د. أنس عضيبات
منذ أن وطأت قدما المرأة ساحات العمل والإنتاج، لم يتوقف الجدل الاجتماعي حول جدوى هذه الخطوة، وارتفع صدى سؤال تقليدي مُحمّل بنبرة لائمة: هل المرأة العاملة مقصرة بحق بيتها؟ هذا التساؤل، رغم طابعه البسيط، يخفي وراءه موروثاً ذهنياً يعجز عن قراءة التحولات البنيوية في المجتمع الحديث والواقع يفرض علينا تجديد العدسة التي ننظر بها إلى المرأة في القرن الواحد والعشرين؛ فالمرأة العاملة لا تنخرط في العمل طلباً للرفاهية فحسب، بل هي ركيزة اقتصادية ونموذج حضاري يعكس تطور المجتمعات، مما يجعل طرح فرضية التقصير دون اعتبار لكفاءة الإدارة أمراً يفتقر إلى الموضوعية والإنصاف.
وفي تفكيك منطقي لهذا الجدل، نجد أن التحديات الجسام التي تواجهها المرأة العاملة تفرض عليها نمطاً من «الإدارة الاستراتيجية» للوقت لا يتاح لغيرها فبعيداً عن صورة «التقصير» النمطية، تكتسب المرأة العاملة، مدفوعة بضيق الوقت وعظم المسؤولية، ومهارات تنظيمية فذة تتيح لها ترتيب الأولويات بدقة فائقة كما إنها لا تدير منزلاً فحسب، بل تدير «منظومة معقدة» من التزامات مهنية، واحتياجات أسرية، ومتطلبات تربوية وهذا التخطيط الدقيق يترجم عملياً في قدرة استثنائية على استغلال «الوقت النوعي» مع أطفالها وأسرتها، مما يؤكد أن جودة الحضور العائلي، وليس كميته، هو المعيار الحقيقي للانتماء والعطاء الأسري.
ومن منظور تربوي واجتماعي عميق، تشكل المرأة العاملة نموذجاً حياً وملهماً لأطفالها، وللمجتمع من حولها كما إن انخراطها في العمل يرسخ في أذهان الأبناء قيم المثابرة، والاستقلال، وتحمل المسؤولية، ويكسر الصورة النمطية السلبية للأدوار الاجتماعية ففي كنف أم عاملة، يتربى جيل يعي أهمية العلم والعمل في بناء الشخصية والمجتمع، ويتعلم مهارات الاعتماد على النفس منذ الصغر، وهذا الأثر التربوي الإيجابي يتجاوز حدود المنزل ليساهم في تشكيل وعي مجتمعي يقدر قيمة الفرد بعطائه وإنتاجه، بغض النظر عن جنسه، مما يعزز التماسك الاجتماعي ويحفز على التنمية والتقدم.
بيد أن هذا الواقع الإداري والتنظيمي المتميز لا يعفي المجتمعات ومؤسساتها من مسؤولياتهم تجاه دعم المرأة العاملة في مواجهة التحديات الهيكلية والضغوطات اليومية.
وفي الختام، يتبين بوضوح أن وصف المرأة العاملة بـ»المقصرة» هو حكم جائر يتجاهل الواقع المعقد الذي تعيشه وتديره باقتدار كما أنها ليست مقصرة، بل هي «مديرة بارعة» و»مربية ملهمة» استطاعت، بفضل ذكائها وتنظيمها، أن تخلق توازناً صعباً ولكنه ممكن بين التزاماتها المتعددة وإن الاعتراف بقدراتها، وتوفير بيئة داعمة ومنصفة لها، هو استثمار في بناء مجتمع أكثر عدلاً وتطوراً لذا، حري بنا أن نتوقف عن توجيه أصابع الاتهام، ونبدأ في تقدير جهودها واحتضان دورها الحيوي كشريك أساسي في مسيرة البناء والنماء.