتطوير والحوكمة.
فمكة المكرمة ليست مجرد تجمع سكاني أو مركز إداري، إنها قلب العالم الإسلامي وقبلته، ومدينة استثنائية تتضاعف فيها تحديات الإدارة بقدر ما تتعاظم مكانتها الروحية. ومن هنا لم يكن تطويرها شأنًا عمرانيًا محضًا، بل مهمة تتداخل فيها جودة الحياة مع قدسية المكان، وكفاءة الخدمات مع هيبة الشعيرة.
ومن أبرز محطات هذا التحول صدور الأمر الملكي في الأول من يونيو 2018 بتأسيس الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، كجهة حكومية مستقلة يرأس مجلس إدارتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقد مثّل تأسيسها انتقالًا نوعيًا من تعدد المشاريع وتشتت الاختصاصات إلى منظومة حضرية متكاملة، تقود التنمية عبر صلاحيات تنظيمية وتخطيطية وإشرافية، وتوازن بين احتياجات الإنسان واستخدامات الأراضي والبنية التحتية والخدمات الحضرية.
ولم يكن ذلك مجرد إعادة تنظيم إداري، بل تدشينًا لمرحلة جديدة من الحوكمة الشاملة، أصبحت فيها الهيئة بوصلة تضبط اتجاه التنمية وتقود عملياتها، وتوائمها مع الرؤى الوطنية، وتعزز كفاءة الجهات المحلية في الإشراف والتنفيذ، لتحويل الخطط إلى واقع ملموس. وتمنح الأرقام صورة أوضح لهذا التحول، فقد ارتفعت نسبة رضا ضيوف الرحمن، وجودة الخدمات المقدمة لهم. أما في النقل، فقد ارتفع رضا مستخدمي النقل العام، فيما تقلص زمن رحلة التصعيد من مكة إلى منى، بالتوازي مع الدور الفعال لحافلات مكة وخدمات النقل الترددي الى الحرم.
وفي أكتوبر 2025، جاء إعلان بوابة الملك سلمان ليضيف إلى مشهد التحول مشروعًا بالغ الدلالة والطموح، فهو الأضخم من نوعه في تاريخ مكة الحديث، يتربع على مساحة تصل إلى 12 مليون متر مربع حول المسجد الحرام، وبطاقة استيعابية تقارب 900 ألف مصلٍ. وتتولى الهيئة مراجعة مخططاته وتصاميمه وضمان تكامله مع المنطقة المركزية وشبكات النقل العام بالحافلات ومحطات المترو.
ويمتد التطوير كذلك إلى معالجة الأحياء العشوائية، أحد أعقد المشاكل الحضرية، عبر صناديق عقارية بقيمة 16 مليار ريال هي الأكبر من نوعها في المملكة، لإعادة تشكيل تلك المناطق وتحويلها من عبء حضري إلى نسيج عمراني يليق بمكانة مكة. وما يميز هذه التجربة أنها لا تفصل العمران عن روح المكان، بل تجعل التطوير امتدادًا لها، فـالأداء الروحي حاضر ضمن معايير «عمارة مكة» التي وضعتها الهيئة مرجعًا للتصميم العمراني.
وبحلول 2030، تستهدف رؤية المملكة استقبال ثلاثين مليون معتمر سنويًا، وهو مستهدف يعيد صياغة السؤال الحضاري الأهم: كيف تستطيع قبلة المسلمين استقبال العالم كله بأعلى معايير الكفاءة، من دون أن تفقد شيئًا من روحها وهيبتها وخصوصيتها؟ الجواب يتشكل اليوم على الأرض، في النقل والمشروعات الكبرى وإعادة تشكيل النسيج الحضري ورفع جودة الخدمات. وهكذا يمتد «الخيط الناظم» لمسيرة التنمية من دخول الملك عبدالعزيز مكة قبل أكثر من قرن إلى بوابة الملك سلمان اليوم. تتغير الأدوات، وتتسع الطموحات، لكن الوعد في جوهره باقٍ، أن تظل هذه البقعة المباركة آمنةً، عامرةً، مهيأةً لضيوف الرحمن، وأن يجد كل حاج ومعتمر من اليسر والطمأنينة والأمان وكرم الرعاية ما يليق بأقدس مدن المسلمين.