فائز بن سلمان الحمدي
إن للوطن في قلب الإنسان سرًّا لا تفسّره الجغرافيا، ولا تستوفيه الحدود؛ فإن الأرض قد تكون ترابًا تحت القدم، ولكنها إذا سكنت القلب صارت وطنًا، وقد تكون دارًا من حجر، فإذا امتزجت بها الذكريات أصبحت في النفس عمرًا كاملًا. والوطن ليس المكان الذي يولد فيه الإنسان فحسب، بل هو المكان الذي تولد فيه منه أشياء لا تموت: أول خطوة، وأول فرحة، وأول خوف، ووجه الأم، وصوت الأب، وظلال الطفولة، وذكريات الذين سبقوا إلى التراب، وبقيت أرواحهم في الأماكن التي أحبّوا. ومن هنا كان حب الأوطان من أصدق ما في الفطرة الإنسانية؛ لأن الإنسان لا يحب الأرض لذاتها، وإنما يحب فيها نفسه الأولى، وأيامه الأولى، ومن أحبّهم فيها، وما تركوه له من أثر. فإذا كان الوطن أرضًا تجتمع فيها الذكريات، فإن بعض الأوطان تجتمع فيها، فوق ذلك، معاني العقيدة والتاريخ والمقدسات؛ وحينئذٍ لا تعود الأرض أرضًا فحسب، بل تصبح معنى من معاني الإيمان، وذاكرة من ذاكرة الأمة، وأمانة تتناقلها الأجيال كما تتناقل النور من يد إلى يد. وهذه البلاد المباركة من تلك البلاد التي اجتمعت لها من أسباب الفضل ما جعلها في قلوب المسلمين منزلة لا تشبهها منزلة؛ ففيها مهبط الوحي، وفي رحابها الحرمان الشريفان، وإليها تتجه وجوه المسلمين، وفيها قبلة تهوي إليها القلوب قبل الأجساد. ثم أكرمها الله، فوق ذلك، بنعمة التوحيد؛ فجعل كلمة «لا إله إلا الله» أصلًا في العقيدة، وأساسًا في اجتماع الكلمة، ورابطةً تتجاوز روابط الدم والأرض والقبيلة؛ إذ تجمع القلوب على رب واحد، وغاية واحدة، وميزان واحد للحق. وما التوحيد كلمة يقولها اللسان ثم يسكت عنها القلب، ولا عقيدة تحفظها الكتب ثم تنتهي عند حدودها؛ ولكنه حياة إذا دخلت الضمير استقامت بها الجوارح، وإذا استقرت في القلب استقام بها النظر إلى الناس والأشياء والحياة. هو أن يعرف الإنسان لمن العبودية، ومن أين يأخذ الحق، وإلى أين يمضي، وأن يتحرر من الخضوع للمخلوق؛ ليخلص في عبوديته للخالق. وقد جاءت رسالات الأنبياء من أولها إلى آخرها تحمل هذا النور الواحد، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). فإذا كان التوحيد هو اجتماع القلب على ربّه، فما الوحدة إلا اجتماع القلوب على ما يرضي ربها؛ ولهذا كان التوحيد من أعظم أسباب الاجتماع، وكان التفرق أول الطريق إلى الوهن؛ لأن الأمةذا اختلفت في أصل يجمعها، لم تعد اختلافاتها فروعًا على أصل، بل صارت الفروع نفسها أصولًا يتقاتل الناس عليها. ولهذا جاء الأمر الإلهي كأنه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، لا يسقط من اعتصم به، ولا يضل من اهتدى إليه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا). وما أعظم أن يكون للناس حبل واحد يعتصمون به، وراية واحدة يلتفون حولها، وغاية واحدة تمضي إليها القلوب قبل الأقدام. ولكن النعم العظيمة لا تكون عظيمة إلا بقدر ما تحمل من مسؤولية؛ فليس شكر الوحدة أن نتحدث عن الوحدة، ولا شكر التوحيد أن نعدد فضائله، وإنما الشكر الحقيقي أن نحفظ أثرهما في النفوس والبيوت والمدارس والمجتمع، وأن نعلّم أبناءنا أن ما نشؤوا عليه لم يكن صفحة من الماضي، بل أمانة للحاضر، وطريقًا إلى المستقبل. ومن هنا يبدأ الحديث عن هذه البلاد؛ حديثًا لا يقف عند حدود التاريخ، بل يتجاوز التاريخ إلى معنى الأمانة. فقد كانت أجزاء واسعة من هذه الجزيرة قبل توحيدها متباعدة الأطراف، تتنازعها مظاهر الفرقة والاضطراب، وكان الأمن فيها أمنًا متقطعًا، والاستقرار أمرًا لا يملك الناس له من أسباب الثبات ما يكفي. ثم قيّض الله لها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله -، فحمل راية التوحيد، ومضى في طريق الجمع والتأسيس، حتى التأمت أطراف البلاد في كيان واحد، واجتمعت الكلمة بعد تفرّق، واستبدل الله بالخوف أمنًا، وبالاضطراب استقرارًا، وبالتنازع اجتماعًا. وما بين حالين كهذين مسافة لا تقاس بالأميال، وإنما تقاس بأعمار الرجال؛ فكم من إنسان كان يخشى على أهله وماله، ثم أصبح يأمن على بيته ومعاشه ومستقبل أبنائه، وكم من أرض كانت تعرف اضطراب الطريق، فأصبحت تعرف طريق البناء. قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
كان نهج المؤسس - رحمه الله - نهج جمع وبناء؛ فوَحّد البلاد، وأرسى دعائم الدولة، وفتح للأجيال طريقًا لم يكن معبّدًا من قبل. ثم مضى الرجال، وبقي البناء. وتعاقب أبناؤه الملوك - رحمهم الله -، فحفظوا ما أُسّس، وصانوا الوحدة، وعزّزوا الأمن، وخدموا الحرمين الشريفين، ودفعوا بالدولة في طريق البناء والتنمية، حتى أصبح ما كان يومًا حلمًا في صدور الرجال حقيقة قائمة تراها الأعين، وتعيش آثارها الأجيال.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز - حفظهما الله -، تتصل حلقات هذه المسيرة؛ فالتاريخ لا ينتهي عند رجل، ولا تقف الأمانة عند جيل. وإنما الرجال صفحات في كتاب الوطن؛ يطوي التاريخ أسماءهم، ولكنه لا يطوي ما تركوه من أمانة. ولهذا فليس الوفاء للمؤسس ومن جاء بعده أن نقف أمام آثارهم كما يقف الناظر أمام بناء قديم، ثم ننصرف؛ وإنما الوفاء أن نحمل ما حملوه، وأن نزيد في البناء لبنة، وفي القوة قوة، وفي المستقبل أفقًا. فالرجال يمضون، ولكن الأمانات لا تمضي. والأجيال تتعاقب، ولكن السؤال واحد: ماذا حفظنا مما ورثنا؟ وللوطن في الفطرة محبة لا تحتاج إلى معلّم؛ فالإنسان إذا أحب مكانًا أحب فيه أيامه، وإذا حنّ إلى أرض، فقد يكون في الحقيقة حنينه إلى نفسه التي تركها هناك. وقد أحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، مع ما لقي فيها من أذى، فقال: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت». فكانت محبة الديار شاهدًا من السنة على معنى أودعه الله في الفطرة. ولكن الحب إذا لم يتحول إلى عمل صار عاطفة عابرة، كالسحابة التي تملأ السماء ولا تسقي الأرض. وحب الوطن ليس أن نتغنى باسمه، وإنما أن نكون جديرين بهذا الاسم. أن يكون المعلم وفيًّا لوطنه حين يجعل من الفصل عقلًا جديدًا يضيء غد البلاد. وأن يكون الطبيب وفيًّا له حين يجعل من مهنته رحمة. وأن يكون المهندس وفيًّا حين يحوّل الفكرة إلى بناء. وأن يكون العامل وفيًّا حين يتقن ما تحت يده. وأن يكون الطالب وفيًّا حين يجعل من علمه قوة لأيام وطنه القادمة. وأن يكون كل مواطن وفيًّا حين يجعل من ضميره عينًا لا تنام على الأمانة. فالأوطان لا تُبنى بكثرة الذين يتحدثون عنها، بل بكثرة الذين يعملون لها في صمت. وكم من يد لم تصعد إلى منصة، ولكنها رفعت بناء. وكم من رجل لم يذكره الناس، ولكنه ترك في مكانه أثرًا ينتفع به الناس. وكم من أمانة أدّاها صاحبها ولم يسمع لها التاريخ صوتًا، ولكنها عند الله لم تكن خافية. وإذا كانت محبة الوطن إحساسًا، فإن الوحدة مسؤولية. وإذا كان الانتماء شعورًا، فإن حفظ الجماعة عمل. وإن من أخطر ما يصيب الأوطان أن تتسع المسافة بين القلوب؛ لأن الوطن قد يحتمل اختلاف الناس في الأذواق، وفي الآراء، وفي طرائق الحياة، ولكنه لا يحتمل أن يتحول الاختلاف إلى خصوة، والخصومة إلى قطيعة، والقطيعة إلى شقاق. قال الله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ). وما أحوجنا، في زمن كثرت فيه الأصوات، وتعددت المنابر، وسهل فيه أن تصل الكلمة إلى آلاف الناس في لحظة، إلى فقه الاجتماع؛ ذلك الفقه الذي يعلّم الإنسان متى يتكلم، ومتى يسكت، ومتى ينقل، ومتى يتثبت. لقد أصبح الخبر في هذا العصر أسرع من صاحبه؛ فما إن تخرج الكلمة من هاتف حتى تطوف الآفاق، وقد يكون تصحيحها أبطأ من انتشارها، وقد تكون شائعة واحدة كافية لأن تفسد من الطمأنينة في القلوب ما تحتاج إعادته إلى أيام. ومن هنا كان التثبت خلقًا، وكان حفظ الكلمة مسؤولية، وكان رد الأمر إلى أهله من الحكمة. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). وجاء القرآن الكريم مؤدبًا المؤمن في أوقات الأمن والخوف، فقال سبحانه: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ). فما أحوجنا إلى هذا الأدب في زمن أصبح فيه كل إنسان قادرًا على أن يكون منبرًا! أن نتثبت قبل أن نتحدث. وأن نتبين قبل أن ننشر. وأن نعرف أن الكلمة ليست هواءً يمر من بين الشفتين، بل قد تكون بناءً أو هدمًا، طمأنينةً أو خوفًا، إصلاحًا أو فتنةً. فلا تكن لسانًا للشائعة، ولا جسرًا تعبر عليه الفتنة، ولا يدًا تدفع إلى الناس ما لا تعرف حقيقته. وليس الحكيم هو أول من يتحدث، وإنما الحكيم من يعرف متى يصمت حتى يعرف.
إن الأمن من النعم التي لا يشعر الإنسان بعظمتها ما دامت حوله؛ فهو كالهواء، لا نعرف قيمته ونحن نتنفسه، فإذا انقطع عرف الإنسان أنه كان يعيش بنعمة لا يراها. والأمن ليس مجرد أن تغيب أصوات الخوف؛ بل الأمن أن تحضر الحياة. أن ينام الطفل فلا يعرف للفزع معنى. أن يخرج الأب إلى عمله وهو مطمئن. أن تفتح الأسواق أبوابها. أن تمضي القوافل في طرقها. أن تُقام الصلاة في المساجد. أن يذهب الطالب إلى مدرسته. أن يدخل المريض إلى المستشفى. أن يزرع الزارع أرضه. أن يخطط المستثمر لغده. أن يبني المهندس. أن يعمل العامل. أن يعيش الإنسان يومه وهو يعلم أن وراء هذا الهدوء دولة تسهر، ومؤسسات تعمل، ورجالًا يؤدون واجباتهم. ولهذا كان الأمن من أجلّ نعم الله على عباده. قال إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا). وقال سبحانه: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ). فقرن الأمن بالطعام؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعمّر الأرض بجسد يجد قوته، وقلب لا يجد سكينته. والأمن ليس مسؤولية رجل الأمن وحده؛ فله في كل مواطن نصيب. يحمله رجل الأمن في ميدانه. ويحمله المواطن في سلوكه. ويحمله الأب في تربية أبنائه. ويحمله المعلم في رسالته. ويحمله الإعلامي في كلمته. ويحمله الشاب في وعيه. ويحمله كل إنسان حين يعلم أن العبث بأمن الوطن ليس عبثًا بشيء بعيد عنه، وإنما هو عبث ببيته، وأهله، ورزقه، ومستقبل أبنائه.
إن الوطن أمانة. والأمن أمانة. والوحدة أمانة. والتوحيد أمانة. ومن عرف معنى الأمانة لم يسأل فقط: ماذا أخذت؟ بل سأل: ماذا أعطيت؟ ولم يقف عند حقوقه، بل نظر إلى واجباته. ولم يجعل سؤاله الدائم: ماذا صنع الوطن لي؟ قبل أن يسأل نفسه: ماذا صنعت أنا لوطني؟ فالأوطان لا تحفظها الشعارات إذا خلت من الصدق، ولا تحميها الكلمات إذا تعرّت من العمل. وإنما يحفظها، بعد الله، إيمان راسخ، ووعي ناضج، وضمير حي، ويد أمينة، وقلب يعرف أن مصلحة الجماعة أكبر من نزوة الفرد، وأن سلامة الوطن أرفع من خصومة عابرة، وأن وحدته أثمن من رأي شخصي، وأن أمنه أغلى من خبر مجهول أو كلمة مستعجلة. وما أجمل أن يكون المواطن في وطنه كالحصن؛ لا يدخل منه ما يضر، ولا يخرج منه ما يفسد. إذا سمع الشائعة أمسكها. وإذا رأى خللًا أصلحه في موضعه. وإذا رأى خيرًا أعانه. وإذا نودي إلى البناء كان من السابقين. وإذا احتاج الوطن إلى علمه بذله، وإلى عمله أتقنه، وإلى وعيه أظهره.
يا أبناء هذه البلاد المباركة، إن بين أيديكم نعمة عظيمة. إنكم لا تقفون على أرض جاءت إليكم بلا ثمن؛ بل تقفون على تاريخ دفع رجاله من أعمارهم وأيامهم وأمنياتهم ثمنًا له. إن هذا الوطن لم يولد في يوم واحد، ولم يبلغ ما بلغ إليه بضربة حظ؛ وإنما عبر إليه رجال من بوابة التاريخ، ووحّدوا أطرافه، وأقاموا أمنه، ومهّدوا لأجياله طريق البناء. فاحفظوا ما وصل إليكم. فإن الأمانة لا تُرَدّ ناقصة. علّموا أبناءكم أن التوحيد أصل العز، وأن الوحدة حصن البلاد، وأن الأمن روح الحياة، وأن الوطن ليس موضعًا نسكنه فحسب، بل عهدًا نسكن إليه ويسكن فينا. علّموهم أن حب الوطن ليس أن ترفع اسمه في الكلمات، بل أن ترفع شأنه في الأفعال. أن تكون في موضعك أمينًا. وفي عملك متقنًا. وفي مجتمعك نافعًا. وفي كلمتك صادقًا. وفي اختلافك عاقلًا. وفي مسؤوليتك ثابتًا. وفي أزمات وطنك سندًا لا عبئًا. فالأوطان لا تحتاج في كل يوم إلى أبطال تكتب الصحف أسماءهم، وإنما تحتاج كل يوم إلى آلاف الأمناء الذين يعملون في صمت، فيصنعون التاريخ من حيث لا يشعرون. وإن أعظم الوفاء لمن وحّد هذه البلاد أن نصون وحدتها. وأعظم الوفاء لمن بنى أمنها أن نحفظ أمنها. وأعظم الوفاء لمن خدم الحرمين الشريفين أن نواصل خدمة وطن شرّفه الله بهما. وأعظم الوفاء لقيادتنا أن نكون عونًا على البناء، وحصنًا للوحدة، ووعيًا في مواجهة الفتن، وعملًا صادقًا في ميادين التنمية. فالتاريخ لا يسألنا اليوم: ماذا ورثنا فقط؟ بل سيسألنا غدًا: ماذا تركنا؟ وسيأتي جيل بعدنا، كما جئنا نحن، فينظر إلى الوطن بعين الجيل الجديد، ويبحث في صفحاته عن أثر الذين سبقوه. فإما أن يجد أمانة حفظناها وزدناها. وبنيانًا قوّيناه. وأمنًا صُنّاه. ووحدة أحطناها. ومستقبلًا وسّعنا مداه. وإما أن يجد آثار غفلتنا. فليكن جوابنا قبل أن يأتي السؤال: أننا كنا جيلًا عرف النعمة فلم يبطر. وعرف الأمانة فلم يفرّط. وعرف الوطن فلم يخنه. وعرف الوحدة فلم يبددها. وعرف الأمن فلم يعبث بأسبابه. وعرف أن التاريخ ليس ما نقرؤه عن الذين سبقونا فحسب، بل ما سيقرؤه الذين يأتون بعدنا عنا. فيا أبناء الوطن، احفظوا هذه الأمانة؛ فإن الذي يصل إلينا من أيدي الآباء ليس أرضًا وحدها، ولا راية وحدها، ولا تاريخًا نحكيه، وإنما يصل إلينا وطن كامل، بما فيه من عقيدة ووحدة وأمن وذاكرة ومسؤولية. وسيسلّم كل جيل هذه الأمانة إلى الجيل الذي بعده، كما سلّمهاإليه الذي قبله. فطوبى لجيل لا يكتفي بأن يرث وطنًا عظيمًا، بل يعمل حتى يكون جديرًا بأن يورثه أعظم. وطوبى لوطنٍ إذا سأل أبناءه يومًا: ماذا فعلتم بالأمانة؟ أجابوه بلسان العمل: حفظناها، وزدناها، وسلّمناها إلى أبنائنا كما ينبغي أن تُسلَّم الأمانات.