صالح الشادي
الشائعة ليست مجرد خبر عابر أو حديث مجلس، بل هي سلاح نفسي واجتماعي خطير، يتحرك في الفراغ، ويتغذى على القلق، ويستهدف العقول والقلوب قبل الحقائق. وهي معلومات غير محققة، تُنقل بسرعة، وتكتسب قوتها من تكرار الناس لها، لا من صحة مصدرها. ولهذا قيل: الشائعة تكبر كلما أعيدت، وتضعف كلما ووجهت بالحق.
وتظهر الشائعات لعدة أسباب، منها غياب المعلومة الرسمية أو تأخرها، فيملأ الناس الفراغ بالتخمينات، ومنها القلق والخوف، خاصة في الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية، ومنها الرغبة في التميز، إذ يريد بعض الناس أن يكونوا أول من ينقل «الخبر»، ومنها المصلحة والمكاسب، فقد تبثها جهات سياسية أو إعلامية أو تجارية لتحقيق هدف ما، ومنها ضعف الوعي الإعلامي وعدم التثبت من المصادر، ومنها سرعة وسائل التواصل التي تجعل الشائعة تنتشر في دقائق كالنار في الهشيم.
وللشائعات آثار خطيرة، فهي تزعزع الثقة بين الناس وبينهم وبين المؤسسات الرسمية، وتثير الذعر والهلع خاصة في الأسواق والأزمات، وتضر بسمعة الأفراد والجماعات، وتشق الصف الوطني أو الاجتماعي، وتربك القرار وتشغل الرأي العام بقضايا وهمية، وتحقق مكاسب للخصوم دون أن يطلقوا رصاصة واحدة.
وتنتشر الشائعة عندما يكون هناك فراغ معلوماتي، أو قلق جماعي، أو حدث كبير مثل حرب أو انتخابات أو كارثة أو أزمة اقتصادية، وتنتشر أكثر عندما يجد الناس من يصدقها ويرددها. وتنطفئ عندما تظهر الحقيقة، أو عندما تصدر الجهات الرسمية بياناً واضحاً ومقنعاً، أو عندما يفقد الناس الاهتمام بها، أو عندما ينشغل الرأي العام بحدث أكبر، كما تنطفئ إذا واجهها المجتمع بالوعي ورفض التداول. لكنها تعود إلى الظهور عند عودة القلق، أو عند وقوع حدث مشابه، أو في المناسبات السياسية الحساسة، أو عندما تجد جهات معينة مصلحة في إحيائها من جديد، وقد تعود بصيغة جديدة لكن بروح قديمة.
والأصل هو عدم تداول الشائعات، إلا في حدود التحذير منها أو تفنيدها، فكل من يردد الشائعة يمنحها عمراً جديداً، ويصبح جزءاً من سلسلة نقلها. لا تكن جسراً تعبر عليه الشائعة إلى عقول الآخرين، وإذا سمعت خبراً مريباً فاسأل: من قاله؟ وما مصدره؟ ولماذا ينتشر الآن؟ وما مصلحة من يروّجه؟
وغالباً ما يريد باثّ الشائعة التشويش على الرأي العام، وإرباك المؤسسات والقرارات، وإضعاف الثقة في الجهات الرسمية، وشق الصف وإثارة الفتنة، وإشغال الناس بقضايا وهمية عن القضايا الحقيقية، واختبار ردود الفعل ومعرفة مدى تماسك المجتمع، وبث اليأس أو الخوف لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.
ومواجهة الشائعات تحتاج إلى وعي جماعي ومسؤولية فردية، فأولاً التثبت قبل النقل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}، ثم الرجوع إلى الجهات الرسمية المختصة فهي المرجع الأول في الأزمات، وعدم إعادة نشر ما لا نعرف مصدره، وتفنيد الشائعة بالحقائق لا بالشائعات المضادة، والإبلاغ عن المحتوى الكاذب والمواقع التي تروّجه، وتعزيز الشفافية من طرف المؤسسات لأن المعلومة الصحيحة تقتل الشائعة، وعدم فتح أبواب مغلقة، أي لا تمنحوا الشائعة منصة، ولا تثيروا ملفات لا طائل تحتها، ولا تسمحوا للفضول أن يجرّكم إلى ما يضر.
وقد استُخدمت الشائعات عبر التاريخ في الحروب والحصار والانتخابات والصراعات السياسية، واستخدمها القدماء في المعارك لبث الرعب في صفوف الأعداء، واستخدمتها الدعاية الحديثة في الحربين العالميتين، ثم انتقلت إلى الإعلام ووسائل التواصل، وهي اليوم أسرع وأخطر لأنها تصل إلى ملايين الناس في لحظات.
وفي الختام، الشائعة نار، والوقود الذي يبقيها حية هو تداول الناس لها. لذلك ثقوا بالجهات الرسمية، ولا ترددوا فيما يبثه الكارهون لكم، خاصة في أزمنة القلق السياسي أو الحروب. لا تفتحوا أبواباً مغلقة، ولا تمنحوا الشائعة صوتاً. كونوا حرّاساً للكلمة، فإن الكلمة أمانة، والوعي درع، والحقيقة وحدها هي التي تحمي المجتمعات من الفتنة والانهيار.