باسم سلامة القليطي
يظن كثير من الناس أن قوة الشخصية تعني الثبات على الرأي، بينما الحقيقة أن قوة الشخصية تعني الثبات على المبدأ، لا على الوسيلة. فالرأي قد يتغير حين تتغير المعطيات، والقرار قد يحتاج إلى مراجعة حين تكشف الأيام ما لم يكن ظاهراً، والطريق قد يستدعي تعديلاً إذا اتضح أنه لا يقود إلى الوجهة التي قصدناها. أما الإصرار على الخطأ لمجرد أنه قرار قديم، فليس قوة، بل صورة من صور العناد التي يدفع الإنسان ثمنها من عمره.
ولعل أخطر ما في الطريق الخطأ أنه لا يبدو خطأ في بدايته، بل يتحول مع الأيام إلى عادة، ثم إلى قناعة، ثم إلى جزء من الهوية، وعندها يصبح التراجع مؤلماً، لا لأن الحقيقة صعبة، بل لأن الإنسان يشعر أنه يتخلى عن جزء من نفسه، لذلك نجد من يبقى سنوات في عمل لا يحبه، أو يتمسك بأسلوب تربية أثبت فشله، أو يواصل عادة تستنزف صحته ووقته، لا لأنه مقتنع بها، وإنما لأنه اعتادها. ومن هنا كانت المراجعة من أشجع الأعمال الإنسانية؛ لأنها تتطلب أن ينتصر الإنسان للحقيقة، لا لكبريائه.
ولهذا لا أستغرب أن تكون كلمة «راجعت نفسي» من أثقل الكلمات على بعض الناس، مع أنها في الحقيقة من أجملها، فهي لا تعني أن الإنسان كان ضعيفاً، بل تعني أنه ما زال حياً من الداخل، قادراً على التعلم، مستعداً لأن يصبح أفضل مما كان عليه بالأمس. فالعقول الكبيرة لا تخجل من الاعتراف بأنها تعلّمت شيئاً جديداً، أما العقول الجامدة فتعتبر تغيير الرأي خسارة، ولو كان الثمن أن تبقى أسيرة أخطائها.
وتجسد قصة (ألفريد نوبل) هذا المعنى بصورة مدهشة. ففي عام 1888، توفي شقيقه (لودفيغ)، لكن إحدى الصحف الفرنسية أخطأت وظنت أن المتوفى هو ألفريد نفسه، فنشرت نعياً قاسياً وصفته فيه بـ«تاجر الموت». ولم يكن هذا الوصف بسبب شخصه، وإنما بسبب اختراعه للديناميت. فقد كان نوبل قد طوّر هذا الاختراع ليجعل أعمال التعدين وشق الأنفاق ومدّ السكك الحديدية أكثر أماناً وكفاءة، وأسهم اختراعه بالفعل في نهضة عمرانية وصناعية كبيرة. لكن البشر، كما يحدث مع كثير من الابتكارات، وجدوا له طريقاً آخر؛ إذ استُخدم أيضاً في الحروب وسفك الدماء، حتى غلب هذا الاستخدام على صورته في أذهان الناس، وأصبح اسمه عند بعضهم مرتبطاً بالدمار أكثر من البناء.
كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تهز أي إنسان. لم تكن المشكلة في خطأ الصحيفة، بل في السؤال الذي أيقظته: ماذا لو انتهت حياتي الآن؟ وبأي شيء سيتذكرني الناس؟ لم يُضِع نوبل سنواته المتبقية في الغضب من الصحيفة، ولا في كتابة المقالات للدفاع عن نفسه، بل اتخذ القرار الوحيد الذي يستطيع أن يغيّر النتيجة: أن يغيّر مسار الأثر الذي سيتركه. وبعد سنوات كتب وصيته الشهيرة، وخصص معظم ثروته لإنشاء جوائز سنوية تحمل اسمه، تُمنح لمن يقدّم للبشرية أعظم الإسهامات في الفيزياء والكيمياء والطب والأدب والسلام، لم يكن ذلك محاولة لمحو الماضي، فالماضي لا يُمحى، وإنما كان إضافة صفحة جديدة جعلت الناس يقرأون اسمه بطريقة مختلفة.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها لا تخص (ألفريد نوبل) وحده، بل تخص كل واحد منا، فنحن لا نحتاج إلى اختراع كبير حتى نراجع أنفسنا، ولا إلى صدمة بحجم قراءة نعيٍ كُتب بالخطأ. يكفي أن نتوقف بين حين وآخر ونسأل: هل ما أفعله اليوم يقرّبني من الإنسان الذي أريد أن أكونه؟ فكم من أب غيّر طريقة تعامله مع أبنائه، فتحولت أجواء بيته كلها، وكم من معلم غيّر أسلوبه، فغيّر حياة طلابه، وكم من موظف امتلك شجاعة الانتقال إلى عمل ينسجم مع رسالته. وكم من قارئ بدّل عادة القراءة السطحية بالتعلم العميق، فتبدلت نظرته إلى الحياة. ليست التحولات الكبرى دائماً صاخبة؛ فكثير منها يبدأ بقرار هادئ لا يسمع صداه إلا صاحبه، ثم يراه الجميع بعد سنوات في نتائج ذلك القرار.
ومن تأمل سير الناجحين وجد أن القاسم المشترك بينهم ليس أنهم لم يخطئوا، بل إنهم لم يقدسوا أخطاءهم، كانوا أسرع إلى مراجعة أنفسهم من غيرهم، وأكثر استعداداً لتغيير الوسائل إذا بقيت الغايات واضحة أمامهم، أما الذين تعثروا طويلاً، فكثيراً ما كان سبب تعثرهم أنهم اعتبروا الاعتراف بالخطأ هزيمة، مع أن الهزيمة الحقيقية هي أن يكتشف الإنسان الخطأ ثم يصر على البقاء فيه.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نختم به أعوامنا: ماذا أنجزت؟ بل: ماذا صححت؟ فما أكثر الإنجازات التي فقدت قيمتها لأنها بُنيت على أولويات مضطربة، وما أكثر النجاحات التي بدأت من مراجعة هادئة غيّرت الاتجاه في الوقت المناسب.
إن الإنسان لا يُعرَف فقط بما حقق، بل أيضاً بقدرته على مراجعة نفسه كلما احتاج إلى ذلك، وربما لهذا بقيت قصة ألفريد نوبل حيّة حتى اليوم؛ فهي لا تروي حكاية مخترع غيّر العالم فحسب، بل تروي حكاية إنسان أدرك في الوقت المناسب أن أعظم الاختراعات ليست تلك التي نصنعها بأيدينا، وإنما تلك التي نصنعها في داخلنا عندما نمتلك الشجاعة لتصحيح المسار.