د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
ليست كل العداوات معلنة، ولا كل الضغائن تملك الشجاعة لتظهر بوجهها الحقيقي. بعضها يعيش طويلًا خلف الكلمات المنمقة، وتستره المصالح، وتحجبه المجاملات، حتى تأتي المواقف الكبرى فتسقط الأقنعة، وتخرج من الصدور كلمات ومواقف لم تكن الأيام العادية قادرة على إخراجها.
قال الله تعالى: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم} [محمد: 29].
والأضغان هي الأحقاد والعداوات المستكنة في الصدور. وليس لأحد أن يشق عن قلب أحد أو يجزم بما استقر فيه، لكن المواقف تظل شواهد، والكلمات لها دلالاتها، والتكرار له معناه. فإذا أصبح الترصد منهجًا، والشماتة عادة والبحث عن كل ما يؤذي وطنًا بعينه عملًا يوميًا، فإن المسألة تتجاوز حدود النقد الطبيعي إلى خصومة ظاهرة في آثارها، مهما حاول أصحابها تجميل صورتها.
وما نشاهده اليوم في فضاء الإعلام والمنصات يستحق التأمل؛ معرفات معلومة، وأخرى مجهولة، وحسابات بأسماء مستعارة، تستنفر مع كل حدث يمس المملكة العربية السعودية، تبحث في التفاصيل، وتنبش في الأخبار، وتقتطع المقاطع، وتضخم الأخطاء، وتعيد تدوير الشائعات، وكأنها تنتظر ما يؤلم السعودي أكثر مما تنتظر ما يخبره بالحقيقة.
ولا تكمن المشكلة في اختلاف الرأي؛ فالدول الكبيرة لا تضيق بالنقد، والمجتمعات الواثقة لا تخاف من السؤال. المشكلة في ذلك الفارق بين من ينتقد موقفًا وبين من ينتظر عثرة، وبين من يناقش سياسة وبين من يتشفى في أزمة، وبين من يبحث عن الحقيقة وبين من يبحث في الحقيقة نفسها عما يستطيع تحويله إلى سكين.
والأشد إيلامًا أن بعض هذه السهام لا يأتي من خصم عرفنا خصومته، بل من فضاءات ظنناها يومًا فضاءات صداقة وتحالف. فالخصم المعلن تعرف موقعه وتحتاط منه، أما الخذلان فيأتي من الباب الذي تركته مفتوحًا للصديق. وكم هو مؤلم أن تكتشف أن اليد التي صافحتك طويلًا قد خرج من فضائها خنجر مسموم من التشويه والتحريض والشماتة.
ومع ذلك، يجب ألا يدفعنا الغضب إلى التعميم؛ فالشعوب أكبر من حسابات المنصات، والعلاقات بين الدول أعقد من تغريدة، ولا يجوز أن تتحول ممارسات أفراد أو منابر إلى أحكام على مجتمعات بأكملها. لكن من حقنا أن نقرأ الخطاب، وأن نتأمل اتجاهاته، وأن نسأل عن ذلك الاستنفار الذي يجعل بعض المعرفات تبحث عن كل خبر سيئ يتعلق بالمملكة ثم تستقبله بلهجة يصعب معها التفريق بين نقل الحدث والفرح به.
فالمواجهة مع الحوثي ليست مسألة سعودية داخلية، ولا خطرًا يتوقف عند الحد الجنوبي للمملكة. فالهجمات العابرة للحدود، واستهداف المنشآت المدنية والحيوية، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، تكشف أن الخطر بطبيعته أوسع من حدود دولة واحدة، وأن المملكة وهي تدافع عن أرضها ومواطنيها تقف كذلك سدًا منيعًا أمام تهديد تمتد آثاره إلى أمن الخليج واستقرار المنطقة وممراتها البحرية.
ومن الخطأ أن ينظر بعضهم إلى هذه المواجهة وكأن المملكة تحمل عبئًا يخصها وحدها؛ فالجغرافيا لا تعرف هذا الفصل، والصواريخ لا تعترف بحسابات المتفرجين، واضطراب البحر الأحمر لا تتوقف آثاره عند شاطئ واحد. وما تقف المملكة في مواجهته اليوم قد تتسع تداعياته غدًا، ولهذا فإن أمن المملكة وأمن الخليج واستقرار الممرات البحرية دوائر متداخلة لا يمكن فصل بعضها عن بعض. بل إن قراءة التجارب القريبة تكشف أن الخطر إذا تُرك ليستفحل لا يسأل قبل تمدده عن الحدود، ولا يفرق بين من واجهه منذ البداية ومن ظن أن المسافة كافية لحمايته. وما يبدو للبعض شأنًا يخص جاره اليوم قد يصبح غدًا عند بابه. ومن هنا كانت الرؤية البعيدة أكثر حكمة من حسابات اللحظة، وكان إدراك الخطر المشترك أوجب من استثمار أوجاع الآخرين في خصومات عابرة.
ومن هنا تبدو بعض المواقف الإعلامية أكثر إيلامًا؛ فبدل أن يُقرأ حجم العبء الذي تتحمله المملكة، تنشط معرفات معلومة وأخرى مجهولة في الترصد والبحث عن مواطن الإساءة، وكأنها تنتظر العثرة أكثر مما تخشى الخطر المشترك. والمفارقة أن بعض هذا الخطاب يأتي من فضاءات يفترض أن تدرك قبل غيرها أن أمن الخليج لا يقبل التجزئة، وأن الجدار الذي يتلقى الضربات في المقدمة لا يحمي نفسه وحده، بل يحمي مساحة واسعة خلفه.
وسنة الله في الحياة أن الكبير يحتمل ما لا يحتمله غيره؛ فكلما عظمت المكانة عظمت التبعة، وكلما اتسعت المسؤولية ثقل حملها. والمملكة لم تكن كبيرة لأنها بمنأى عن الأثمان، بل لأنها تحمل من أثمان موقعها ومسؤوليتها ما قد يعجز عن حمله غيرها. الكبير في أسرته يتحمل، والكبير في قومه يتحمل، والدولة الكبيرة في محيطها تدفع من أثمان المسؤولية بقدر مكانتها وتأثيرها.
وللكبار أيضًا نصيب أكبر من الاستهداف؛ لأن الأنظار تتجه إليهم في الأزمات كما تتجه إليهم في الرخاء. وكلما اتسع أثر الدولة اتسعت دائرة من يراقبها، ومن يختلف معها، ومن يتمنى تعثرها. ولذلك فإن قوة المملكة ليست في ألا تُستهدف، بل في ألا تجعل استهدافها يغير بوصلتها أو يستنزفها في معارك صغيرة لا تليق بحجم مسؤولياتها.
والتاريخ لا يزن الدول بعدد الحسابات التي تهاجمها، ولا بعدد الشائعات التي تطاردها، وإنما بما يبقى من مواقفها بعد أن ينتهي الضجيج. أما المعرفات التي تعيش على الترصد فقد تستطيع صناعة موجة عابرة، لكنها لا تستطيع صناعة حقيقة بديلة إلى الأبد.
ولعل بعض ما نشاهده اليوم يحمل، رغم مرارته، فائدة لا ينبغي إغفالها؛ فالمواقف الكبرى تعيد تعريف الأشياء. تكشف الخصم، وتمتحن الصديق، وتختبر معنى التحالف، وتعلم الأوطان ألا تبني حساباتها على الكلمات وحدها. وقد يكون سقوط بعض الصور مؤلمًا، لكنه أقل ضررًا من بقائها جميلة في أعيننا وهي تخفي وراءها ما لا نراه.
وليس المقصود مقابلة الإساءة بالإساءة، ولا الضغينة بضغينة؛ فالأوطان الكبيرة لا تنحدر إلى مستوى كل صوت يسيء إليها. إنما المطلوب ذاكرة لا تنسى، ووعي يقرأ المواقف، وإعلام يكشف التضليل بالحقيقة، وسياسة تعرف الصديق بمواقفه لا بكلماته.
وهنا يعود المعنى القرآني بالغ الدلالة: {أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم}.
فما تخفيه المجاملات قد تكشفه المواقف، وما تستره المصالح قد تفضحه الكلمات، وما عجزت السنوات عن إظهاره قد تظهره معرفات معلومة ومجهولة في أيام.
وسنة الله أن الكبير يحتمل ما لا يحتمله غيره، وأن الجبال العالية تتلقى من الرياح ما لا يصل إلى السفوح؛ لكنها تبقى جبالًا، ويبقى ما حولها مستندًا إلى ثباتها.