د. عبدالله بن عثمان السنيدي
ما أكثر ما خرجتُ أطلب دهشة السفر، ثم أرجع مندهشاً مما أعيشه في وطني وأسميه يوماً عادياً، فكلما نأتْ بي الأسفار عن وطني المملكة العربية السعودية وجدتني أعود إليها من طريق لم أغادرها منه! أخرج وفي نفسي شوق إلى ما وراء الأفق، وأرجع وقد ازددتُ بصيرة بما تحت قدمي، وأول ما يملأ قلبي أنني أنتمي إلى أرضٍ نشأتُ فيها موصول الرجاء بالله، لا تتقاسمني أعتاب الأضرحة، ولا يعترض دعائي من يجعل الخرافة سبيلاً إلى استرقاق النفوس! ذلك ميراث جليل نصره الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- وتعاقبتْ على رعايته هذه الدولة المباركة؛ حتى صار صفاء العقيدة من مألوف حياتنا الذي قد لا نستوفيه شكراً.
وفي هذه الحياة نفسها أمضي مطمئن القلب إلى ربي، آمناً على نفسي وأهلي، فأجوب الرياض في أطراف النهار وزُلَف الليل، ثم أسافر.. فأرى كيف يأخذ الحذر من راحة الإنسان، وكيف ينشغل عن جمال الطريق بالخوف على ما في جيبه، فأعرف أنني كنتُ أنعم في بلادي بفسحة من النفس لا تظهر في الصور، ولا تدخل في حساب نفقات الرحلة.
قد يستوقفك بريق الشانزليزيه في باريس، وأكسفورد ستريت في لندن، وفيا كوندوتي في روما، وغران فيا في مدريد، وبانهوف شتراسه في زيورخ، غير أن الحياة لا تعاش بالواجهات وحدها، فما أسرع أن تنقلك حاجة عابرة من فتنة المشهد إلى حقيقة المعاش، تجلس إلى مائدة، فتتأمل نظافة ما حولك، وهيئة مَن يُعِدّ طعامك، وما يبديه من احتراز، ثم تذوق وتدفع، وفي هذه الدقائق القليلة تحضر السعودية إلى المقارنة من غير أن تستدعيها! تتذكر كيف ألفت في كثير من مطاعمها عناية بالنظافة، ومنافسة على المذاق، وخيارات تجمع جودة ترضاها وثمناً تطيقه، وقد تجد في مدينة ذائعة الصيت ما تنبو عنه نفسك، أو تدفع في وجبة عادية ما يردّك خاطرك معه إلى مائدة أجود وأقل كلفة في الرياض، فتقيم عليك فاتورة صغيرة حجة لم تُقِمْها خطبة طويلة! يومئذ تدرك أن بعض ما كنتَ تحسبه ترفاً في ذوقك إنما هو أثر نعمة أحسنت بلادك تعويدك إياها، وأن وراء التفاصيل التي تستريح إليها عملاً لا تراه كله، ولكنك تعيش ثمرته.
ولن تستوفي المقارنة حقها إن اقتصرت على ما يوضع أمامك في طبق؛ فإن للعيش مذاقاً تصنعه الوجوه أيضاً، كم تهون مشقة حين تلقاك سماحة، وكم يطيب مكان لأن إنساناً فيه رأى حاجتك قبل أن تشرحها، وفي وطني تتسع المعاملة لهذا الفضل الذي لا تسعه الفواتير، وقت يبذل، وكلفة تحتمل، ويد تسعف ثم تمضي مستحيية من الثناء، ومن هذا النبع نفهم مواقف سعوديين هبوا لإنقاذ طفل أو إغاثة رجل في بلاد بعيدة، فما ظهر للناس بطولة في ساعة حرجة، له في حياتنا جذور من النخوة والفزعة وإغاثة الملهوف، ولهذا يعنيني -وأنا أرى بلادي تتسع بالعمران ووجوه المتعة- أن تبقى هذه السجايا عامرة في أهلها، وأن يظل في ساحاتها متسع للحياء، وحرمة الأسرة، وكرامة العابر.
وفي عناية الدولة بالذوق العام وصيانة الآداب رعاية للمكان، ولمن يتكون وجدانه فيه، فالطفل الذي نأمن عليه في الطريق، نريد أن نطمئن أيضاً إلى ما يعود به من الطريق إلى نفسه، وتلك مسؤولية قيادة تدرك أن بناء الوطن يبلغ تمام معناه حين يصل أثره إلى حياة الإنسان وكرامته.
وحين أعود فأستأنف يوماً مألوفاً في وطني، أجد هذه المعاني متآلفة في تفاصيله، أخرج من الصلاة إلى شؤون يومي، وأقضي حاجتي، وأعود إلى أهلي مطمئن النفس، وقد أحاطت بي نِعَمٌ لو تفرّقتْ لعرفت ثقل فقدها!، ومن الوفاء أن أنسب ما نشهده اليوم من رعاية لهذه النِعَم، وتطوير لأسباب العيش، وصيانة للأمن والقيم، إلى فضل الله أولاً، ثم إلى ولاة أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- وولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- إلى رؤيتهما وعزمهما وتوجيههما، وما ينهض تحت قيادتهما من عمل مؤسسات الدولة وجهود أبنائها، ففي تلك التفاصيل اليومية أثر من مسؤولية يحملانها، وبناء يقودانه، ومستقبل يعملان له، ومن هنا تجد محبتهما طريقها إلى قلوب الناس، موصولة بما يعيشونه ويرونه ويرجونه لوطنهم، حتى عذب على ألسنة الناس ذِكرهم، فاللهم احفظهما، وأطل عمريهما في طاعتك، ووفقهما وسددهما، وأدم محبتهما لشعبهما ومحبة شعبهما لهما، واحفظ لبلادنا توحيدها وأمنها ورخاءه.
** **
الأستاذ المساعد في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية