د. سفران بن سفر المقاطي
حين يرتفع العلم في الثالث والعشرين من سبتمبر لهذا العام 2026م، لا يستعيد السعوديون تاريخًا مضى، بل يختارون مواصلة مسؤوليته. فبين طفل يتعرف إلى حكاية وطنه، وجدّ يستعيد تحولات المكان، وشابة تفكر في موقعها من مستقبل بلادها، يتشكل معنى يتجاوز مشهد الاحتفال إلى سؤال البقاء والتجدد: كيف تحتفظ المملكة بوضوح هويتها وهي توسّع حضورها في عالم متعدد الثقافات؟ وكيف يصبح هذا اليوم موعدًا لتأكيد الولاء وتأكيد السيادة ومراجعة ما يقدمه كل فرد لوطنه؟
يستند هذا السؤال إلى لحظة تاريخية بعينها. فمنذ استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، الرياض عام 1902م، امتد مسار التوحيد ثلاثة عقود حتى صدر المرسوم الملكي بتوحيد البلاد باسم «المملكة العربية السعودية» ابتداءً من 23 سبتمبر 1932م. ولم تكن الملحمة حدثًا يُختصر في يوم، بل قدرة على تحويل وحدة الأرض إلى دولة تنتظم بها حياة الناس؛ فحين تدفق النفط من بئر الدمام السابعة عام 1938م وجدت الدولة موردًا للعمران، وحين أُسس مجلس الوزراء عام 1953م اكتسبت إطارًا مؤسسيًا للحكم.
وتتابعت المحطات في تسلسل يعكس تراكمًا لا قطيعة: أول جامعة سعودية عام 1957م، والتعليم النظامي للبنات عام 1960م، والبث التلفزيوني عام 1965م، والهيئة الملكية للجبيل وينبع عام 1975م. وفي عهد الملك فهد صدر النظام الأساسي للحكم عام 1992م، ثم جعل الملك عبدالله اليوم الوطني إجازة رسمية عام 2005م، وافتتح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية عام 2009م، وأدخل المرأة إلى مجلس الشورى عام 2013م. وجاءت رؤية المملكة 2030م، التي أعلنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عام 2016م (حفظهما الله)، لتفتح مرحلة التحول الأشمل: قيادة المرأة للسيارة عام 2018م، والتأشيرة السياحية عام 2019م، ورئاسة قمة مجموعة العشرين عام 2020م، وإقرار يوم التأسيس عام 2022م ويوم العلم عام 2023م، والفوز بتنظيم إكسبو 2030م وكأس العالم 2034م.
ومن هنا يمكن قراءة اليوم الوطني بوصفه استعادة سنوية لمعنى القرار الوطني المستقل. فالسيادة ليست مسافة تفصل الدولة عن العالم، وإنما قدرة تمكّنها من التعامل معه وفق مصالحها وقيمها. وفي معناها الاجتماعي لا تبقى السيادة شأنًا بعيدًا عن المواطن؛ إذ تسندها كفاءته في عمله، ووعيه بالمعلومة، وحفاظه على المرافق العامة، وثقته بمؤسسات بلاده. فالدولة القادرة تحتاج مجتمعًا يدرك أن المنعة لا تصنعها الموارد وحدها، بل يحفظها حسن استخدامها والشعور بالمسؤولية عنها.
ويكتسب تأكيد الولاء عمقه حين ينتقل من التعبير العاطفي إلى الالتزام العملي. فالاعتزاز بالقيادة والوطن يزداد رسوخًا عندما يصاحبه إتقان الموظف، وأمانة التاجر، واجتهاد الطالب، ومبادرة القادر إلى خدمة مجتمعه. وليست هذه التفاصيل هامشًا على المناسبة، بل مضمونها الممتد بعد انقضاء الاحتفالات؛ فأصدق ما يتركه اليوم الوطني أن يدفع المواطن إلى السؤال عما يستطيع تحسينه في محيطه، لا عما يستطيع عرضه في حسابه الشخصي. هكذا يتحول الفخر إلى طاقة نافعة، ويغدو الولاء علاقة يومية بين الانتماء والأداء.
أما التلاحم، فلا ينبغي اختزاله في التشابه؛ فقيمة الوحدة أنها تمنح الخصوصيات المحلية بيتًا مشتركًا، فلا يضطر الإنسان إلى التخلي عن تراث منطقته كي يكتمل انتماؤه السعودي، ويصبح الاحتفال تعارفًا داخليًا يرى فيه الطفل موروث منطقة أخرى جزءًا من ثروته الوطنية. ولنتخيل فعالية محلية تجمع حرفية تشرح لزوارها طريقة النسيج، ومصممًا شابًا يحوّل بعض عناصره إلى تجربة تفاعلية، وطالبات يوثّقن روايات كبار السن بموافقتهم؛ وهو مشهد افتراضي يضع معيارًا لاحتفال يصل التراث بالحداثة: لا تتحول الحرفية إلى خلفية للتصوير، ولا تستولي التقنية على الحكاية، بل تنتقل الذاكرة بين الأجيال بالحوار والمشاركة.
وتتيح هوية اليوم الوطني لعام 2026م مدخلًا لهذه القراءة؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للترفيه في أواخر يوليو 2026م استمرار شعار «عزّنا بطبعنا» للعام الثاني على التوالي، مستندًا إلى ست قيم تقدمها طباعًا سعودية أصيلة: الشجاعة، والرؤية، والأصالة، والهمّة، والجود، والكرم. وهذه القيم ليست شهادات تفوق نمنحها لأنفسنا، وإنما التزامات نختبر صدقها؛ فالشجاعة تشمل تحمّل المسؤولية، والرؤية تستدعي التفكير في العواقب، والأصالة تحتاج إلى معرفة بما نرثه، والهمّة تُقاس بالإنجاز، بينما يمنح الجود والكرم العلاقةَ بالآخر بعدها الإنساني. هكذا ينتقل الشعار من وصف محبّب للذات إلى دعوة إلى العمل.
يجمع تصميم الهوية بين الخط الهندسي والزخارف المستوحاة من فنون النسيج التقليدي، ويعتمد «الخط السعودي» الذي أطلقته وزارة الثقافة في أبريل 2025م خطًا رئيسًا. غير أن نجاح الهوية لا يُقاس باتساق الملصقات وحده، بل بقدرة الفعاليات على تجسيد معناها؛ فلا يكتمل الاحتفاء بالكرم إذا تعذر وصول ذوي الإعاقة، ولا تتجسد الأصالة في منتج يقتبس زخرفة تراثية ويغفل أصحاب المعرفة بها. ومن هذه القيم تنفتح دلالات الطموح والإلهام والانفتاح والاستدامة؛ فالطموح يحتاج همّة تنفذه ورؤية تضبط اتجاهه، والإلهام يتولد حين تصبح التجربة قابلة للتعلم، والانفتاح يتوازن بأصالة واعية لا تخشى الحوار، والاستدامة مسؤولية بأن نترك لمن بعدنا موارد وذاكرة وفرصًا، وتُترجم في الاحتفال نفسه باحترام المكان وتقليل الهدر.
وصون الموروث لا يعني إبقاءه خارج الحياة. فحماية الحرفة تستلزم الاهتمام بتعليمها وجدواها الاقتصادية، وحماية الحكاية تستدعي توثيقها وإتاحتها، وصون العربية يحتاج إلى حضور فاعل في المعرفة والتقنية، لا الاكتفاء بالأسف على تراجع استخدامها. ويتسق هذا الفهم مع الاستراتيجية الوطنية للثقافة التي جعلت الثقافة نمط حياة ومصدرًا للنمو الاقتصادي ورافعة للمكانة الدولية. والتحدي هو اتساع دائرة المستفيدين، بحيث يجد المبدع المحلي والحرفي والباحث مكانًا ثابتًا في اقتصاد الثقافة، لا في مناسباتها الموسمية.وفي المجال الرقمي، لا ينبغي أن نقيس حضور الهوية بعدد مرات ظهورها؛ فالمقطع الوطني قد يكون واسع الانتشار ضعيف المعرفة، وقد تكون مقابلة موثقة مع أحد كبار السن أقل رواجًا وأبقى أثرًا. لذلك نحتاج إلى تربية تجعل التحقق من الصور والروايات جزءًا من احترام التاريخ، وإلى محتوى سعودي يخاطب غير الناطقين بالعربية دون تبسيط مخلّ، ويشرح خصوصية المجتمع دون ادعاء خلوّه من التحديات. فالثقة بالهوية تسمح بعرضها بصدق، وبالاستماع إلى أسئلة الآخرين عنها دون حساسية متعجلة.
ولا يصح تقديم الشباب والمرأة بوصفهم زينة المشهد الاحتفالي، بل شركاء في صناعة معناه؛ فقد بلغت مشاركة المرأة في سوق العمل نحو 35 % بنهاية 2025م وفق التقرير السنوي للرؤية، وتراجعت البطالة بين السعوديين إلى 6.4 % في الربع الأول من 2026م بحسب الهيئة العامة للإحصاء. ويمكن لشابة أن تقود فريقًا لتصميم معرض ميسّر، ولشاب أن يطوّر أرشيفًا رقميًا لتاريخ بلدته؛ نماذج تربط التمكين بالصلاحية والمسؤولية وجودة الأثر. فالانتماء يترسخ عندما يشعر الإنسان أن قدرته مطلوبة، وأن جهده معترف به، وأن مشاركته تتجاوز الحضور إلى صناعة القرار.وتوفر رؤية المملكة 2030م إطارًا يصل هذه المشاركة بالمستقبل عبر محاورها الثلاثة: المجتمع الحيوي، والاقتصاد المزدهر، والوطن الطموح. وقد أظهر تقريرها السنوي الصادر في أبريل 2026م أن الأنشطة غير النفطية باتت تمثل نحو 55 % من الناتج المحلي الإجمالي، وأن 93 % من مؤشرات الأداء حققت مستهدفاتها أو تجاوزتها، واستقبلت المملكة 122.6 مليون سائح خلال 2025م. لكن العلاقة بين التوحيد والرؤية ليست تماثلًا بين مرحلتين، بل استلهام لقدرة المجتمع والدولة على مواجهة متطلبات الزمن؛ فقد كان التوحيد أساسًا لبناء المجال الوطني المشترك، وتصبح تنمية القدرات وتوسيع الفرص اليوم وسيلة لتعميق الانتفاع به. فالوفاء للمؤسس لا يقتصر على رواية ما تحقق، بل يمتد إلى إجادة ما لم يتحقق بعد.
وعلى المستويين الخليجي والعربي، تؤكد المناسبة مكانة المملكة كدولةً مستقرة تدعم الشراكات القائمة على احترام السيادة الوطنية، وتبرز وحدتها الداخلية بوصفها إطارًا ينظم التنوع حول المصلحة العامة من غير أن يلغي الخصوصيات. كما تمثل المملكة عمقًا استراتيجيًا يعزز الأمن والاستقرار الخليجي والعربي. ولا يعني ذلك تقديم التجربة السعودية وصفةً جاهزة للآخرين؛ بل جعل المناسبة فرصة لتبادل الخبرات وترسيخ الوعي بأن قوة الشقيق مجال أوسع للتعاون. أما في بعدها الإسلامي والعالمي، فتحمل المناسبة رسالة هوية واثقة بمرجعيتها العربية والإسلامية، ومنفتحة على الحوار الحضاري. ويتجلى أصدق تعبير عنها في جودة اللقاء بالآخر: احترام الزائر، وإتقان العمل المشترك، وحسن الإنصات، وتقديم المعرفة النافعة. فالانفتاح لا يقتضي تعليق الخصوصية عند باب الحوار، كما أن الأصالة لا تبرر إغلاقه.
هكذا يستعيد الثالث والعشرون من سبتمبر 2026م معناه الأعمق: ذاكرة سيادة تتجدد بمسؤولية الأحياء، ووحدة يثبتها التلاحم، وهوية تستمر لأنها قادرة على الإبداع. وحين تنتهي العروض، يبقى الامتحان في المدرسة والمكتب والشارع والمنصة الرقمية؛ هناك نعرف ما إذا كان الاحتفال أضاف إلى وعينا وسلوكنا شيئًا. واليوم الوطني الذي يليق بملحمة التوحيد هو الذي يترك الوطن، ولو بمبادرة صغيرة، أفضل مما كان: أكثر تماسكًا، وأوسع فرصة، وأقدر على أن يحمل أصالته بثقة إلى المستقبل.