حذامي محجوب
هناك لحظات لا تحتاج إلى كثير من التأويل السياسي، ولا إلى البحث عن تفسيرات معقدة أو خلفيات متشابكة.
هناك أفعال لا يمكن وصفها إلا باسمها الحقيقي: عدوان إرهابي، وانتهاك صارخ للسيادة، وتهديد مباشر لحياة المدنيين، وتجاوز لكل القواعد الأخلاقية والقانونية.
ان هذه هي الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم أمام الاعتداءات الإرهابية التي تنفذها ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران ضد المملكة العربية السعودية.
لقد تجاوز الأمر كل الحدود عندما اتجهت مسيّرة حوثية نحو مكة المكرمة، قبل أن تتمكن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي من اعتراضها وتدميرها جنوب مكة وقبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.
هنا لا مكان للتردد في التوصيف.
إنه عدوان إرهابي سافر.
وإنه عدوان لا يستهدف المملكة العربية السعودية وحدها، بل يقترب من أقدس مقدسات المسلمين، ويعرض أمن المدنيين وضيوف الرحمن للخطر، ويمس مشاعر مئات الملايين من المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ومن هنا، فإن موقفي واضح لا لبس فيه: أعلن تضامني الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، وأدين بأشد العبارات هذه الاعتداءات الإرهابية الحوثية، وأرفض بصورة قاطعة كل محاولة لاستهداف أراضي المملكة أو مدنها أو منشآتها أو مواطنيها والمقيمين فيها وضيوفها.
السعودية ليست ساحة مفتوحة أمام جماعة إرهابية مسلحة.
مدنها ليست أهدافا مباحة.
منشآتها المدنية ليست أهدافًا مشروعة للإرهاب الحوثي.
وأمن مواطنيها والمقيمين فيها وضيوفها ليس مادة للابتزاز و للمساومة.
أما عندما تقترب الاعتداءات من مكة المكرمة والمدينة المنورة، فإن الخطر يبلغ مستوى آخر، لأننا لا نتحدث فقط عن مدينة أو موقع جغرافي، وإنما عن أقدس بقاع المسلمين.
مكة ليست مجرد مدينة.
والمدينة ليست مجرد جغرافيا.
مكة المكرمة فيها بيت الله الحرام، والمدينة المنورة فيها مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما موضعان تتجه إليهما قلوب كل المسلمين في جميع أنحاء العالم.
قال الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)، وقال سبحانه: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا).
فالأمن والأمان ليسا تفصيلًا هامشيًا في مكانة البيت الحرام، بل هما من صميم حرمته ومكانته.
ولهذا فإن الاقتراب من مكة المكرمة بالصواريخ أو المسيّرات ليس مجرد عدوان عسكري، بل هو انتهاك لحرمة مكان جعله الله مباركا مثابة للناس وأمنًا.
أي عقل يقبل أن تصبح مكة المكرمة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، في مرمى جماعة إرهابية مسلحة؟.
وأي منطق يمكن أن يبرر تعريض ضيوف الرحمن والمواطنين والمقيمين للخطر؟.
لا شيء.
فالاعتداء يبقى اعتداءً، والإرهاب يبقى إرهابًا، والسلاح لا يمنح صاحبه حقًا لا يملكه.
إن إرهاب جماعة الحوثي على المملكة ليست واقعة منفصلة عن نهج طويل من استهداف المدن والمنشآت والأعيان المدنية، وتهديد أمن الملاحة والتجارة الدولية.
وفي الأيام الأخيرة، تواصلت الهجمات الحوثية بالصواريخ والمسيّرات على مواقع داخل المملكة، وأعلنت السلطات السعودية وقوع إصابات وأضرار نتيجة تلك الاعتداءات، بينما أسفرت شظايا مسيّرة اعترضتها الدفاعات السعودية في منطقة الطائف عن وفاة شخص، وفق ما نقلته رويترز في 17 سبتمبر 2026.
لكن أخطر ما في هذا التصعيد ليس فقط عدد الصواريخ والمسيّرات، ولا الأماكن التي حاولت الوصول إليها.
الخطر الحقيقي هو أن جماعة إرهابية مسلحة تتعامل مع أراضي دولة ذات سيادة وكأن من حقها أن تطلق عليها الصواريخ والمسيّرات متى شاءت.
الخطر هو أن تتحول حياة المدنيين إلى هدف. الخطر هو أن يصبح الإرهاب وسيلة لفرض الإرادة.
والخطر الأكبر أن تمتد يد الإرهاب إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
إن محاولة الاقتراب من مكة المكرمة ليست مجرد تجاوز لحدود جغرافية، بل تجاوز لحدود في الضمير الإسلامي والإنساني.
ولهذا جاءت الإدانات العربية والإسلامية واسعة وواضحة.
وهنا يجب أن تكون الحقيقة واضحة أيضًا:
الحوثيون لا يمثلون اليمن. اليمن ليس ميليشيا إرهابية.
اليمن له حكومة شرعية.
اليمن ليس طائرة مسيّرة.
واليمن ليس جماعة إرهابية مسلحة تفرض إرادتها بالعنف.
اليمن شعب عربي عريق، ووطن له تاريخه وحضارته ومكانته، ولا يجوز اختزاله في ميليشيا إرهابية مدعومة من إيران.
الاعتداءات الحوثية مُدانة من الحكومة اليمنية الشرعية وهي الوحيدة التي تعبر عن إرادة اليمن أي عن موقف الشعب اليمني.
الشعب اليمني شيء، والميليشيا الإرهابية الحوثية شيء آخر.
والدولة اليمنية شيء، والجماعة الإرهابية الحوثية التي اختطفت قرارًا وأرادت فرضه بقوة السلاح شيء آخر.
ولهذا فإن إدانة الإرهاب الحوثي لا يمكن أن تكون إدانة لليمن، بل هي رفض واضح لمحاولة اختطاف اليمن وتحويل أرضه إلىمنصة للاعتداء على الآخرين.
نحن أمام جماعة إرهابية مسلحة تنفذ اعتداءات عابرة للحدود، وتحظى بدعم إيراني، وتستخدم الصواريخ والمسيّرات لاستهداف دولة ذات سيادة ومدنها ومنشآتها وسكانها.
وهذا هو جوهر القضية.
الدولة تبقى دولة.
والميليشيا تبقى ميليشيا.
والإرهاب يبقى إرهابًا.
والمملكة العربية السعودية تمارس حقها في حماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها وضيوفها، وفي حماية الحرمين الشريفين من أي تهديد.
وقد أكدت المملكة صراحة حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن وجميع أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها.
وهذا حق لا يحتاج إلى تبرير طويل.
فكل دولة ذات سيادة تملك الحق في حماية حدودها وشعبها وأراضيها.
فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمكة المكرمة والمدينة المنورة؟.
وكيف إذا كان المعتدي جماعة إرهابية مسلحة لا تملك اي حق سياديا في إطلاق النار على دولة أخرى ؟
إن التضامن مع المملكة العربية السعودية في مواجهة هذه الاعتداءات الإرهابية ليس موقفًا عابرًا، بل هو موقف مبدئي يقوم على احترام سيادة الدول، ورفض الإرهاب، وحماية المدنيين، وصون حرمة المقدسات.
وأمن المملكة ليس موضوعًا للمساومة.
وأمن الحرمين الشريفين ليس مجالًا للمساومة.
وحياة المدنيين ليست ورقة ضغط.
وحرمة مكة المكرمة ليست تفصيلًا في حسابات جماعة مسلحة.
والمدينة المنورة ليست هدفًا يمكن أن تقترب منه المسيّرات والصواريخ.
ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يكتفي في كل مرة ببيان إدانة جديد، ثم ينتظر العدوان التالي.
إن تكرار الاعتداءات يفرض موقفًا أكثر حزمًا في مواجهة الجماعة الإرهابية التي تنفذها، وفي مواجهة مصادر الدعم التي تمكنها من امتلاك الصواريخ والمسيّرات والاستمرار في تهديد المدنيين.
لقد أثبتت التجربة أن التساهل مع الإرهاب لا يوقف الإرهاب.
وأن الصمت أمام الاعتداء لا يصنع أمنًا.
وأن الجماعات المسلحة لا يمكن أن تصبح فوق القانون لمجرد أنها تمتلك السلاح.
إن الرسالة التي يجب أن تكون واضحة لا تحتاج إلى قاموس سياسي طويل :
لا يجوز لجماعة إرهابية أن تستهدف المملكة العربية السعودية.
ولا يجوز أن تكون المدن والأعيان المدنية أهدافًا للإرهاب.
ولا يجوز أن يقترب السلاح من مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ولا يجوز أن يتحول أمن الملاحة الدولية إلى رهينة للجماعات المسلحة.
ولا يجوز أن يبقى العالم متفرجًا على اعتداءات متكررة تستهدف دولة ذات سيادة ومقدسات المسلمين.
إن مكة المكرمة ستظل قبلة المسلمين.
والمدينة المنورة ستظل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحرمان الشريفان سيظلّان موطنا للأمن والسكينة والعبادة.
أما الإرهاب الحوثي، مهما امتلك من صواريخ ومسيّرات، فلن يستطيع أن يمنح نفسه شرعية لا يملكها، ولن يحول اعتداءاته إلى حق، ولن يجعل من السلاح مصدرًا للشرعية.
لقد آن الأوان لكي تُسمى الأشياء بأسمائها:
إنها اعتداءات إرهابية تنفذها ميليشيا مسلحة مدعومة من إيران ضد المملكة العربية السعودية.
ومكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا ساحتين مفتوحتين للإرهاب.
والمدنيون ليسوا أهدافًا.
والدول ذات السيادة ليست مباحة.
والحرم الشريف ليس مجالًا للمغامرات العسكرية.
ومن هنا أقولها بوضوح:
إنني أقف مع المملكة العربية السعودية في مواجهة الإرهاب الحوثي، وأدين بأشد العبارات كل اعتداء يستهدف أراضيها أو مواطنيها أو المقيمين فيها أو ضيوفها أو منشآتها أو مقدساتها.
إن أمن المملكة حق.
وأمن الحرمين الشريفين حق.
وحماية المدنيين واجب.
ومواجهة الإرهاب مسؤولية.
أما الحوثيون، فعليهم أن يدركوا أن الصاروخ لا يصنع شرعية، والمسيّرة لا تصنع دولة، والإرهاب لا يصنع حقًا.
ومهما حاولت الميليشيا أن تختبئ خلف أي خطاب، فإن الحقيقة تبقى واحدة.
من يطلق السلاح على المدنيين ويقترب به من المقدسات يرتكب اعتداءً إرهابيًا. ومن يهدد مكة المكرمة يتجاوز خطًا لا يحق لأي جماعة مسلحة أن تقترب منه.
ومن هنا، فإن كلمة العالم الإسلامي يجب أن تكون واضحة وحاسمة:
كفى إرهابًا.
كفى استهدافًا للمدنيين.
كفى تهديدًا للمملكة.
وكفى اقترابًا من مكة والمدينة.
فالمقدسات ليست أهدافًا، والإنسان ليس هدفًا، والسيادة ليست مباحة، والإرهاب لا يمكن أن يصبح أمرًا عاديًا مهما تكرر.
مكة المكرمة ستبقى آمنة بإذن الله.
والمدينة المنورة ستبقى آمنة بإذن الله.
والحرم سيبقى حرمًا.
وستظل المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا، صاحبة الحق في حماية أرضها ومقدساتها وشعبها وضيوفها من كل اعتداء إرهابي.