«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في الدرعية، حيث تتقاطع ذاكرة المكان مع بدايات الدولة، اختارت الأميرة سُرى بنت سعود بن سعد آل سعود أن تبدأ مشروعًا ثقافيًا يتجاوز حدود العاصمة، بإطلاق «كتاب الرياض»، أول إصدارات «مجموعة سُرى»، التي تسعى إلى تقديم مناطق المملكة وثقافاتها وإرثها من خلال الكتاب المصوّر والسرد البصري.
ويأتي الكتاب بوصفه أكثر من إصدار عن مدينة؛ فهو محاولة لإعادة قراءة الرياض عبر طبقاتها المتعددة: تاريخها وعمارتها وفنونها وأطعمتها وعاداتها وتجاربها، وصولًا إلى صورتها الحديثة بوصفها عاصمة تتسارع فيها التحولات الثقافية والاقتصادية والعمرانية.وأُطلق الكتاب في ساحة الزلال بالدرعية مساء 19 سبتمبر 2026، خلال فعالية مزجت التجارب البصرية المستوحاة من محتواه بالأنشطة التفاعلية والثقافية والفنية، لتحويل الكتاب من صفحات مقروءة إلى تجربة حيّة يتفاعل معها الزائر.
سُرى بنت سعود.. كتاب يبدأ من حب المكان
تقف الأميرة سُرى بنت سعود خلف المشروع بوصفها صاحبة الفكرة والرؤية، وتقول: إن «مجموعة سُرى» وُلدت من حب عميق للوطن، ورغبة في التقاط جوهر المملكة ومشاركته مع العالم؛ من مناظرها ونكهاتها وتاريخها إلى أهلها وكرمهم وتنوعها الثقافي.
وبدأت فكرة السلسلة عام 2022، واستغرق تطويرها وقتًا لجمع عناصرها من الفكرة والتصميم إلى السرد. وترى الأميرة سُرى أن الكتاب وسيلة لتقديم الثقافة السعودية بصورة سلسة ومبتكرة، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لاكتشاف وطنها عبر الحكاية والصورة والتجربة، بدل الاقتصار على المعلومات المجردة.
وكانت الرياض، في تصورها، البداية الطبيعية؛ فهي قلب المملكة، وفيها تلتقي التقاليد بالابتكار، وتتجاور الذاكرة التاريخية مع مظاهر المدينة الحديثة، ولهذا تصف الكتاب بأنه رسالة حب وفخر بالعاصمة، تستحضر صفحاته مناظرها الطبيعية ونكهاتها الأصيلة وتاريخها وأهلها وكرمهم، بما يجعلها تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، لا مجرد مجموعة من المعالم.
«الرياض».. مدينة لا تختصرها صورة واحدة
يختار الكتاب أن يضع التاريخ والحداثة داخل صورة واحدة للمدينة؛ فيبدأ من الدرعية وقصر المصمك، ويمتد إلى برج المملكة وبرج الفيصلية، والأسواق التقليدية والأطعمة الشعبية والفنون والتقاليد والتجارب الصحراوية، وصولًا إلى الرياض بوصفها مركزًا للأعمال والتقنية والمؤتمرات.
وتجمع تجربته بين السرد والرسوم التوضيحية والتصميم الإبداعي، في رحلة لإعادة اكتشاف جوهر الرياض وثقافتها ونكهاتها وروحها وموقعها في ماضي المملكة وحاضرها ومستقبلها.
وبذلك تتحول المعالم من أسماء في دليل إلى عناصر داخل حكاية أكبر؛ فالدرعية تستحضر الجذور، والمصمك الذاكرة الوطنية، والأبراج التحول العمراني، فيما يحمل الطعام والحرفة والفن الشعبي تفاصيل الحياة اليومية التي تمنح المكان هويته الإنسانية.
من الدليل السياحي إلى الذاكرة الثقافية
يتجاوز «كتاب الرياض» وظيفة دليل المدن التقليدي؛ فهو كتاب مصوّر فاخر يجمع الرسوم اليدوية والسرد والتصميم، مع عناصر تعليمية وتفاعلية تستهدف الأطفال والأجيال الجديدة، إلى جانب العائلات والمهتمين بالثقافة والتراث وهواة الاقتناء.
وتقوم فلسفة المشروع على تقديم التراث باللغة التي تستطيع الأجيال الجديدة التفاعل معها؛ فتتجاور الصورة والحكاية والمعلومة والتجربة، ويتحول الطعام إلى جزء من الذاكرة، والعمارة والأسواق والفنون الشعبية إلى عناصر في سردية أوسع عن المكان.
ومن هنا تتجاوز قيمة الكتاب وظيفته السياحية؛ إذ يمنح ابن المدينة مساحة لاستعادة ذاكرته، ويمنح الزائر مدخلًا لفهم المكان وثقافته قبل الاكتفاء برؤية معالمه.
الرياض بين الذاكرة والمستقبل
تكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في مدينة تتغير بوتيرة متسارعة. فالرياض التي يقدمها الكتاب ليست مدينة متوقفة عند الماضي، ولا مدينة حديثة منفصلة عن جذورها، بل مدينة تتحرك بين الاثنين؛ يصبح فيها التراث مادة حيّة قابلة لإعادة السرد، لا ماضيًا محفوظًا خلف الزجاج.
ومن الدرعية والمصمك تستعيد العاصمة جانبًا من ذاكرتها، ومن أبراجها ومشهدها الحضري تستشرف صورتها المقبلة، بينما تؤدي الثقافة دور الجسر الذي يمنح المدينة استمراريتها.
وفي هذا المعنى، يطرح الكتاب فكرة أعمق: كلما تسارعت حركة المدينة، ازدادت حاجتها إلى لغة تحفظ ذاكرتها وهي تمضي نحو المستقبل.
«لكل رحلة بداية».. والرياض هي البداية
اختارت «مجموعة سُرى» أن تبدأ من الرياض قبل أن تمتد إلى بقية مناطق المملكة. وتشير وثائق المشروع إلى سلسلة تغطي المناطق الـ13 للمملكة، بما يعكس فلسفة تقوم على أن المملكة لا تُقدَّم من خلال صورة واحدة، بل عبر تعدد بيئاتها وثقافاتها المحلية وتاريخها وتقاليدها وحكاياتها.
ومن سواحل البحر الأحمر إلى نجد وعسير وغيرها، يفتح المشروع المجال أمام سرديات محلية تصل إلى القارئ عبر الصورة والحكاية والتصميم.
وبذلك يمثل «كتاب الرياض» بداية مشروع أوسع لإعادة اكتشاف المملكة منطقةً منطقة، لا باعتبارها جغرافيا متجاورة فحسب، بل تنوعًا ثقافيًا تتكامل عناصره داخل هوية وطنية واحدة.
الأميرة سُرى.. الإبداع والعمل المجتمعي والهوية
يرتبط اهتمام الأميرة سُرى بالمكان والثقافة بمسارها في ريادة الأعمال والمشروعات الإبداعية والعمل الاجتماعي، إلى جانب اهتمامها بالهوية السعودية وما يتصل بها من تراث وثقافة ومكان.وتشغل منصب نائب رئيس مجلس أمناء مؤسسة «أحياها» للتنمية الإنسانية، كما تحمل خلفية أكاديمية في علم النفس، ويظهر في مشروعها الثقافي اهتمام بتقديم المعرفة والتراث بأسلوب يصل إلى الأجيال الجديدة، بما يجعل «كتاب الرياض» جزءًا من رؤية تتقاطع فيها الثقافة مع التعليم والتجربة البصرية والهوية.
ماذا يحمل الكتاب بين صفحاته؟
يتنقل «كتاب الرياض» بين التاريخ والحياة اليومية والتجربة المعاصرة؛ فتحضر الدرعية والمصمك بوصفهما من أبرز رموز ذاكرة العاصمة وتاريخ المملكة، فيما يعكس برج المملكة وبرج الفيصلية التحول العمراني الحديث.
وتظهر الحياة الثقافية والاجتماعية من خلال الأسواق والتقاليد والأطعمة المحلية، ومنها الحنيني والمراصيع والمرقوق، إلى جانب الضيافة والعادات والتجارب الصحراوية. كما يحضر البعد الجغرافي والتجريبي من خلال مواقع مثل حافة العالم.وهكذا يجمع الكتاب بين المكان بوصفه ذاكرة، والمكان بوصفه تجربة، والمكان بوصفه امتدادًا للمستقبل.
كتاب للأجيال.. ورسالة إلى العالم
منذ البداية، ارتبط المشروع برغبة الأميرة سُرى في الوصول إلى القارئ خارج المملكة، وتقديم الثقافة السعودية من خلال تفاصيل الحياة نفسها؛ أن يرى القارئ المكان، ويتعرف على طعامه، ويقرأ قصته، ويتأمل عاداته ويكتشف فنونه.وهنا تتحول الثقافة من «معلومة عن الآخر» إلى تجربة يمكن الاقتراب منها وتخيلها واستكشافها، فيما يمثل تركيز المشروع على الأطفال والأجيال الجديدة رهانًا على تقديم الهوية بلغة بصرية وحكائية أكثر قربًا من عالمهم.
حين تصبح المدينة حكاية
لا تكمن أهمية «كتاب الرياض» في عدد المعالم التي يضمها، بقدر ما تكمن في طريقته في جمع المكان والتاريخ والطعام والحرفة والفن والصورة والإنسان والتجربة داخل حكاية واحدة.
فالرياض التي يرسمها ليست مجرد عاصمة تتوسع عمرانيًا واقتصاديًا، وإنما مدينة تحمل ماضيها داخل حاضرها، وتستعين بذاكرتها وهي تتجه إلى المستقبل.
ومن قلب الدرعية، حيث تتقاطع ذاكرة الدولة مع حاضر الثقافة، تبدأ «مجموعة سُرى» رحلتها من الرياض؛ لا لتختصر العاصمة في كتاب، بل لتطرح فكرة أوسع: أن المدن، كلما تغيرت، أصبحت أكثر حاجة إلى أن تروي قصتها.
وهنا يتحول «كتاب الرياض» إلى محاولة لصناعة ذاكرة بصرية وسردية للمكان، وفتح نافذة على المملكة عبر الكلمة والصورة والحكاية والتجربة. أما المشروع الأكبر الذي تقوده الأميرة سُرى، فيتجه إلى بناء صورة متعددة للمملكة، لا تُروى من مركز واحد، وإنما من أمكنتها المتنوعة وذاكرتها المحلية وتفاصيلها الصغيرة التي تصنع، في مجموعها، الحكاية الكبرى.