سارا القرني
قد يبرد فنجان القهوة ونحن نبحث له عن زاوية جميلة، وقد تنتهي ضحكة عفوية قبل أن نطلب من أصحابها إعادتها للتصوير. تبدو المسألة بسيطة، مجرد صورة نحتفظ بها أو نشاركها، لكن السؤال الذي يستحق التوقف هو: متى أصبح توثيق اللحظة أهم من عيشها؟ ومتى صرنا نشعر أن الفرح الذي لم يره أحد ينقصه شيء؟
تخيّل أن تقضي يومًا جميلًا، ثم تعود إلى صورك منشغلًا بما ستنشره، وتراقب بعدها من شاهد ومن علّق ومن مرّ بصمت. هنا يمتد اليوم خارج حدود ما عشته؛ يصبح له امتحان آخر أمام الآخرين. وقد يكفي تفاعل أقل مما توقعت كي يتسلل الفتور إلى ذكرى كنت، قبل نشرها، راضيًا عنها تمامًا.
نحب أن يرانا الناس في أحسن أحوالنا، وهذا مفهوم. غير أن المحافظة على صورة سعيدة طوال الوقت قد تتحول إلى عمل مرهق. نختار ما يظهر، ونخفي ما لا يناسب المشهد، ثم ننسى أحيانًا أن من نتابعهم يفعلون الشيء نفسه. ننظر إلى رحلاتهم ونجاحاتهم وبيوتهم المرتبة، ونقارنها بيومنا كاملًا، بما فيه من تعب وفوضى وانتظار. هكذا نقسو على حياة نعرف تفاصيلها لأننا انبهرنا بلقطات لا نعرف ما خارج إطارها.
وقد يمتد ذلك إلى اختيارات صغيرة تبدو شخصية جدًا. نذهب إلى مكان لأنه سيبدو جميلًا في الصورة، ونشتري شيئًا لأن ظهوره سيقول عنا ما نحب أن يسمعه الناس. لا بأس بأن يعجبنا مكان صوّره أحد، أو أن تلهمنا تجربة غيرنا. ما يدعو إلى المراجعة هو أن نعجز عن معرفة ما نريده حين لا يكون هناك جمهور يشاهده. لو اختفت إمكانية النشر يومًا، فكم من اختياراتنا سيبقى كما هو؟
وفي العلاقات يصبح الأمر أكثر حساسية. قد ينشغل شخص بتصوير هدية تلقاها قبل أن يلتفت إلى من أهداها، وقد يعرف المتابعون تفاصيل مناسبة بينما يجلس أصحابها متجاورين، وكل منهم منشغل بشاشته. الصورة تحفظ الوجوه، لكنها لا تعوّض حديثًا لم نستمع إليه، ولا تمنح الجالس أمامنا شعورًا بأننا حاضرون معه. من حق من نحب أن ينال شيئًا من الاهتمام الذي نبذله لاختيار الكلمات تحت صورته.
ومع ذلك، لا أرى في مشاركة الفرح خطأ، ولا في إغلاق الحسابات حلًا يصلح للجميع. لهذه المساحات فضل في تقريب البعيد، وإظهار الموهبة، وفتح أبواب الرزق. المشكلة تبدأ حين يصبح النشر واجبًا حتى في أيام التعب، أو حين نشعر أننا مطالبون بتفسير غيابنا للناس. للإنسان حق في يوم عادي، لا ينجز فيه ما يثير الإعجاب، ولا يملك فيه حكاية تستحق العرض.
وربما تبدأ استعادة هذا الحق بتجربة صغيرة: أن نترك لحظة جميلة تمر دون تصوير، ونرى هل فقدت شيئًا من جمالها. أن نؤجل نشر خبر سعيد حتى نفرح به نحن أولًا. وأن نسأل أنفسنا، قبل شراء شيء أو الذهاب إلى مكان، إن كنا سنختاره لو لم يعلم به أحد. أسئلة بسيطة، لكنها قد تكشف مقدار المساحة التي منحناها لنظرات الآخرين داخل قراراتنا.
أخشى أن نتقن عرض حياتنا إلى درجة نفقد معها قدرتنا على الاستمتاع بما لا يصلح للعرض؛ جلسة هادئة، أو وجه متعب نحبه، أو بيت لا يبدو مثاليًا لكنه يريحنا. هذه التفاصيل لا تحتاج إلى تحسين صورتها كي تستحق مكانها في حياتنا.
وحين يبرد فنجان القهوة، لن تعيد إليه التعليقات دفئه. اشربه وأنت تستمتع به، وأصغِ إلى من يجلس أمامك. تستطيع أن تنشر الصورة لاحقًا؛ أما الحديث الذي فاتك، فقد لا يُعاد.