زياد الجارد
في مقال سابق بعنوان «نحو رؤية وطنية للتأمين البحري»، تناولت أهمية أن تكون أدوات إدارة المخاطر جزءاً من منظومة سلاسل الإمداد، لا نشاطاً منفصلاً عنها. واليوم تأتي موافقة مجلس الوزراء على إنشاء «الوعاء السعودي لتأمين أخطار الحرب للبضائع والسفن» لتضيف خطوة استراتيجية مهمة إلى منظومة إدارة المخاطر، خصوصاً في وقت أصبحت فيه المخاطر أكثر تأثيراً في حركة التجارة والممرات البحرية.
فالممر البحري قد يبقى مفتوحاً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة استمرار التجارة عبره بالكفاءة نفسها. فإذا ارتفعت تقديرات المخاطر، أو تقلصت التغطيات التأمينية وانسحبت بعض الشركات من تغطية منطقة ما، قد ترتفع تكلفة العبور وقد تتجه بعض السفن إلى مسارات بديلة. وهنا يصبح التأمين جزءاً من استمرارية الطريق نفسه، فسلامة الممر وحدها لا تكفي إذا غابت الثقة في إمكانية تأمين الرحلة.
إن أهمية الوعاء السعودي تتجاوز توفير تغطية تأمينية إضافية، فهو يضيف إلى المنظومة اللوجستية أداة مهمة لاستمرار التجارة في أوقات الأزمات. فكما تحتاج التجارة إلى موانئ قادرة على استقبال السفن وممرات آمنة لعبورها، تحتاج أيضاً إلى قدرة تأمينية تحافظ على حركة السفن عندما ترتفع المخاطر وتتراجع التغطيات في الأسواق العالمية. وهنا يصبح التأمين جزءاً من جاهزية سلسلة الإمداد.
لقد بنينا الموانئ والطرق والمناطق اللوجستية، واليوم نضيف طبقة مختلفة إلى هذه المنظومة «البنية التحتية لإدارة المخاطر».
وإنشاء الوعاء يمكن أن يكون بداية لمسار أوسع، يفتح آفاقاً لتطوير قدرات محلية في قراءة المخاطر البحرية وتقييمها، وبناء معرفة متخصصة تدعم صناعة التأمين البحري وإعادة التأمين في المنطقة. فالقدرة على التعامل مع المخاطر تمتد إلى فهم طبيعتها وقراءة تحولاتها وبناء الخبرة اللازمة للتعامل معها.
ومن موقع المملكة بين البحر الأحمر والخليج العربي، والاستثمارات الكبيرة في الموانئ والخدمات اللوجستية التي تحظى باهتمام القيادة، يمكن أن يتطور هذا المسار إلى بناء مركز إقليمي للتأمين وإعادة التأمين وتقييم المخاطر البحرية، بما يعزز مكانة المملكة على خارطة التجارة العالمية، ويضيف إلى منظومتها اللوجستية أدوات تمتد من حركة التجارة إلى إدارة مخاطرها.