د.عبدالله الفايز
هل ما زلنا، رغم ما حققته المملكة خلال العقود الأخيرة من تحول اقتصادي واجتماعي وعمراني وتعليمي وتقني كبير، نعيش تحت تأثير نوع من السيطرة الثقافية غير المباشرة التي تجعل بعض مظاهر الحياة الغربية معياراً للرقي والنجاح؟ وهل أصبحنا أحياناً نقلد نموذجاً للحياة دون أن نسأل أنفسنا: هل هو فعلاً النموذج الذي نريده؟ وهل ما نشتريه ونلبسه ونستخدمه ونفتخر به يعبر عن تقدمنا نحن، أم يعبر فقط عن قدرتنا على تقليد الآخرين؟ وهل وصلنا إلى المرحلة التي نستطيع فيها أن نميز بين الحضارة الحقيقية التي تقوم على العلم والمعرفة والإنتاج والتنظيم والابتكار، وبين بعض المظاهر الاستهلاكية التي نجحت الشركات العالمية في تقديمها بوصفها رموزاً للتميز والمكانة الاجتماعية؟
وربما أصبح من الضروري أن نعيد تعريف الإنسان الراقي في المجتمع السعودي، بحيث لا يكون تقييمه بما يلبس أو يقود من سيارة أو يضع في يده من ساعة أو يحمل من حقيبة، وإنما بما ينتج ويبتكر ويتعلم ويخدم مجتمعه ويساهم في بناء وطنه. وأطرح هذه الأسئلة من منظور سعودي تحديداً، لأن المملكة اليوم تمر بمرحلة تاريخية مختلفة تماماً عن المراحل التي مرت بها خلال القرن الماضي. ففي بدايات التنمية الحديثة كان من الطبيعي أن ننظر إلى الغرب باعتباره نموذجاً متقدماً في كثير من المجالات. كانت الفجوة كبيرة في التعليم والصناعة والتقنية والخدمات والبنية التحتية، ولذلك كان الاستفادة من التجارب العالمية واستيراد المنتجات والتقنيات والخبرات ضرورة تنموية وليست خياراً ثقافياً. كان من الطبيعي أن نشتري السيارات والأجهزة والملابس الأجنبية، وأن نستورد المعدات والخبرات التي لم تكن الصناعة الوطنية قادرة على إنتاجها. لكن المشكلة تبدأ عندما يستمر الاستيراد الاقتصادي بعد أن تتغير الحاجة إليه، ويتحول تدريجياً إلى استيراد ثقافي ونفسي، بحيث لا نشتري المنتج لأنه أفضل أو أكثر ملاءمة، وإنما لأننا نعتقد أن كونه أجنبياً، أو غربياً تحديداً، يجعله أفضل، أو لأن المجتمع أصبح يربط بعض العلامات الأجنبية بالمكانة الاجتماعية. وهنا ينبغي أن نكون أكثر دقة.
لا توجد مشكلة في أن يشتري الإنسان سيارة ألمانية إذا كانت تناسب احتياجاته، أو سيارة يابانية إذا وجد فيها الجودة والقيمة، أو هاتفاً أمريكياً أو كورياً إذا كان أكثر ملاءمة له، كما لا توجد مشكلة في شراء ساعة سويسرية إذا كان الإنسان يحبها ويستطيع تحمل ثمنها. هذه اختيارات شخصية مشروعة، وليست القضية في المنتج الأجنبي بحد ذاته. القضية تبدأ عندما يتحول المنتج أو العلامة التجارية إلى مقياس لقيمة الإنسان. فهل الإنسان الذي يملك ساعة بمئة ألف ريال أكثر رقياً من الإنسان الذي يملك ساعة بألف ريال؟ وهل الشخص الذي يحمل حقيبة تحمل اسماً عالمياً أكثر مكانة من الشخص الذي يحمل حقيبة صنعتها شركة سعودية؟ وهل المواطن الذي يقود سيارة بمليون ريال أكثر نجاحاً من المواطن الذي يقود سيارة عادية؟ وهل السفر إلى باريس أو لندن أو نيويورك يجعل الإنسان أكثر تحضراً من السفر إلى العلا أو أبها أو البحر الأحمر أو الدرعية؟ هذه الأسئلة ليست في حقيقتها عن الساعات والسيارات والحقائب والسفر، وإنما عن المعيار الذي نقيس به أنفسنا ونقيس به الآخرين.
لقد كانت المجتمعات السعودية قبل التحول الاقتصادي الحديث تعتمد بدرجات كبيرة على منظومة من القيم الاجتماعية التي لم تكن مرتبطة بالثروة الاستهلاكية. كان الإنسان يعرف من خلال أسرته وأخلاقه وشجاعته وكرمه ووفائه وصدقه وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على تحمل المسؤولية، وكان للضيف والجيران والأقارب ومساعدة المحتاج وحفظ العهد وإكرام الآخرين مكانة كبيرة في الحياة الاجتماعية. ولم تكن قيمة الإنسان مرتبطة بامتلاكه علامة تجارية عالمية.
ولا يعني استحضار هذه الصورة أن الماضي كان مثالياً أو أننا يجب أن نعود إليه؛ فقد كانت فيه أيضاً صعوبات وفقر وقلة تعليم ومحدودية في الخدمات والفرص. وما حققته المملكة الحديثة من تقدم في التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد والتقنية والمدن والخدمات إنجاز تاريخي لا يمكن إنكاره. لكن التحديث الاقتصادي لا ينبغي أن يعني التخلي عن المعايير الإنسانية والاجتماعية التي تجعل للإنسان قيمة تتجاوز ما يملك.
ومن هنا يأتي الفرق بين التحديث والتغريب. نحن نريد التحديث، ولا نريد بالضرورة التغريب. نريد التكنولوجيا، ولكن لا نريد أن تحدد التكنولوجيا ثقافتنا. نريد المدن الحديثة، ولكن نريد مدناً سعودية حديثة. نريد صناعة عالمية، ولكن نريد أن يكون للسعودية نصيب حقيقي في إنتاجها. نريد السياحة العالمية، ولكن نريد أن تصبح السعودية نفسها وجهة عالمية. نريد الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، ولكن نريد أن نكون من الذين يصنعونها ويطورونها ويضيفون إليها، وليس فقط من الذين يشترون خدماتها. ونريد الرفاهية، ولكن نريد رفاهية ناتجة عن اقتصاد منتج وقادر على خلق القيمة، وليس مجرد قدرة أكبر على الاستهلاك.
وهذه الفكرة تنسجم مع الاتجاه العام للتحول الوطني في المملكة، ولا سيما ما يرتبط بتنويع الاقتصاد، وزيادة المحتوى المحلي، وتطوير القطاعات غير النفطية، ودعم الصناعة والسياحة والثقافة والترفيه وتنمية القطاع الخاص. ولذلك فإن الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره موقفاً أخلاقياً ضد الاستهلاك أو موقفاً معادياً للمنتجات الأجنبية، بل باعتباره جزءاً من بناء اقتصاد وطني أكثر قدرة على إنتاج المعرفة والسلع والخدمات والعلامات التجارية التي تنافس عالمياً. فالمملكة اليوم تمتلك اقتصاداً كبيراً، وقاعدة استثمارية واسعة، وجيلاً متعلماً، وبنية تحتية حديثة، وشركات وطنية كبرى، وجامعات ومراكز بحث، ومشروعات ضخمة، وطموحات صناعية وتقنية وثقافية وسياحية واسعة، إضافة إلى تنوع جغرافي وثقافي وتراثي يمتد من نجد والحجاز إلى المنطقة الشرقية وعسير وجازان وتبوك وغيرها. وهذه العناصر مجتمعة تمنح المملكة فرصة للانتقال من مجرد سوق كبيرة للعلامات العالمية إلى دولة قادرة على بناء علامات وصناعات ومنتجات تصل إلى الأسواق العالمية.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: لماذا يشتري السعودي رولكس أو ديور أو لوي فيتون أو غيرها؟ فهذه في النهاية اختيارات شخصية. السؤال الأهم هو: لماذا لا تكون لدينا علامات سعودية تستطيع أن تنافس هذه العلامات في الجودة والتصميم والقيمة والانتشار؟ لماذا لا تكون لدينا علامة سعودية عالمية في الساعات، وأخرى في الأزياء والمجوهرات والحقائب والعطور والأثاث والتصميم والتقنية؟ ولماذا لا تصبح الشركات السعودية قادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية دون أن تحتاج إلى استعارة اسم أجنبي حتى يثق المستهلك بقيمتها؟ والمقصود هنا ليس تقليد الشركات العالمية، وإنما التعلم من نجاحها في بناء الجودة والتصميم والتسويق والهوية والملكية الفكرية، ثم تطوير نموذج سعودي مختلف يعبر عن شخصية المملكة وقدرتها الإبداعية. وهنا يمكن للثقافة السعودية أن تتحول من مجرد هوية نعتز بها إلى مصدر حقيقي للإبداع الاقتصادي. فالثقافة السعودية ليست ثقافة بسيطة يمكن اختزالها في رمز واحد، وإنما هي تنوع جغرافي وتاريخي وفني واجتماعي واسع. ويمكن لهذا التنوع أن يتحول إلى صناعة حديثة. فالزخارف النجدية يمكن أن تدخل في التصميم المعاصر، والأزياء الحديثة يمكن أن تستلهم من مناطق المملكة المختلفة، والحرف التقليدية يمكن أن تتحول إلى صناعات فاخرة، والعطور والمكونات المحلية والتقاليد العربية في الضيافة يمكن أن تتحول إلى منتجات عالمية، كما يمكن للعمارة السعودية أن تطور لغة تصميم حديثة تنافس عالمياً دون أن تفقد جذورها.
وهذا هو الفرق بين تقليد التراث وتطوير التراث. لسنا مطالبين بأن نلبس ملابس أجدادنا كما كانت قبل مئات السنين، وإنما يمكن أن نأخذ الروح التصميمية من تراثنا ونحولها إلى منتجات معاصرة يراها العالم فيتعرف من خلالها إلى الهوية السعودية. ولسنا مطالبين ببناء بيوت ومدن كما كانت تبنى في الماضي، وإنما يمكن أن نستفيد من مبادئ العمارة المحلية والمناخ والمواد والعلاقة بالمكان في بناء مدن حديثة مستدامة ومريحة وجميلة. ولسنا مطالبين بأن نعيش حياة الماضي، وإنما أن نأخذ أفضل ما في قيم الماضي ونضعه داخل حياة المستقبل. ومن هنا يمكن أن نفهم معنى الحداثة السعودية. فالحداثة السعودية لا ينبغي أن تكون نسخة من نيويورك أو لندن أو دبي أو سنغافورة. يمكننا أن نتعلم من جميع هذه التجارب وأن نأخذ أفضل ما أنتجته الحضارة الإنسانية، ولكننا في النهاية نستطيع أن نبني نموذجاً سعودياً له شخصيته الخاصة. فالمدينة السعودية الراقية ليست بالضرورة المدينة التي تشبه مدينة غربية، وإنما يمكن أن تكون المدينة التي تجمع أحدث ما توصل إليه العالم في التخطيط والتقنية والاستدامة وجودة الحياة، مع المحافظة على شخصية المكان ومناخه وثقافته وتاريخه واحتياجات سكانه.
وهذا المبدأ يرتبط بصورة مباشرة بمفهوم ونظرية الدولة الذكية، ليست مجرد دولة ومدن مليئة بالأجهزة والتقنيات، وإنما هي نظام عمراني واجتماعي واقتصادي وإنساني (مانسن) متكامل يستخدم التكنولوجيا لتحقيق أهداف المجتمع وتحسين جودة الحياة. ويمكن تطبيق المبدأ نفسه على الحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ فالمجتمع الحديث ليس المجتمع الذي يقلد مظاهر مجتمع آخر، وإنما المجتمع الذي يستخدم أحدث أدوات العصر لتحقيق أهدافه وقيمه الخاصة.
ولذلك فإن الاستقلال الحقيقي لا يعني رفض الغرب، وإنما الانتقال من التبعية في المعايير إلى الاستقلال في الاختيار. ولا ينبغي أن يكون معيار الاختيار هو جنسية المنتج أو اسم العلامة التجارية، وإنما الجودة والقيمة والسعر والأثر. وفي الوقت نفسه يجب أن يكون طموحنا أن يصبح المنتج السعودي أفضل فأفضل حتى ينافس في السوق المفتوحة على أساس الجودة وليس على أساس الشعارات. وعندما نتحدث عن المحتوى المحلي والصناعة والتوطين وتنمية القطاع الخاص، فإن الهدف الأعمق لا ينبغي أن يكون مجرد استبدال منتج مستورد بمنتج محلي، وإنما بناء منظومة إنتاج وطنية متكاملة. فالمنتج المحلي الحقيقي ليس مجرد منتج جرى تجميعه داخل المملكة، بل هو منظومة تشمل التصميم والبحث والتطوير والمواد والبرمجيات والهندسة والتصنيع والتسويق والملكية الفكرية والمهارات وسلاسل الإمداد. وإذا نجحنا في بناء هذه المنظومة، فسوف تتغير علاقتنا بالمنتجات الأجنبية بصورة طبيعية. لن نشتري المنتج الأجنبي لأننا نعتقد أنه أعلى منا، وإنما لأننا اخترناه في سوق عالمي مفتوح بعد مقارنة الجودة والقيمة والأداء.
وهنا نصل إلى جوهر فكرة الاستقلال الحضاري. الاستقلال الحضاري لا يعني الاكتفاء الذاتي الكامل، ولا يعني الانغلاق عن العالم، وإنما يعني القدرة على الاختيار دون شعور بالدونية. ليس مطلوباً من السعودي أن يرفض الساعة السويسرية حتى يثبت وطنيته، ولا أن يرفض السيارة الألمانية أو الهاتف الأمريكي أو الملابس الفرنسية. المطلوب ألا يعتقد أن هذه الأشياء تجعله إنساناً أفضل. وفي المقابل، ليس مطلوباً منه أن يشتري المنتج السعودي لمجرد أنه سعودي إذا كان أقل جودة.
المطلوب أن نرفع الجودة السعودية حتى يصبح اختيار المنتج السعودي قراراً طبيعياً يقوم على القيمة والمنافسة، لا على التضحية. ولذلك فإن مسؤولية تغيير ثقافة الاستهلاك لا تقع على المستهلك وحده. إذا أردنا ثقافة إنتاج، فعلينا أن نبني منظومة إنتاج وابتكار وتصميم وتسويق قادرة على تقديم منتجات تستحق أن يختارها الناس. لا يمكن أن نلوم المستهلك إذا وجد المنتج الأجنبي أكثر جودة أو ابتكاراً. وإذا أردنا أن يفتخر الجيل الجديد بالمنتج السعودي، فعلينا أن نقدم له منتجاً يستطيع بالفعل أن يفتخر به. فالمعركة الحقيقية ليست مع المستهلك، وإنما مع ضعف الإنتاج والابتكار والتصميم والعلامة التجارية عندما تكون موجودة.
وفي هذا السياق، تستطيع الجامعات السعودية أن تكون شريكاً أساسياً في هذا التحول. فجامعة المستقبل لا ينبغي أن يكون دورها إنتاج خريجين يبحثون فقط عن وظائف، وإنما إنتاج علماء ومهندسين ومصممين ومخترعين ورواد أعمال قادرين على إنتاج المعرفة والمنتجات والخدمات. وينبغي أن ترتبط الجامعات بالصناعة، وأن تتحول نتائج الأبحاث إلى تطبيقات ومنتجات، وأن تتحول الأفكار إلى ملكية فكرية وشركات ومشروعات، وأن يتحول الطالب من مجرد باحث عن وظيفة إلى إنسان قادر على صناعة الفرص وخلق القيمة. فما قيمة أن نملك جيلاً متعلماً إذا ظل هذا الجيل مستهلكاً لما ينتجه الآخرون؟ السؤال الأعمق هو: هل نريد جيلاً يستطيع شراء العالم، أم جيلاً يستطيع أن يصنع شيئاً يريده العالم؟ ومن هنا يجب أن تبدأ إعادة تعريف الرقي من المدرسة والأسرة والإعلام والجامعة. ينبغي أن يتعلم الطفل أن المجتمع لا يحظى بالاحترام لأنه يستهلك أكثر، وإنما لأنه ينتج ويبتكر ويضيف. فالإنسان لا يصبح أقل قيمة لأنه يرتدي ملابس غير مشهورة، ولا يصبح أكثر قيمة لأنه يحمل علامة مشهورة. كما ينبغي أن نعيد النظر في أثر وسائل التواصل الاجتماعي التي حولت في بعض جوانبها الحياة إلى معرض دائم للاستهلاك والاستعراض: ساعة جديدة، سيارة جديدة، مطعم جديد، رحلة جديدة، فندق جديد، حقيبة جديدة. وقد يجد الإنسان نفسه في سباق مستمر لإظهار ما يملك بدلاً من بناء ما يريد.
وهنا تظهر أسئلة أعمق: هل نعيش الحياة أم نصورها؟ هل نشتري لأننا نحتاج، أم لأن الآخرين يرون أننا اشترينا؟ هل نسافر لأننا نريد اكتشاف العالم، أم لأننا نريد نشر الصور؟ هل نقتني الأشياء لأنها جميلة ومفيدة لنا، أم لأنها تمنحنا مكانة اجتماعية مؤقتة؟ هذه أسئلة شخصية في ظاهرها، لكنها تحمل آثاراً اقتصادية وثقافية أيضاً. فالمجتمع الذي يوجه جزءاً كبيراً من موارده إلى الاستهلاك الاستعراضي يستهلك موارده دون أن يخلق بالضرورة قيمة موازية، بينما المجتمع الذي يستثمر في التعليم والبحث والصناعة والمشروعات والابتكار يعيد تدوير جزء أكبر من موارده داخل اقتصاده ويخلق فرصاً وقيمة جديدة. وهنا يمكن للثقافة أن تتحول إلى اقتصاد، ويمكن للتراث أن يتحول إلى صناعة، ويمكن للهوية أن تتحول إلى علامة تجارية، ويمكن للإبداع أن يتحول إلى صادرات. فالسعودية تمتلك فرصة كبيرة في هذا المجال، خصوصاً مع اتساع الاهتمام بالقطاعات الثقافية والإبداعية والسياحية ضمن التحول الاقتصادي. لكن النجاح الحقيقي لا يكون في أن نستهلك الثقافة العالمية بصورة أكبر، وإنما في أن نصبح نحن أيضاً منتجين للثقافة التي يريد العالم أن يعرفها ويستهلكها. ويمكن أن نتخيل مستقبلاً تصبح فيه بعض المنتجات السعودية رموزاً عالمية لأنها تنافس في السوق العالمية بجودتها وإبداعها، إلى جانب حملها هوية سعودية واضحة: ساعة سعودية، عطر سعودي، تصميم سعودي، أزياء سعودية معاصرة، أثاث سعودي، مجوهرات سعودية، منتجات تقنية سعودية، أفلام وفنون وكتب وألعاب ومنتجات رقمية سعودية تصل إلى العالم.
وعندها لن يكون السعودي مضطراً إلى البحث دائماً عن العلامة الأجنبية لكي يشعر بالتميز، بل سيكون أمامه خيار آخر: أن يختار العلامة السعودية لأنها تقدم قيمة عالمية وهوية سعودية في الوقت نفسه. وهذا، في رأيي، أعمق بكثير من مجرد مقاطعة منتج أو رفض علامة تجارية. نحن لا نريد أن نحارب الغرب، وإنما نريد أن ننافسه. ولا نريد أن نرفض الحضارة العالمية، وإنما نريد أن نساهم فيها. ولا نريد أن نغلق السوق السعودية، وإنما نريد أن نفتح الأسواق العالمية أمام المنتجات السعودية. ولا نريد العودة إلى الماضي، وإنما نريد أن نبني المستقبل بجذور سعودية. وقد تكون هذه هي الفرصة الحقيقية لإعادة تعريف معنى الحياة السعودية الحديثة. فالإنسان السعودي يستطيع أن يعيش في مدينة ذكية، ويستخدم الذكاء الاصطناعي، ويقود سيارة كهربائية، ويعمل في الاقتصاد الرقمي، ويتعامل مع أحدث التقنيات، ويسافر حول العالم، ويعيش مستوى عالياً من الرفاهية، وفي الوقت نفسه يظل سعودياً في ذوقه وقيمه وعلاقاته وتصميم بيته ومدينته ومنتجاته وثقافته. هذه ليست عودة إلى الماضي، وإنما إعادة بناء للمستقبل من الجذور.
ولذلك فإن السؤال الصحيح ربما ليس: متى نرفض المظاهر الغربية؟ لأن بعض هذه المظاهر قد يكون جميلاً ومفيداً ولا مشكلة فيه. السؤال الأصح هو: متى نرفض فكرة أن المظهر الغربي هو معيار الرقي؟ وأعتقد أن المملكة اليوم، بحكم التحولات التي تعيشها، تملك القدرة على الانتقال إلى مرحلة جديدة لا يكون فيها المواطن فخوراً فقط بقدرته على شراء أغلى المنتجات العالمية، وإنما بقدرة بلده على إنتاج منتجات عالمية. لا يكون النجاح فيها أن تمتلك أكثر، وإنما أن تضيف أكثر. ولا يكون الرقي فيها أن تشبه الآخر، وإنما أن تستطيع أن تكون نفسك دون أن تتخلف عن العصر. ولا يكون التقدم فيها هو حجم الاستهلاك، وإنما حجم المعرفة والإنتاج والابتكار. ولا يكون الانفتاح على العالم ذوباناً فيه، وإنما مشاركة فاعلة فيه. لقد تجاوزت السعودية، في رأيي، المرحلة التي كان السؤال فيها: كيف نصل إلى مستوى العالم؟ والسؤال الجديد الذي ينبغي أن يرافق المرحلة القادمة هو: ماذا سنضيف نحن إلى العالم؟ فإذا كنا نريد فعلاً بناء اقتصاد معرفي وصناعي وتقني وثقافي قوي، فعلينا أن نعيد النظر في مفهوم الرفاهية نفسه. فالرفاهية الحقيقية ليست فقط أن نتمكن من شراء منتج بمئات الآلاف، وإنما أن نمتلك اقتصاداً يستطيع إنتاج المنتج الذي يباع بمئات الآلاف، وأن نمتلك العقول التي تصممه، والمصانع التي تصنعه، والمهارات التي تطوره، والعلامة التجارية التي تجعله مطلوباً في الأسواق العالمية.
عندها ينتقل المجتمع من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج، ومن التقليد إلى الإبداع، ومن التبعية في الذوق إلى الاستقلال في الاختيار، ومن البحث عن هوية الآخرين إلى بناء هوية حديثة خاصة به. والحضارة لا تعني أن نرفض ما عند الآخرين، ولا أن نقلدهم في كل شيء، وإنما أن نأخذ من العالم أفضل ما لديه ثم نضيف إليه شيئاً من عندنا. وفي الحالة السعودية تحديداً، قد تكون المرحلة المقبلة مرحلة بناء حداثة سعودية لا تنفصل عن العالم ولكنها لا تذوب فيه؛ حداثة تستخدم أحدث التقنيات، وتبني أقوى المؤسسات، وتنتج المعرفة، وتطور الصناعة، وتدعم الإبداع، وتحافظ في الوقت نفسه على القيم والهوية والذاكرة الثقافية. وعندها لن تكون الساعة التي على معصم الإنسان هي التي تقول لنا من هو، ولن تكون السيارة أمام منزله هي التي تحدد مكانته، ولن تكون الحقيبة التي يحملها معياراً لرقيه. سيكون السؤال: ماذا يعرف؟ ماذا ينتج؟ ماذا يبتكر؟ ماذا يقدم؟ وماذا أضاف إلى وطنه وإلى العالم؟ وعندما يصبح هذا هو معيار الرقي في المجتمع السعودي، نكون قد بدأنا بالفعل مرحلة جديدة؛ مرحلة لا نرفض فيها الغرب ولا نقلده، وإنما ننافسه ونشارك معه ونضيف إليه، ونحن نعرف تماماً من نحن. الحضارة الحقيقية أن نمتلك القدرة على أن نكون أنفسنا ونحن في قمة الحداثة.