محمد بن عبدالله آل شملان
في هجير الوقت وعزلة المدى، لم تكن قيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود -طيب الله ثراه- مجرد حروف تقال؛ بل كانت ذهباً مصفى، وموجة من ماء زلال تتدحرج على رمل الصحراء لتمنح الحياة قيمة، وتصنع النظام.
قائد صاغه الله من طين المحبة، وسكب في أرواح الخلق وداده، فغدا في ذاكرة الأيام حلماً يُرسم على جدار الضياء، ونافذة تطل بمقل الأمل على أفق لا يخبو بريقه، وتفاؤلاً عصياً لا ترخيه قسوة الريح إن مرت غاضبة على عريش الفرح والأمان.
على أديم هذه البيداء الشاسعة، نحت القائد فكرة الحب العميقة، لتصبح على مر الأجيال شجرة وارفة الظلال، سخية الوعاء، تفترش رمال الوطن بساطاً من مشاعر تضيء في عتمة الليالي كالنجوم. وتنسكب أضواؤها في السماء، لتبتسم حبيبات التراب وهي تلامس أعناق النوق التي تمضي بنبلها نحو الأفق، تستقصي أثر الطيبين، وتقتفي خطى الأوفياء في المدى. من نجد الشامخة إلى أصقاع الأرض كافة، تمكث قيم عبدالعزيز في ضمير عشاق الحياة، وفي لغة الطير، وفي وريقات وردة برية مدت أعناقها تبغي السكينة والخلود.
هو القيمة في أبهى تجلياتها، وهو الشيمة المجللة بنبل العطاء ونجابة المورث. واليوم، والوطن سيحتفي بيومه المجيد والذكرى الـ96 قريباً لتوحيد كيانه الشامخ، تتجلى حقيقتنا الأجمل تحت ظلال شعارنا الخالد «عزّنا بطبعنا»؛ ذلك الطبع الأصيل الذي نبت في أرضنا وتشرّب من هيبة الوحدة. وتفتح الذاكرة السعودية نوافذها على الحياة، وتقول للمعنى المستند إلى هذا الإرث البهيّ: «اقرأ.. واقرأ»، ففي ثنايا السطور ما يجعل العمر تاريخاً فياضاً بالقيم النبيلة. لقد أراد القائد أن تكون القيم الإنسانية خيمة ظلال وارفة تحمي وتسعد، وتفتح في الآفاق البعيدة نوافذ للعيش الكريم بلا آهة ولا أنين؛ أراد للحياة أن تستمر في عناق الأغصان، ليفيض الجدول بقطرات تمنع تشظي القلوب، وترفع عن كاهل الإنسان شظف الخوف والتوق.
من ذلك المعين الصافي الرفيع، نستقي اليوم قدرتنا على المضي في دروب المجد، مكللين بالأمل، متوّجين بأوسمة النجاح والريادة العالمية. هكذا تبدو المملكة اليوم في يومها الوطني الساحر الـ96 الذي ننتظره، لحظة فريدة تمد أناملها باتجاه الماضي وأمجاد الوحدة فتنتعش أواصرها، وتشير بكل كبرياء نحو المستقبل ورؤيته الملهمة. تبتسم السماء مختالة بحبور بما جادت به يد عبدالعزيز، وبما سبكته القيادة الرشيدة من قيم لم تفارق قصيدتنا العصماء، تلك التي برت قلمها الذهبي لتحبك في ضمائرنا في كل يوم حكاية فخر متجددة يسطرها طبعنا الشهم الأصيل.إن قيم عبدالعزيز مرسومة اليوم بنور على كل جبين، تنبض بعزنا بشجاعتنا، وعزنا برؤيتنا، وعزنا بأصالتنا، وعزنا بهمّتنا، وعزنا بجودنا، وعزنا بكرمنا؛ تلك الطباع السامية التي تجلت حية نابضة في فكر وعطاء قيادتنا المسددة. فنرفع أسمى آيات التحية والولاء لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، -حفظهما الله- اللذين حملا الأمانة بروح الفرسان، وجعلا من رؤية الوطن فجراً كاشفاً لكل عتمة. والناس اليوم، حين يستدعون هذه الخمائل، يشعرون بأنهم في فجر التحديات يحتاجون لدفء ذاك الإرث التاريخي، وفي ظهيرة التحولات اللاهبة يلوذون بظل القيادة الشامخ ومستقبلها الرغيد. وما بين الدفء والظل، تحلق المشاعر كالأجنحة التي ترتبط بالحياة، تماماً كعلاقة تلك البذرة الأولى التي زرعها عبدالعزيز بالأرض، وتعهدتها القيادة الحالية بالرعاية والنماء، لتظل قيم هذا الوطن نخلة سامقة، وارفة الظل، سخية العطاء، وغنية بالثمار والشموخ، نردد معها ومع الأيام: «عزّنا بطبعنا» إلى آخر المدى.