وائل العتيبي - الرياض:
لا يُحفظ تاريخ الشاشة العربية في الأفلام والأعمال وحدها؛ فثمة تفاصيل لا تسجلها الأرشيفات، تتصل بالبدايات والعقبات والصدف والعلاقات والظروف التي صنعت التجارب. ومن هنا تأتي أهمية «التاريخ الشفهي للشاشة العربية»، الذي يستعيد ذاكرة السينما والدراما من خلال شهادات صناعها ووجوهها الذين عاشوا تحولات الشاشة وأسهموا في تشكيل مساراتها.
وتأتي السلسلة ضمن مبادرة «سينماء» التي أطلقها الأرشيف الوطني للأفلام للنهوض بالنشاط النقدي والمعرفي ومواكبة الإنتاج السينمائي في المملكة، وإتاحة المجال للنقاد وصناع الأفلام ومحبي السينما لمشاركة رؤاهم وإنتاجاتهم. وتضم المبادرة المقالات والأبحاث والدراسات، والتاريخ الشفهي، والجلسات واللقاءات، وورش العمل، والأفلام القصيرة، لتتجاوز عرض الأعمال إلى بناء مساحة معرفية وتوثيقية حول السينما.
سهى الوعل.. استنطاق الذاكرة
وتبرز الإعلامية سهى الوعل في هذا المسار بوصفها محاورة تتجاوز السيرة المهنية إلى جذور التجربة وتفاصيلها الإنسانية، لتحول المقابلة إلى قراءة لذاكرة زمن كامل.
ويظهر ذلك في حوارها مع ممدوح سالم، أحد رواد الحركة السينمائية في جدة؛ إذ لم يتوقف الحوار عند تجربته في إحياء السينما عبر مهرجان جدة للعروض المرئية عام 2006، بل عاد إلى طفولته وصباه في جدة، وذكريات الحارة، وبدايات شغفه بالفنون البصرية والمسرح، وصولًا إلى تجربته في المهرجانات السينمائية.
ووفق التقديم الرسمي للحلقة، قادت الوعل سالم إلى استعادة مراحل تجربته منذ الصبا وحتى العمل السينمائي، بما يكشف الظروف والعقبات التي رافقت تشكل الحركة السينمائية السعودية الجديدة، وكيف تحول الطموح الفردي إلى مشروع أوسع.
ثلاثة مواسم.. ذاكرة متعددة الأصوات
وعلى امتداد ثلاثة مواسم، جمعت السلسلة أسماء من أجيال وتجارب وبلدان مختلفة؛ ففي الموسم الأول: راشد الشمراني، ومحمد المنصور، وصالح الفوزان، وعامر الحمود، وهشام الغانم، وبسام الذوادي.
وضم الموسم الثاني: عبدالله السدحان، وعبدالستار ناجي، وعبدالمحسن النمر، ودرة بوشوشة، وخالد الحربي، وأحمد الملا، فيما يضم الموسم الثالث: جاسم النبهان، وممدوح سالم، وأسمهان توفيق، وحسن عسيري، وأحمد المقلة، وإبراهيم الحساوي.
ولا تقتصر أهمية هذه الأسماء على حضورها الفني؛ إذ تمثل تنوعًا في مواقع صناعة الشاشة بين التمثيل والإخراج والإنتاج والكتابة والنقد والتوزيع، بما يرسم صورة متعددة الأصوات للسينما والتلفزيون في الخليج والعالم العربي.
وتكشف الشهادات جوانب مختلفة من هذه الصناعة؛ فصالح الفوزان يستعيد ملامح الرياض القديمة وتجربته في الإنتاج والعمل بين السعودية ومصر والعالم العربي، بينما يقدم هشام الغانم ذاكرة التوزيع ودور العرض وحقوق الأفلام وعلاقة العمل بالسوق والجمهور.
أما عبدالستار ناجي، فيستعيد تجربة النقد والصحافة السينمائية والمهرجانات، والعلاقة بين الفيلم والجمهور والناقد، ودور الصحافة والنقد في تشكيل الوعي السينمائي ومد الجسور الثقافية بين الخليج والعالم.
ممدوح سالم.. من المسرح إلى إحياء السينما
وتحمل شهادة ممدوح سالم في الموسم الثالث خصوصية سعودية؛ فبعد 28 عامًا من غياب السينما عن المملكة، أطلق عام 2006 مهرجان جدة للعروض المرئية، في مبادرة هدفت إلى إحياء السينما وجمع الشباب والمبدعين حول مشاهدة الأفلام وتجربة صناعتها.
ووفق «سينماء»، ألهمت التجربة لاحقًا شبابًا في أنحاء المملكة، وصولًا إلى النسخة الأولى من مهرجان أفلام السعودية عام 2008، ثم اتساع حركة صناعة الأفلام السعودية.
لكن الحوار يعود إلى ما قبل السينما، إلى المسرح المدرسي، ثم فرقة المسرح بجامعة الملك عبدالعزيز رغم دراسة سالم للحاسبات، وصولًا إلى تأسيس فرقة «رواد المسرح» التي تطورت لاحقًا إلى شركة «رواد ميديا».
ومن المسرح والشغف بالفن والخبرة العملية والاطلاع على المهرجانات السينمائية في المنطقة، ولا سيما الحركة التي ازدهرت في الإمارات مطلع الألفية، تبلورت لديه فكرة تحويل الخيال إلى واقع وتبني التجارب السينمائية الوليدة لصناع الأفلام السعوديين.
وهنا تتجاوز الوعل دور إدارة الحوار إلى إعادة ترتيب الذاكرة؛ فتنتقل بالضيف من الحدث إلى جذوره، ومن المشروع إلى دوافعه، ومن التجربة الفردية إلى السياق الذي نشأت فيه الحركة السينمائية السعودية الجديدة.
تاريخ الشاشة.. ما وراء الصورة
ويتسع الموسم الثالث من الكويت مع جاسم النبهان، إلى السعودية مع ممدوح سالم وحسن عسيري وإبراهيم الحساوي، والبحرين مع أحمد المقلة، إلى جانب تجارب خليجية وعربية مع أسمهان توفيق، بما يكشف أن تاريخ الشاشة العربية لم يكن مسارًا واحدًا، بل تجارب متقاطعة صنعتها المدن والمجتمعات والمسرح والتلفزيون والصحافة والمهرجانات.
وتكمن قيمة «التاريخ الشفهي» في أنه يحفظ ما لا يظهر في سجلات الإنتاج وقوائم الأعمال؛ من الخوف والتعثر في البدايات، إلى الصدفة والطموح والقرارات والعلاقات والظروف التي دفعت تجارب فردية نحو مشاريع وحركات فنية أوسع.
ولهذا لا تبدو حلقات السلسلة مجرد مقابلات، بل مادة توثيقية تحفظ صوت صاحب التجربة وتتيح للباحثين وصناع الأفلام والجمهور العودة إليها. وتضيف «سينماء» عبر هذا المسار إلى أرشيف الصورة أرشيفًا بشريًا تتحدث فيه الذاكرة بأصوات أصحابها.
وفي صناعة تتغير أدواتها بسرعة، يصبح حفظ شهادات الأجيال السابقة جسرًا معرفيًا للأجيال الجديدة، يوضح كيف بدأت التجارب، ومن أين جاءت الأفكار، وما الذي واجهه صناعها قبل وصول الشاشة السعودية والعربية إلى صورتها الراهنة.
فالأعمال تحفظ ما ظهر أمام الكاميرا، بينما تحفظ الشهادات ما جرى خلفها: البدايات والعقبات والصدف والقرارات والعلاقات التي صنعت المسار الفني.
وهكذا يعيد «التاريخ الشفهي للشاشة العربية» تركيب ذاكرة السينما والتلفزيون من خلال أصوات صناعها، مؤكدًا أن تاريخ الشاشة لا يُحفظ بالأعمال وحدها، بل بالحكايات التي سبقتها، والأشخاص الذين صنعوها، والظروف التي شكلت مساراتها.