محمد بن سالم بن علي جابر
في الثالث عشر من ديسمبر عام 1963م، نشرت صحيفة (الرأي العام) الحضرمية إعلانًا تخبر فيه قراءها في جدة بأنها وُفّقت إلى إيجاد موزّع لها، هو (المكتبة السعودية). يبدو الخبر شأنًا من شؤون توزيع الصحف، ثم تتسع دلالته حين نستعيده في اليوم الوطني السعودي: صحيفة تصل الحضارم بأخبار ديارهم، وهم يمضون في حياتهم وأعمالهم على الأرض السعودية. هنا تتجاور صلة بالجذور تحفظها الأخبار والرسائل، وصلة بموطن الإقامة تنمو بالمعايشة والعمل والجوار. ومن هذا التجاور أجد مدخلًا إلى (السعودية التي تسكننا)؛ فمع ذاكرة حضرموت، تتسع حياتنا لما نبنيه على أرض المملكة من علاقات وتجارب، ويغدو ما نرجوه لها من أمن وازدهار متصلًا بآمالنا في مستقبلنا ومستقبل أبنائنا.
وفي الأخبار التي حفظتها صحف (الطليعة) و(الرائد) و(الرأي العام) بين عامي 1959 و1967م، تحضر السعودية في جوانب متعددة من الحياة الحضرمية؛ فتتجاور أخبار المقيمين والطلبة والمدرسين، وتلتقي مبادرات المحسنين باهتمام المؤسسات. ويتابع القارئ شؤونًا تجري في جدة والرياض، وتصل آثارها إلى أسر ومدارس ومجتمعات في حضرموت، فتكتسب الأخبار قيمتها من اتصالها بحياة الناس.
ولعل التعليم أوضح ما يكشف عمق هذه الصلة. ففي عدد (الطليعة) الصادر في الرابع عشر من سبتمبر 1959م، كتب الناخبي عن مشاهداته في البلاد السعودية، وسجّل اهتمام الحضارم بالتعليم في ديارهم، في عبارة دالّة: (التعليم أولًا وقبل كل شيء. التعليم قبل البترول). وهي عبارة تُقدّم بناء الإنسان في ترتيب الأولويات، وتجعل المدرسة مشروعًا تجتمع حوله الهمم.
ويذكر التقرير مبادرات لآل بن محفوظ وآل بقشان وآل العمودي وغيرهم لإنشاء مدارس بحضرموت، وما صاحبها من حماسة وسعي وجمع للتبرعات. وتكشف هذه الأخبار كيف يتحول نجاح الإنسان في موطن إقامته إلى منفعة تتسع لآخرين، وتغدو صلته بجذوره باعثًا على العمل. وتظهر السعودية موطنًا لرجال وأعمال ومجالس حملت همّ التعليم، وخرجت منها مبادرات اتجه خيرها إلى مدن حضرموت وقراها.
وتتسع الصورة مع التعاون التعليمي؛ ففي الثاني والعشرين من مايو 1964م، نقلت (الرأي العام)، عن صحيفة (المدينة المنورة)، خبر مساعدات للوفد الثقافي الحضرمي، ونية وزارة المعارف السعودية زيادة المنح المخصصة لأبناء الجنوب إلى مائة منحة، منها خمس وخمسون لأبناء حضرموت، واستعدادها لتقديم المدرسين والخبراء والفنيين. وتكشف هذه الوعود ما حظي به التعليم من اهتمام، وما فتحته من رجاء أمام الطلبة وأسرهم.
وتكتسب الصلة وجهًا إنسانيًا في خبر نشرته (الرأي العام) في الحادي عشر من يناير 1965م، عن احتفاء نادي التلميذ بالمدرسة الأهلية بالمكلا بالبعثة التعليمية السعودية. فمشهد المدرسة وتلاميذها وهم يستقبلون المعلمين يتيح لنا تأمل ما تتركه المعرفة في الذاكرة، وما ينشأ حولها من تقدير للأشخاص والبلاد التي قدموا منها.
ويتواصل هذا العطاء إلى اليوم في مؤسسات حملت مسؤولية التعليم والتأهيل، وفي مقدمتها مؤسسة الصندوق الخيري للطلاب المتفوقين، بقيادة الدكتور عمر عبدالله بامحسون، ومؤسسة حضرموت للتنمية البشرية، بقيادة المهندس عبدالله أحمد بقشان، وبمساندة نخبة من الداعمين والمانحين. وتفتح جهودها آفاق الدراسة والتأهيل والابتعاث إلى الجامعات السعودية وغيرها من جامعات العالم، شاهدةً على رسوخ الإيمان بالتعليم طريقًا للنهوض، وعلى وفاء تتوارثه الأجيال وتعبّر عنه ببناء الإنسان. وللجامعات السعودية مكانها في هذه المسيرة، بما تتيحه من فرص لاكتساب المعرفة والخبرة؛ فتتجدد الصلة التي حفظت الصحف بعض أخبارها، ويستمر أثرها في أجيال تحمل العلم وذاكرة المكان الذي أتاح لها أن تنمو وتتعلم.
وحين أقرأ هذه الشواهد، أفهم صلتي بالسعودية في ضوء ما سبق تجربتي الفردية؛ فالذاكرة المكتوبة تكشف جذور معانٍ نعيشها، وتصل حاضرنا بخبرات من تقدّمنا. ويغدو الامتنان شعورًا تسنده المعرفة ويمنحه التاريخ عمقًا، ويأتي اليوم الوطني فرصة لتقدير أثر الدولة والاستقرار والمؤسسات في حياة الناس. فالتعليم يبني الإنسان، والعمل المثمر تسنده الثقة، والمبادرات النافعة تنمو بالتعاون؛ وهي معانٍ تدعونا إلى صونها والإسهام فيها، كلٌّ من موقعه وبقدر استطاعته.
وبوصفي حضرميًا مقيمًا في السعودية، أجد الوفاء للجذور متصلًا بالوفاء للمكان الذي تجري فيه حياتي؛ فلحضرموت منزلتها في الذاكرة والوجدان، وللسعودية صلة تتعمق بالمعايشة والمعرفة والمشاركة. وأرى أصدق تعبير عنها في إتقان العمل، واحترام النظام، وصيانة الأمانة، وحسن الجوار، والإسهام في الخير العام؛ فبذلك تأخذ المحبة صورتها العملية، ويصبح الامتنان خلقًا يوميًا.
في يوم السعودية الوطني، أعود إلى ذلك الإعلان الصغير، وأقرأ فيه رمزًا لوصلٍ حفظ ذاكرة الجذور، وأفسح للحياة أن تنمو في موطن الإقامة. وبين الخبر القديم وشعور المقيم اليوم يتضح معنى (السعودية التي تسكننا): تسكننا بتاريخ صلاتنا بها، وبما نعيشه على أرضها، وبما نرجوه لها من أمن وازدهار. وكل عام والسعودية وأهلها بخير، ونحن أقدر على ترجمة المحبة إلى وفاء وعمل.
** **
- مركز حضرموت للدراسات التاريخية