د. أبوبكر إبراهيم محجوب
أُعلنت هوية اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين تحت شعار «عزّنا بطبعنا»، لتكون مرجعًا بصريًا موحدًا لمختلف الجهات في فعالياتها وحملاتها وموادها الإعلامية.
يعود الشعار ذاته للعام الثاني، بينما تبني هوية هذا العام قصتها حول ست قيم: الهمّة، والشجاعة، والرؤية، والجود، والأصالة، والكرم. هذه القيم معروفة في الوجدان السعودي، وحاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وفي الصورة التي يعرف بها المجتمع نفسه. وتكمن قيمة الهوية في قدرتها على نقل هذه المعاني من الوصف إلى التطبيق، وتحويلها إلى محتوى وتجارب ومبادرات تحمل شيئًا من روح المناسبة.
المسألة تبدأ من طريقة النظر إلى الهوية. يمكن التعامل معها بوصفها ملفًا جاهزًا للتحميل، يوزع شعارها على الواجهات والهدايا والشاشات.
ويمكن أن تكون بداية لسؤال جوهري: ما الذي تملكه كل جهة، ولا يستطيع غيرها أن يقدمه بالطريقة نفسها؟ إجابة هذا السؤال وحدها قادرة على تغيير المشهد كله. فالمدرسة، على سبيل المثال، تملك ذاكرة لا تملكها الشركة، والجامعة تنظر إلى المستقبل من زاوية تختلف عن المتحف، والمستشفى يحتفظ بقصص إنسانية لا توجد في أرشيف المصنع.
ولكل مدينة إيقاعها، ولكل منطقة حكاياتها، ولكل مؤسسة أشخاص صنعوا أثرها بعيدًا عن الواجهات والصور الرسمية.
حين تبدأ الجهة من مادتها الحقيقية، يصبح الاحتفال أقرب إليها، وأكثر صدقًا في نظر الناس.
لا تبدو الفكرة مستعارة، ولا الفعالية نسخة من برنامج ظهر في مكان آخر، ولا الفيلم مجرد إعادة ترتيب للمشاهد التي اعتدناها.
اختارت الهوية زخارف مستوحاة من فنون النسيج السعودي، وفي هذا الاختيار صورة تتجاوز حدود التصميم. فكل خيط في النسيج يحتفظ بلونه ومساره وملمسه، ثم يجد مكانه داخل قطعة واحدة.
لا يحتاج إلى أن يفقد شخصيته كي ينسجم مع بقية الخيوط، ولا يكتمل التكوين بخيط واحد مهما بلغ جماله.
هكذا يمكن أن تُقرأ استعدادات اليوم الوطني: هوية واحدة، وحكايات متعددة.
الهوية تجمع المشهد، وتترك لكل جهة مساحة تضيف فيها خيطًا يأتي من تاريخها أو مجالها أو علاقتها بالناس.
وعندما تتعدد هذه الخيوط، تتسع صورة الوطن، وتظهر تفاصيل قد لا تجد مكانها في المشهد العام الكبير.
قد تقود «الأصالة» مؤسسة إلى فتح أرشيفها، والعثور على صورة أو وثيقة أو قصة كادت تضيع بين الملفات القديمة.
وقد يظهر «الكرم» في تجربة تستقبل الناس وتفتح أمامهم باب المشاركة، ليصبحوا جزءًا من المناسبة لا جمهورًا يقف خارجها.
ويأخذ «الجود» صورة معرفة تُشارك، أو فرصة تُمنح، أو موهبة تجد نافذتها، أو مبادرة تظل حاضرة بعد انتهاء الفعالية.
وتستطيع «الرؤية» أن تأخذ الاحتفال إلى المستقبل من خلال الأطفال والشباب الذين سيشاركون في صناعة مراحل جديدة من رحلة المملكة.
وقد تبدأ «الشجاعة» بفكرة مختلفة لم تعتدها المناسبات، ثم تأتي «الهمّة» لتمنحها ما تحتاج إليه من عمل وصبر وعناية بالتفاصيل. عندها تصبح الأصالة حكاية لها وجه وصوت، والكرم شعورًا يحمله الزائر معه، والجود أثرًا يبقى في حياة إنسان، والرؤية فكرة تتقدم نحو المستقبل، والشجاعة قرارًا بالتجديد، والهمّة عملًا متقنًا يشعر الناس بنتيجته، حتى وإن لم يروا كل ما بُذل خلفه.
وفي هذا النسيج يمتد خيط إلى ما وراء حدود المملكة: خدمة الحرمين الشريفين. فمكة المكرمة والمدينة المنورة لا تحضران في وجدان السعوديين وحدهم، بل تسكنان قلوب المسلمين أينما كانوا. ومن شرف العناية بهما وخدمة قاصديهما تستمد المملكة جانبًا أصيلًا من رسالتها تجاه الإسلام والمسلمين.
وفي خدمة ضيوف الرحمن تظهر القيم الست في أوسع صورها: كرم في الاستقبال، وجود في بذل الوقت والجهد والإمكانات، وهمّة لا تهدأ طوال العام، ورؤية تطور رحلة الحاج والمعتمر وتيسرها، وشجاعة تواجه تعقيدات المواسم الكبرى، وأصالة تحفظ للمكان قدسيته وهيبته.
هذه الحكاية تستحق مساحة أوسع في محتوى اليوم الوطني؛ لأنها واحدة من أكثر القصص السعودية حضورًا في العالم الإسلامي. ويمكن روايتها من خلال العاملين في المطارات والمنافذ والمستشفيات والمشاعر المقدسة، والمتطوعين الذين يمدون أيديهم لمن جاء من أقصى الأرض، والتقنيات والخدمات التي جعلت رحلة الحاج والمعتمر أكثر يسرًا وطمأنينة.
وخلف كل موسم حج وعمرة آلاف القصص التي لا تظهر كاملة في الصورة العامة: رجل يرشد تائهًا، وامرأة تسعف مريضًا، وشاب يخاطب ضيفًا بلغته في مكان جديد عليه، وفرق تعمل في ساعات لا يراها الناس حتى يصل الجميع إلى وجهتهم.
في هذه التفاصيل تتحول خدمة الحرمين إلى عمل يومي، وتظهر رسالة المملكة تجاه الإسلام والمسلمين في مواقف الناس، كما تظهر في المنشآت والخدمات الكبرى.
ولعل أجمل ما يمنحه الإعلان المبكر للهوية هو الوقت الكافي للبحث عن مثل هذه القصص. فالأفكار الجيدة لا تصل دائمًا مكتملة إلى قاعة الاجتماع.
قد تبدأ بصورة قديمة، أو باسم موظف أمضى أعوامًا في خدمة مؤسسته، أو بحديث عابر مع رجل يتذكر كيف كانت مدينته، أو بسؤال تطرحه طفلة على جدتها عن أول مدرسة عرفتها.
وقد تكون أجمل قصة داخل مستشفى في ذاكرة طبيب أو ممرضة شهدا عقودًا من تحوّل الرعاية الصحية. وقد توجد في مصنع بعيد عن الأضواء، لدى عامل رأى منتجًا سعوديًا صغيرًا يشق طريقه إلى أسواق العالم. وربما تسكن في حرفة نقلها صاحبها إلى جيل جديد، أو في صورة واحدة للمكان نفسه يفصل بين لقطتيها نصف قرن.
هذه القصص لا تحتاج دائمًا إلى إنتاج ضخم. تحتاج إلى عين تنتبه، وأذن تصغي، ووقت يسمح للتفاصيل بأن تكشف معناها.
في كل عام تظهر أفلام كثيرة جميلة ومتقنة. نرى الأعلام والطرق والمباني واللقطات الجوية، ونسمع الموسيقى التي نعرفها ونحبها. وهي مشاهد تنتمي إلى المناسبة وتمنحها بهجتها، غير أن تشابهها يجعل بعضها يمر سريعًا من الذاكرة، مهما بلغت جودة إنتاجه.
العمل الذي يبقى هو الذي يعثر على زاوية لم يلتفت إليها الآخرون. قد يكون عاملًا يقف خلف خدمة يستخدمها الملايين، أو معلمًا بدأت معه حكاية مدرسة صغيرة، أو أسرة عاشت تحولات مدينة كاملة، أو شابًا جاء بفكرة لم يكن أحد يتوقع أن تصبح جزءًا من الحياة اليومية.
القصة الصادقة لا تحتاج إلى ضجيج كبير. يكفي أن تُرى جيدًا.
حتى الرقم 96 يملك فرصة للخروج من حضوره المعتاد.
سنراه قريبًا على واجهات المتاجر ضمن الخصومات السنوية التي ينتظرها الناس وتتنافس عليها المنشآت.
غير أن الرقم يستطيع أن يذهب إلى مساحة أوسع من بطاقة الخصم: ست وتسعون قصة، أو ست وتسعون ساعة تدريب، أو ست وتسعون فرصة تطوعية، أو ستة وتسعون مشروعًا ناشئًا يجد نافذته، أو ست وتسعون رسالة يكتبها الأطفال إلى وطن المستقبل.
لا تتعلق الفكرة بالالتزام بالرقم حرفيًا. يكفي أن يخرج من الاستخدام الأسهل، وأن يصبح مفتاحًا يحرك الخيال. فقد تختار مؤسسة ست قصص فقط، واحدة لكل قيمة من قيم الهوية، وترويها بإتقان. وقد تعيد مدينة اكتشاف مكان نسيه أهلها، أو تمنح جامعة طلابها مساحة لتقديم أفكارهم، أو تختار شركة أن تظهر الأشخاص الذين صنعوا نجاحها بعيدًا عن الواجهة.
كل جهة تعرف خيطها أكثر من غيرها. ولعل هذه أجمل فرصة تتيحها هوية «عزّنا بطبعنا»: أن تتوحد الصورة العامة، وتظل التفاصيل محتفظة باختلافها؛ أن يجتمع الناس حول شعار واحد، بينما يحمل كل مكان لغته، وكل مؤسسة ذاكرتها، وكل مبادرة أثرها الخاص. عندما يأتي الثالث والعشرون من سبتمبر، ستظهر الهوية على الشاشات والرايات والواجهات، وسيكون المشهد جميلًا كما اعتاده الناس. وسيكون الأجمل في الأشياء التي بدأت قبل ذلك بوقت طويل: قصة خرجت من النسيان، وفكرة نضجت، وموهبة وجدت نافذتها، ومبادرة تركت شيئًا بعد انقضاء اليوم، وقصة من قصص خدمة الحرمين وضيوف الرحمن وجدت طريقها إلى ذاكرة الناس.
لهذا يبدأ اليوم الوطني الآن.. يبدأ حين تُفتح ملفات الهوية، ويُفتح معها باب التفكير؛ وحين تبحث كل جهة عن الشيء الذي تستطيع أن تقوله بطريقتها، وتضيف إلى النسيج خيطًا صادقًا يحمل روح المكان والناس، ورسالة وطن يمتد أثره إلى المسلمين في كل مكان.
كل عام، وبلاد الحرمين، مملكة الخير، بخير وأمان.