صبحي شبانة
ليس كل وطن يستطيع أن يحول ذاكرته إلى قوة تدفعه نحو المستقبل، وليس كل شعب يملك شجاعة أن ينظر إلى تاريخه لا باعتباره محطة للاحتفال، وإنما باعتباره مسؤولية تتجدد مع كل جيل. وفي الثالث والعشرين من سبتمبر، تقف المملكة العربية السعودية أمام واحدة من أكثر صفحات تاريخها رسوخًا؛ صفحة بدأت بملحمة توحيد الأرض والإنسان، وانتهت إلى دولة تقف اليوم على أعتاب تحول تاريخي يعيد صياغة اقتصادها ومجتمعها ومكانتها في العالم.
وفي اليوم الوطني السعودي لهذا العام، لا تبدو المسألة مجرد احتفال بذكرى إعلان توحيد البلاد عام 1932، ولا مجرد استدعاء لصورة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود وهو يخوض معركة تأسيس وطن من قلب الصحراء؛ فالمعنى أعمق من ذلك بكثير، نحن أمام وطن قطع خلال أقل من قرن مسافة يصعب اختصارها في الأرقام، انتقل من قسوة البدايات وشح الموارد إلى دولة حديثة ذات ثقل اقتصادي وسياسي وديني عالمي، ثم قرر ألا يتوقف عند ما أنجزه، بل أن يفتح صفحة جديدة عنوانها: صناعة المستقبل، وهنا تكمن المفارقة في الحكاية السعودية؛ فالملك عبدالعزيز كان أمام سؤال وجودي: كيف تتحول أرض متفرقة إلى وطن واحد؟ أما السعودية اليوم، بعد أن أصبحت دولة راسخة الحضور، فأمامها سؤال لا يقل أهمية: كيف تتحول إمكانات الوطن الهائلة إلى قوة تصنع المستقبل ولا تكتفي بانتظاره؟، وبين السؤالين قرابة قرن من الزمن، لكن الخيط الذي يربطهما لم ينقطع هو الإرادة، ففي البدايات كانت الإرادة هي السلاح الأول لبناء الدولة، واليوم أصبحت الإرادة نفسها وقودًا لمشروع تحول واسع يريد أن ينقل المملكة من مرحلة الاعتماد على الثروة إلى مرحلة استثمار الثروة والإنسان والموقع والمعرفة معًا.
حين أعلن الملك عبد العزيز في عام 1932 توحيد البلاد تحت اسم المملكة العربية السعودية، لم يكن يؤسس كيانًا سياسيًا جديدًا فحسب، وإنما كان يضع حجر الأساس لمشروع تاريخي شديد التعقيد؛ مشروع يقوم على توحيد أراض واسعة ومجتمعات متعددة تحت راية واحدة، وإقامة دولة تستطيع أن تصنع الأمن والاستقرار، وترسّخ دعائم الدولة الحديثة، وتفتح الطريق أمام التعليم والتنمية، وتبني مفهومًا حديثًا للمواطنة والانتماء، كانت الصورة في ذلك الوقت بعيدة تمامًا عن السعودية التي يعرفها العالم اليوم، لم تكن المدن بهذا الامتداد، ولا الطرق بهذه الكثافة، ولا المطارات والموانئ والجامعات والمؤسسات الاقتصادية الكبرى موجودة بالصورة التي أصبحت عليها لاحقًا، كانت الصحراء شاسعة، والموارد محدودة، والمسافات طويلة، والتحديات أكبر من الإمكانات، لكن ما كان حاضرًا بقوة هو الإيمان بأن بناء الدولة ممكن، وأن صعوبة الطريق ليست مبررًا للتراجع.
ومن هنا تبدأ واحدة من أهم دروس التجربة السعودية؛ فالدول لا تُبنى بما تملكه فقط، وإنما بما تستطيع أن تفعله بما تملكه، وقد أثبتت التجربة أن الثروة، مهما بلغت، لا تتحول وحدها إلى قوة، ما لم توجد دولة قادرة على توظيفها في بناء الإنسان والمؤسسات والبنية الأساسية وصناعة المستقبل، ثم جاء النفط ليغير قواعد اللعبة، وليفتح أمام المملكة أبوابًا واسعة للتنمية، كان النفط نقطة تحول هائلة في تاريخ البلاد، لكنه لم يكن القصة كلها، فقد كان المورد فرصة، بينما كان التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الفرصة إلى نهضة شاملة، وفي عقود متتابعة، تحولت المملكة من دولة ذات اقتصاد محدود الإمكانات إلى واحدة من أهم الاقتصادات في المنطقة والعالم، وامتدت شبكات الطرق، وانتشرت المدارس والجامعات، وتوسعت خدمات الصحة، ونمت المدن، وتطورت الموانئ والمطارات والمؤسسات، وأصبح الاقتصاد السعودي لاعبًا رئيسيًا في أسواق الطاقة العالمية.
لكن العالم لا يتوقف، والدول التي تنجح في مرحلة لا تستطيع أن تضمن نجاحها في المرحلة التالية بمجرد الاستناد إلى ما حققته بالأمس، فاقتصاد القرن الحادي والعشرين لم يعد اقتصاد النفط وحده، كما أن القوة لم تعد تقاس بحجم الموارد الطبيعية فقط، التكنولوجيا أصبحت محركًا أساسيًا للنمو، والمعرفة تحولت إلى ثروة، والابتكار أصبح عنصرًا من عناصر القوة الوطنية، والاستثمارات العابرة للحدود باتت جزءًا من معادلة النفوذ، وأصبح جذب العقول والمواهب لا يقل أهمية عن جذب رؤوس الأموال، ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم التحول السعودي الراهن، فـ»رؤية 2030» ليست مجرد برنامج اقتصادي لتنويع مصادر الدخل، وإنما محاولة واسعة لإعادة صياغة علاقة المملكة بالاقتصاد والعالم والمستقبل، الفكرة ليست التخلي عن النفط، وإنما التحرر من الاعتماد على مصدر واحد للقوة، واستخدام ما تمتلكه المملكة من ثروة وإمكانات لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على الاستمرار والمنافسة.
وفي عام 2026، تبدو ملامح هذا التحول أكثر وضوحًا، السياحة لم تعد قطاعًا هامشيًا، والثقافة لم تعد نشاطًا محدودًا، والرياضة أصبحت صناعة، والترفيه تحول إلى قطاع اقتصادي واجتماعي واسع، والاستثمار يتجه إلى مجالات جديدة، والتكنولوجيا تفرض حضورها المتزايد في مختلف القطاعات والمجالات، فيما تتشكل حول المملكة صورة مختلفة عن تلك التي عرفها العالم لعقود طويلة، الرياض تتغير، ليس فقط في شكلها العمراني، وإنما في وظيفتها وموقعها الاقتصادي، وجدة تعيد تقديم نفسها بوصفها بوابة بحرية وثقافية واقتصادية، والدرعية تستعيد مكانتها التاريخية في صورة حديثة، والعلا تفتح أبوابها أمام العالم باعتبارها نقطة التقاء بين التاريخ والطبيعة والسياحة، وعلى امتداد ساحل البحر الأحمر تتشكل رؤية جديدة تجعل من الجغرافيا موردًا اقتصاديًا، ومن الطبيعة فرصة للاستثمار، ومن الموقع الجغرافي ورقة استراتيجية في الاقتصاد العالمي، لكن اختزال هذا التحول في المشروعات العملاقة سيكون ظلمًا للقصة السعودية؛ لأن الأبراج والمدن والمطارات والمنتجعات ليست سوى الوجه المرئي للتحول، بينما يبقى جوهره الحقيقي في الإنسان، فالمملكة التي تريد أن تنافس في اقتصاد المستقبل تحتاج إلى مواطن يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على الابتكار، وتحتاج إلى شباب لا يكونون مجرد متلقين لنتائج التنمية، وإنما شركاء في صناعتها، ولهذا فإن الاستثمار في التعليم والتدريب والمهارات وتمكين الطاقات الوطنية وتحسين جودة الحياة يمثل في النهاية الاستثمار الأكثر أهمية، لأن أي مشروع مهما بلغ حجمه لا يستطيع أن يصنع مستقبلًا مستدامًا إذا لم يكن وراءه إنسان قادر على تشغيله وتطويره وصناعة ما هو أبعد منه.
الملك عبدالعزيز كان يبني دولة تحتاج إلى الإنسان كي تستمر، والسعودية اليوم تبني اقتصادًا جديدًا يحتاج إلى الإنسان كي ينجح. تغيرت الأدوات، وتغيرت طبيعة التحديات، لكن القاعدة ظلت واحدة: قوة الوطن تبدأ من الإنسان، وإذا كانت المملكة قد نجحت خلال العقود الماضية في بناء دولة قوية، فإن التحدي الجديد يتمثل في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ومجتمع أكثر حيوية، ومؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة أكبر على المنافسة في عالم لا يمنح موقعًا دائمًا لمن يتوقف عن التطور،
وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة مختلفة عن المراحل السابقة، ففي الماضي كان الهدف الأساسي هو بناء الدولة وتوفير مقومات التنمية، أما اليوم فإن الهدف يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف موقع المملكة في الاقتصاد والسياسة والثقافة والتكنولوجيا والسياحة والرياضة والاستثمار.
إنها محاولة للانتقال من دولة تملك موارد ضخمة إلى دولة تستثمر كل عناصر قوتها في وقت واحد؛ النفط، والمال، والموقع، والإنسان، والتاريخ، والثقافة، والمكانة الدينية، والطموح السياسي والاقتصادي، وهذه العناصر مجتمعة تمنح السعودية خصوصية يصعب مقارنتها بتجارب أخرى.
فالمملكة ليست فقط واحدة من أكبر اقتصادات المنطقة، وليست فقط دولة رئيسية في أسواق الطاقة، وإنما هي أيضًا موطن الحرمين الشريفين، وقلب العالم الإسلامي، وتمتلك موقعًا جغرافيًا يربط بين ثلاث قارات، وتطل على ممرات بحرية شديدة الأهمية، وتملك عمقًا استثماريًا واقتصاديًا يجعل قراراتها مؤثرة في محيطها وخارجه، ولهذا فإن قوة السعودية لا تنعكس على الداخل السعودي وحده، وإنما تمتد آثارها إلى الخليج والعالم العربي والأسواق العالمية، وكلما ازدادت المملكة قوة واستقرارًا وتنوعًا، ازدادت قدرتها على التأثير في محيطها وصناعة الشراكات والدفاع عن مصالحها والمساهمة في صياغة الملفات الإقليمية والدولية.
وفي عالم يتغير بسرعة، أصبحت هذه القوة متعددة الأبعاد أكثر أهمية من أي وقت مضى، فالقوة لم تعد مجرد سلاح أو ثروة، وإنما أصبحت مزيجًا من الاقتصاد والتكنولوجيا والدبلوماسية والاستثمار والثقافة والقوة الناعمة والقدرة على بناء التحالفات والشراكات، وهنا تبدو المملكة وكأنها تعيد تعريف أدوات قوتها للمستقبل، فإذا كان النفط قد منحها ثقلًا استراتيجيًا هائلًا خلال العقود الماضية، فإن الاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والثقافة والرياضة والقوة البشرية يمكن أن تصبح أدوات إضافية لهذا الثقل في العقود المقبلة، لكن كل تحول بهذا الحجم يفرض تحدياته أيضًا، وربما يكون أكبرها هو الحفاظ على التوازن بين الانفتاح على العالم والتمسك بالهوية، فالمملكة تفتح أبوابها للسياح والمستثمرين والخبرات، وتستضيف فعاليات دولية، وتدخل قطاعات جديدة، وتعيد تقديم نفسها للعالم، لكنها في الوقت نفسه تحمل إرثًا دينيًا وثقافيًا عميقًا يجعل تجربتها مختلفة بطبيعتها عن أي تجربة أخرى.
والنجاح الحقيقي لن يكون في اختيار أحد الطرفين، وإنما في القدرة على الجمع بينهما؛ حداثة لا تقطع جذورها، وانفتاح لا يذيب هويتها، وتنمية لا تنفصل عن الإنسان والمكان والتاريخ، فالدرعية ليست مجرد مشروع عمراني، والعلا ليست مجرد وجهة سياحية، ومكة والمدينة ليستا مجرد مدينتين، والرياض الجديدة ليست مجرد أبراج ومراكز أعمال، كل هذه الصور على اختلا فها تمثل أجزاء من قصة وطن يريد أن يتقدم إلى المستقبل دون أن يتخلى عن ذاكرته، ولهذا فإن اليوم الوطني السعودي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مناسبة لاستعادة الماضي فقط، وإنما باعتباره مناسبة لإعادة اكتشاف معنى ذلك الماضي في الحاضر، فالتاريخ ليس متحفًا نعود إليه في المناسبات، وإنما مسؤولية نتحملها كل يوم، والوطن ليس علمًا نرفعه في يوم الاحتفال فقط، وإنما عمل نبنيه كل يوم، والإنجازات التي تحققت خلال العقود الماضية ليست نهاية الطريق، وإنما رأس مال معنوي ومادي ينبغي أن يُستخدم لصناعة المرحلة المقبلة.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في اليوم الوطني لعام 2026 ليس: ماذا حققت السعودية؟ فقد حققت الكثير، وليس من الصعب استعراض أرقام النمو وحجم المشروعات واتساع المدن وتنوع الاقتصاد. السؤال الأهم هو: ماذا ستفعل السعودية بكل هذه الإمكانات؟ هذا هو الاختبار الحقيقي.
فامتلاك الموارد لا يكفي، والطموح وحده لا يكفي، والمشروعات العملاقة لا تكفي، بل إن النجاح النهائي يقاس بقدرة الدولة على تحويل كل هذه العناصر إلى اقتصاد منتج، وفرص عمل مستدامة، ومعرفة متقدمة، ومجتمع أكثر جودة، ومؤسسات أكثر كفاءة، ودور عالمي أكثر تأثيرًا، وهنا تصبح رؤية 2030 ليست مجرد موعد زمني، وإنما اختبارًا لقدرة المملكة على تحويل الطموح إلى واقع، والموارد إلى قيمة، والموقع إلى نفوذ، والشباب إلى قوة إنتاج، والتاريخ إلى منصة للمستقبل، وربما يكون أجمل ما في التجربة السعودية أن سؤال الأمس وسؤال اليوم، رغم اختلافهما، يخرجان من رحم واحد، بالأمس كان السؤال: كيف نبني وطنًا واحدًا؟، واليوم أصبح السؤال: كيف نبني وطنًا يصنع المستقبل؟ وفي الحالتين كانت الإجابة تبدأ من الإنسان والإرادة، من راية المؤسس التي وحدت الأرض، إلى المشروعات التي تعيد رسم ملامح المملكة، تبدو المسيرة السعودية قصة واحدة تتغير فصولها دون أن يتغير جوهرها؛ وطن لم يكتفِ بأن يصنع تاريخه، وإنما قرر أن يصنع مستقبله.
في اليوم الوطني السعودي لعام 2026، لا تقف المملكة أمام ماضيها لتقول: لقد وصلنا، وإنما تنظر إلى المستقبل بثقة لتقول: من هنا بدأنا.. ومن هنا نواصل الطريق، فتلك هي قيمة الأوطان العظيمة؛ أنها لا تعيش على أمجاد الماضي، وإنما تجعل من الماضي قوة للحاضر، ومن الحاضر جسرًا إلى المستقبل، وتلك هي الحكاية السعودية التي بدأت قبل عقود طويلة من وفرة النفط، واستمرت بعد أن أصبح النفط مصدرًا للقوة، وتدخل اليوم مرحلة جديدة تبحث فيها المملكة عن مصادر أوسع وأعمق لقوتها؛ قوة الإنسان، وقوة المعرفة، وقوة الاقتصاد، وقوة الموقع، وقوة الحضور الدولي.
ولهذا فإن الاحتفال باليوم الوطني ليس احتفالًا بما كان فقط، وإنما احتفال بما يمكن أن يكون.
إنه احتفال بوطن عرف كيف يوحد أرضه، وكيف يبني دولته، وكيف يستثمر ثروته، وكيف يفتح أبوابه للعالم، ويعرف اليوم أن أعظم معركة في المستقبل لن تكون معركة اكتشاف مورد جديد، وإنما معركة بناء إنسان جديد قادر على صناعة المعرفة والابتكار والمنافسة، وبين ملحمة التوحيد في الأمس، ومشروع صناعة المستقبل اليوم، تظل السعودية أمام التحدي نفسه الذي واجهته منذ البداية: أن تجعل الإرادة واقعًا، والطموح إنجازًا، والحلم دولة، والدولة مستقبلًا، ومن هذه الزاوية، فإن الثالث والعشرين من سبتمبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، وإنما قصة وطن بدأت بالتوحيد، وتواصلت بالبناء، وتدخل اليوم فصلًا جديدًا عنوانه الأبرز: أن المستقبل لا يُنتظر.. بل يُصنع.