خالد الغيلاني
الحرية هذه الكلمة الفاتنة التي تسللت إلى الشعوب واستحوذت على شعورهم وأغرت أُممًا كثيرة بالانقلاب على الأوضاع السائدة، وإذا تأملت كلمة (الحَرُّ) و(الحُرُّ) تجدهما على نفس الهيئة والنسج مع اختلاف التشكيل، فكل حر يحمل حرارة في داخله وعنفواناً جارفاً، ولكن هذه الحرية تُفهم خطأً في كثير من الأحيان، فهيجل أحد الفلاسفة السلفيين كان يرى الحرية في نطاق الدولة، فتراه يقرر بوضوح تام أن النمط النبيل للوعي الذاتي يحصل في ارتباطه بالدولة، وأن أسمى واجب هو أن يكون الفرد عضوًا في الدولة في حال كونه على علم بمضمونها المطلق، متماهيًا معها في حالة اتحاد مع انفصامه عن مضمونه الخاص.. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه ويلح علينا في ظل هذا الانفتاح الكبير على المنصات الخوارزمية، هل ما زلنا أحرارًا هل نملك خيارتنا ونشكل ماهيتنا؟ هل نحن نختار فعلًا أم أن الخوارزميات هي التي تختار بدلًا عنا؟ فكما هو الأمر عند سارتر وكما يقول «الإنسان محكوم عليه بأن يكون حرًّا» وأن الوجود يسبق الماهية، فالإنسان لا يولد حاملًا هوية نهائية أو مصيراً محدداً بل يصنع نفسه من خلال أفعاله وقراراته، وهذه هي الوجودية الجميلة وهي أن تكون إنسانًا حقًّا بمعنى الكلمة وهي كما يرى سارتر مذهب إنسانوي، ولكنه في الوقت يحذر من سوء النية عندما نتقيد بالواقع أو الماضي، ونبرر لأنفسنا ما نحن عليه بأننا مجرد ضحية لظروف سابقة، أو نهرب من مواجهتنا لأنفسنا ونقرر أننا مجرد رقم بين الملايين ولن نغير من الأمر شيئًا.
إن المسألة التي يجب التنبه لها أنه في القديم كانت القيم محصورة في جماعات إقطاعية أو استقراطية جداً، فالأدباء والفلاسفة والحكماء كانوا هم مصدر المعرفة أو هم من يضعون الخطوط العريضة للمفاهيم الاجتماعية والأفكار المتناولة والناس من خلفهم سائرون، أما الآن فظهر ما يسمى بالمؤثرين وبالثقافة التي تبدأ من القاع لا من أعلى الهرم، حتى أصبحت اللايكات هي الشغل الشاغل على منصات التواصل الاجتماعي، ولذلك خرج نقاد كبار من أمثال الغذامي من يبرر لروايات تفتقد لأهم أساسيات العمل الروائي الجاد وذلك احتجاجًا بالشعبية التي حصلت عليها، وهذا ما أسميه بالقاع الهرمي الذي أصبح هو المعيار في كل عمل، وهو ما يعني أن الثقافة السائدة أو العامية أصبحت هي المحدد ولم تعد هناك معايير عالية، وهذا ما تفعله الخوارزميات الآن إنها تعطي حرية هائلة جدًا ولكنها في الوقت نفسه تسلبنا حريتنا وإرادتنا الحقة أو الواجب الأخلاقي كما هو عند كانط والذي ينبغي أن يعلم أن الانفتاح الهائل على كل شيء يسلبنا كل شيء، وهذا ما يقود إلى العدمية التي بشر بها نيتشه وهو الفراغ الهائل عندما ينعدم المركز ونتطاحن بعدها في فراغ هائل، فتصور حرية مطلقة أو مغفرة مطلقة أو مغفرة ما لا يغتفر كما يرى دريدا، هذه الإطلاقيات تناقض وجودنا وحقيقته. إن الانفتاح الهائل أو ما يدعو إليه بعض الساسة الأمريكيين ويسمونه بالفوضى الخلاقة هو ما نجده في عالم الخوارزميات المفتوح على كل شيء، إنه يعني الانقراض البشري.
يشير بيونغ تشول هان إلى أن السلطة على الإنسان تغيرت في هذا الوقت فلم تعد سلطة كلاسيكية تنبع من الخارج وتفرض عليه العمل والإنتاج في زمان ومكان محددين، فقديماً كانت تتشكل ذات الطاعة المحددة وهي ذات مقيدة بظروف معينة كما ذكرنا لا تتجاوزها، أما الآن مع غياب مفاهيم مثل لا يجب، ممنوع، احذر التي حل محلها: بإمكاني، أستطيع، يجب أن أنجح، يجب أن أحقق ومع كون هذه إيجابيات في ظاهرها لأنها تعني أن يكون الإنسان أكثر تحرَّرًا واستقلالًا.