محمد البهيدل
في دهاليز العلاقات البشرية وشعابها المعقدة، تبرز ظاهرة اجتماعية عاتية تترك جرحاً غائراً في النسيج الإنساني، وهي ظاهرة «نكران الجميل».
هذا السلوك المشين لا يقتصر على كونه مجرد نسيان عابر لمعروف، بل يتحول أحياناً إلى فعل هدمي متعمد، يمارسه بعضهم ببرود لافت حين تنتهي صلاحية المصالح التي جمعتهم بالآخرين، وكأن ارتباط الأمس كان عقداً مؤقتاً تسقطه مستجدات اليوم.
سيكولوجية العطاء و«أدلجة» الجحود
حين نتأمل جذور الفعل الإنساني، نجد أن العطاء الأصيل ينبع من سيكولوجية سوية، تتكئ على مبادئ التربية القويمة والشهامة الفطرية التي لا تنتظر ثمناً.
غير أن «الجاحد» لا يولد هكذا، بل إن الجحود في كثير من الأحيان صفة مكتسبة تخضع لما يمكن تسميته بـ «أدلجة التنكر».
وعلى ضوء «نظرية التنافر المعرفي» (Cognitive Dissonance) في علم النفس، نجد أن الشخص الجاحد يقع في مأزق أخلاقي حين يتذكر فضل الآخر عليه؛ وليهرب من شعور «الدونية» والامتنان، يعمد عقله الباطن إلى إعادة هندسة الوقائع واختلاق المبررات الوهمية، مقنعاً نفسه بأن الفضل لم يكن يوماً لصاحب الفضل، بل هو مجرد «حق مكتسب» أو «ضربة حظ».
وهنا تتجلى المفارقة الموجعة: فنحن لا نقدم الجميل لننتظر مقابلاً، ولكننا ننتظره كي لا نفقد إيماننا بنبل البشر.
عندما تحكم المادة وتسقط الأخلاق
(عدسة علم الاجتماع)
إذا ما أخذنا بعين الاعتبار «نظرية التبادل الاجتماعي» (Social Exchange Theory) التي تفسر العلاقات الإنسانية بمنطق التكلفة والعائد، سنرى كيف أن بعض المجتمعات الحديثة قد انزلقت نحو «اقتصاديات المصلحة».
ففي هذه البيئات التي تغلبت فيها لغة الأرقام على لغة القيم، تُقاس العلاقات بمعيار «الجدوى».
لذا، ينمو نكران الجميل فرخاً خبيثاً في التربة التي تكون فيها المنفعة هي المحرك الأوحد؛ وبمجرد أن تجف منابع النفع المادي أو الوظيفي، تذبل أوراق الوفاء سريعاً، ليتحول الصديق أو الشريك إلى غريب، بل وأحياناً إلى خصم يبرر لنفسه الجحود قسراً ليتخلص من ثقل المديونية الأخلاقية.
فخ «الاستحقاق النرجسي» وفراغ العدالة الوضعية
من أبرز ملامح الشخصية الجاحدة ما يصطلح عليه علمياً بـ«الاستحقاق النرجسي» (Narcissistic Entitlement)، حيث يعيش الفرد ومعه وهم أنه محور الكون، وأن الآخرين مسخرون لخدمته، مما يجعل تقديم الشكر أمراً ثقيلاً على كبريائه الزائف.
ومن أكثر مفارقات هذه الظاهرة إيلاماً بجانب ذلك، هو غياب أي إطار أو نص قانوني يُجرّم نكران الجميل، أو يحفظ الحقوق الأدبية والمعنوية لمن أفنى وقته أو جهده من باب المروءة وحفظ الود. القانون الرادع يحاسب على اختلاس الأموال والعقود المادية، لكنه يقف عاجزاً أمام «اختلاس المشاعر»، أو تحطيم الثقة، أو جحود المواقف المصيرية.
هذا الفراغ القانوني منح بعضهم مبرراً واهياً لارتداء عباءة «الذكاء الاجتماعي» والواقعية المصلحية.
رؤية علاجية: بين الحلول الجذرية والمؤقتة
لأن المشكلة عميقة وممتدة، فإن معالجتها لا تقتصر على جلد الذات أو الشكوى، بل تستوجب مقاربة واقعية تتوزع على مستويين:
أولاً: الحلول الجذرية (على مستوى البناء القيمي):
تكمن في إعادة إحياء المنظومة الأخلاقية وترسيخ مفهوم «حفظ الود» في النشء، وجعل الاعتراف بالفضل فضيلة مجتمعية لا تُساوم. وعلى الصعيد الشخصي، يتطلب الأمر تبني «ثقافة العطاء المجرد»؛ أي أن نحسن التماسًا للأجر والقيمة، لا تعلقاً بالأشخاص، لحماية النفس من صدمات التوقعات المرتفعة.
ثانياً: الحلول المؤقتة والعملية (على مستوى إدارة العلاقات):
تقتضي الحكمة في التعامل مع الشخصيات الجاحدة وضع «حدود صحية» واضحة وفقاً لمفهوم الذكاء العاطفي، والفصل الدقيق بين الجانب الإنساني والتعاملات المصلحية، مع ممارسة الابتعاد الواعي الهادئ دون صخب أو قطيعة مدمرة، وخفض سقف التوقعات البشرية إلى الحد الأدنى الذي يضمن سلامة الطبع واستقرار النفس.
خاتمة نافذة
في الأخير، إن نكران الجميل لا ينقص قط من قدر «المُحسن» ولا يخدش طهره، بل هو مرآة كاشفة لمعادن الناكرين وحدهم. وحين يضيع الجميل في زحام الذاكرة البشرية، يبقى محفوظاً في ميزان الحكمة الإلهية.
ويبقى الوفاء هو العملة النادرة والعملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها مهما تذبذبت بورصة المصالح وتغيرت الأهواء.
تذكر دائماً: الجميلُ لا يُنسى، إلا في ذاكرةِ أولئك الذين صغرت نفوسهم عن استيعاب نبل الآخرين، فالعطاءُ عنوانُ الأصليين، والجحودُ عنوانُ العابرين».