د. سعاد الفهيد
اطمئنوا..
سينجلي هذا الكسوف بقاعدة «سيفضحه التحديث»!
لفتتني هذه العبارة في ثنايا منشورات فضلاء مهتمين في وسائل التواصل، محذرين من عواقب استخدامٍ قد يؤدي إلى طريق منحدرة لا تحمد عواقبها المستقبلية. هذه القاعدة تفيد أن المعرفة الزائفة لا تصمد أمام المراجعة والتدقيق، وأن ما يبدو متقنًا في ظاهره، ينكشف بتمحيصه بأداة عميقة وبسيطة!، ببساطة:
[تحدث بعلمك وانشره بأسلوبك وطبقه إن استطعت]!.
فالإنتاج العلمي الذي أُنجز بالاتكال التام على أدوات الذكاء الاصطناعي، دون فهم حقيقي لمحتواها، أو تحقق من مصادرها، أو إسهام فكري أصيل من صاحبها لا بركة فيه!
وهنا تبرز قضية تربوية تستحق التأمل: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لنرتقي بعقولنا،أم لنتباهى ونتعالم بإنجازات لا تقيس قدرتنا الفعلية؟
الذكاء الاصطناعي في جوهره أداة معرفية واعدة تولدت في سياق المجتمع المعرفي، تتيح فرصًا واسعة للبحث والتعلم والتحليل والإبداع، وتساعد المعلم والمتعلم على تجاوز كثير من العوائق، غير أن قيمته الحقيقية لا تتحقق بمجرد الحصول على إجابة سريعة أو إنتاج عمل متكامل الصياغة!، بل بقدر ما يضيفه إلى فهم الإنسان، ويعزز قدرته على التفكير والاستدلال واتخاذ القرار.
ومن هنا، فإن الاستخدام النافع للذكاء الاصطناعي لا يعني أن نُسند إليه مهمة التفكير نيابةً عنا، بل أن نستعين به لتوسيع آفاق تفكيرنا، ومراجعة أفكارنا، واكتشاف جوانب لننتبه إليها.
فالباحث الذي يوظف هذه الأدوات بوعي، يظل مسؤولًا عن صحة معلوماته، ودقة استنتاجاته، وأمانة توثيق مراجعه. والمتعلم الذي يستعين بها لفهم مفهوم غامض، أومناقشة فكرة، أو مراجعة إجابته، يختلف عن متعلم يكتفي بنقل المخرجات وتقديمها بوصفها تحصيلًا علميًا ينهيه ويتخلص منه.
والفرق بين الحالتين ليس في الأداة المستخدمة، بل في مقدار العقل الذي ظل حاضرًا أثناء استخدامها.
وتتأكد هذه المسؤولية في الميدان التربوي؛ إذ لا ينبغي أن ننشغل بجودة المنتج النهائي على حساب جودة التعلم الذي أنتجه. فالمنتج العلمي الذي لا يستطيع صاحبه مناقشة أفكاره، والتحقق من مراجعه، وتفسير نتائجه، يثير تساؤلات حول تحقق الهدف التعليمي، مهما بلغت جودة صياغته.
وهنا تعود عبارة «سيفضحه التحديث» لتذكّرنا بأن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بما نُقدّمه فحسب، بل بما نستطيع فهمه وتفسيره والدفاع عنه بالحجة والدليل.
إن التحدي التربوي اليوم ليس في منع الذكاء الاصطناعي، ولا -في المقابل- التسليم المطلق بمخرجاته، وإنما في بناء (وعي) يوجّه استخدامه نحو التعلم المسؤول، ويُنمّي مهارات التفكير الناقد، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى الذي يبدو مقنعًا دون أن يكون دقيقًا.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصنع لنا إجابة، لكن نحذر أن يصادر منا حق التفكير، أو يعيق مسؤولية التعلم، أو يخل بأمانة الإنجاز.
وفي النهاية، تبقى القاعدة التربوية: أن قيمة الإنجاز ليست في أن يبدو صاحبه عالمًا، بل في أن يكون قد تعلّم حقًا.
فما بُني على فهمٍ حقيقي صمد أمام تحدي التحديث، وما اقتصر على محاكاة المعرفة كشفه التمحيص.
نسأل الله علماً نافعاً وعملاً متقبلاً.
** **
- دكتوراه في أصول التربية ومؤلفة كتاب (المعلم الباحث)