سلطان بن نايف الحربي
أكتب هذا الكلام بصِفَتي مواطنًا، وولي أمر، ومُعلماً مُتقاعدًا أمضى سنوات طويلة في خدمة التعليم، ويعرف جيدًا خصائص طلاب المرحلة الثانوية، ويزعم أنّه يمتلك ذاكرةً مليئةً بالفصول، والوجوه، والمواقف.
وأعرف ذلك من أحاديث الطلاب، ومِن ذلك التغير الذي يحدث لبعضهم عندما يصلون إلى السنة الأخيرة في التعليم العام، ومن أكثر ما يلفت النَّظر في الصَّف الثَّالث الثَّانوي أنَّ كثيرًا من الطلابِ يصلون إليه، وقد خفّت حماستهم للمدرسة، فبعضهم يتغيب كثيرًا، وبعضهم يحضر بجسده، وبعضهم يحسب متى ينتهي اليوم الدراسي.
من السهل أنْ يقول أحدهم: إنّ الطُّلاب لا يريدون الدِّراسة، ومن السهل أيضًا أن يقول آخر إنَّ هذا جيل لا يحب الدراسة أو إنهم طلاب مدللون. هذه إجابات قد تكون مريحةٌ للبعض؛ لأنها تُعفينا من السُّؤال الأصعب: ماذا فعلنا نحن بهذه السَّنة حتّى فقدت المدرسة جزءًا من معناها في عين الطالب وشغفه؟
لكنَّ المسألة أكبر من ذلك. فطالبُ الثَّانوية يعيش أكثرَ من عالمٍ في نفس الوقت، فهناك المدرسة بحصصها، وواجباتها، واختباراتها، وهناك القدرات، والتحصيلي، وأضيف إلى ذلك اختبارات اللغة الإنجليزية، وهناك الجامعة وشروطها، ونسبتها الموزونة، وهناك الأسرة الّتي تراقب كلَّ درجةٍ لأنها ترى فيها جزءًا من مستقبل ابنها.
وفي المنتصف يقف شاب في الثامنة عشرة يحاول أن يفهم المطلوب منه بالضبط. يذهب صباحًا إلى المدرسة، ثُمَّ يعود ليبدأ الاستعداد لاختبار يرى أنَّه قد يكون أكثر تأثيراً في مستقبله من كل ما فعله في المدرسة ذلك اليوم؛ بعده اختبار آخر، وربما دورة، ومنصة، ونماذج تجريبية، ومدرِّس للَّفظي، وآخر للكمي، وآخر للتحصيلي، ومقارنات لا تنتهي؛ حتّى أصبحت سنة دراسيَّة واحدة تحيط بها صناعةٌ كاملةٌ يدفع ثمنها الطالب من وقته، وتدفع الأسرة ثمنها مالًا.
مع الوقت يتغير السؤال، فبدلاً من أن يسأل الطالب: ماذا تعلمت؟ يبدأ يسأل: كم أحتاج حتى أُقبل؟
وهذا التحول يستحق أن يقلقنا؛ لأنَّ التَّعليم عندما يفقد علاقته بالمعنى، ويتحول في وعي الطالب إلى سلسلة من بوابات العبور يُصبح همُّه أنْ يجتاز المرحلة فقط، ولا يعد يفكر كيف يبني نفسه؟
وحتى لا يقال: إنَّ هذا مجرد انطباع لمعلمين، وأولياء أمور قلقين على أبنائهم، فإنني أرتكز على دراسات أكاديمية تقول: إنَّ المسألة قطعًا تستحق أنْ تؤخذ بجديَّة أكبر.
ففي دراسة سعودية منشورة عام 2023م شملت «702» طالب من طلاب المرحلة الثانوية، وكان نحو 71 في المائة من المشاركين فيها من طلاب الصف الثالث الثانوي أظهرت نتائجها وجود أعراض القلق لدى 35.2 في المائة من الطلاب، وأعراض الاكتئاب لدى 30.8 في المائة والضغط النفسي لدى 14.7 في المائة هذه أرقام تشير إلى نسب لا ينبغي تجاهلها في هذه المرحلة العمرية بالذَّات.
كذلك في دراسة أخرى نشرت عام 2024م شملت «324» طالباً من المرحلة الثانوية في أبها، كشفت نتائجها أنَّ أكثر من نصف الطلاب كانت لديهم درجات ملحوظة من الضَّغط، وأنَّ 26.5 وقعوا في فئة الضَّغط الشَّديد، وكان من أبرز مصادر الضَّغط الَّتي سجلتها الدِّراسة «البيئة المدرسية، والتخطيط للمستقبل».
كما أجريت دراسة سعودية حديثة نشرت عام 2026م شملت «518» مراهقاً من مناطق مختلفة في المملكة كشفت نتائجها أنَّ الضغط الأكاديمي كان من العوامل المرتبطة بصورةٍ مستقلةٍ بالأعراض الاكتئابية، وأنَّ وجود الطالب في المرحلة الثانوية كان أيضا من العوامل المرتبطة بارتفاع احتمالات هذه الأعراض.
وفي أغسطس 2026م نُشرت دراسة أخرى سعودية أيضاً أجريت على «400» من طلاب وطالبات المدارس الحكومية كشفت نتائجها وجود أعراض القلق لدى 53.5 من العينة، وأعراض الاكتئاب لدى 39 في المائة، وأعراض الضغط لدى 38.3 في المائة.
وفي مراجعة منهجية منشورة في Journal of Adolescence عام 2023م جمعت «43» مقالة علمية تمثل «48» دراسة طوليَّة عن الإنهاك المدرسي لدى المراهقين، وخلصت نتائجها إلى أنَّ الإنهاك يرتبط لاحقاً بانخفاض الاندماج في المدرسة، وانخفاض الرِّضا عن الحياة، ومشكلات في تطور الهوية مع علاقة معقدة بالأعراض الاكتئابية.
وعطفاً على ما سبق، فإنَّه سيكون من الخطأ أن ننظر إلى النتائج الّتي خلصت إليها الدراسات السابق ذكرها، ثمَّ نستمر في التَّعامل مع الضَّغط النَّفسي لدى طالب الثانوية؛ وكأنَّه دلال زائد أو ضعف في الشخصيّة!
ومن موقعي كمعلم سابق، لا أحتاج إلى الدِّراسات كي أعرف أنَّ بعض طلاب هذه المرحلة قلقون ومرهقون؛ فقد رأيت ذلك في المدرسة من خلال ملاحظاتي الميدانية؛ لكنَّ الدِّراسَات مهمةٌ؛ لأنَّها تمنع تجربتي الشخصية من أن تتحول إلى تعميم للنتائج، فأنا أرى مشهدًا من الميدان، وواجبي يحتِّم عليَّ نقل شهادتي، كما أنَّ البحث العلمي أيضاً يؤيد ذلك، ويدعمه بالقول: إنَّ خلف هذا المشهد مؤشرات ينبغي أن يأخذها صانع القرار على محمل الجد.
وهنا ينبغي ألا نتأخر في دق ناقوس الخطر، فالمسألة قد تتجاوز الغياب، والملل وفقدان الشغف، وتراجع الحماس إلى ما هو أكثر حساسية، فنحن نتحدث عن مرحلة عمرية يكون فيها الشاب أكثر تعرضاً للقلق، والاضطرابات النفسية، وقد تمر بعض الأعراض أمام الأسرة والمدرسة على أنها كسل أو مزاج متقلب، أو رغبة في الهروب من الدراسة؛ بينما يكون الطالب بحاجة إلى من ينتبه إليه ويسمعه.
إنَّ الدراسات الَّتي سبقت الإشارة إليها تجعل التحذير أمرًا مشروعًا؛ إذ لا ينبغي أنْ تمر الأرقام أمامنا بوصفها شأنًا طبيًا بعيدًا عن المدرسة. الأخطر من ذلك أنَّ الأعراض النَّفسية قد تظهر في صورة انسحاب، أو اضطراب في النوم، أو فقدان للحماس، وبالتالي غياب متكرر أو تراجع مفاجئ في الأداء وشعور مستمر بأن المستقبل قد أغلق.
وفي زمنٍ تتوافر فيه أدوات تقنية تسمح بالتواصل المبكر، والاستبيانات المعيارية، والإحالة إلى المختصين لم يعد كافيًا أنْ ننتظر حتَّى تتفاقم المشكلة، ثم نسأل أنفسنا: كيف لم ننتبه؟
إنَّ دق ناقوس الخطر هنا لا يعني تهويل المشهد، ولا تحويل مدارسنا إلى عياداتٍ نفسيةٍ؛ معناه أنْ نتعامل مع الصِّحة النَّفسيَّة لطالب الثانوية بوصفها جزءًا من جودة التعليم نفسه، وأنْ تكون لدينا آلياتٌ واضحةٌ للاكتشاف المبكر، ومرشدون مؤهلون، وقنوات آمنة يستطيع الطالب من خلالها أن يقول إنّه متعب قبل أنْ يصبح تعبه أكبر من قدرته على القول.
وهنا تصبح مسؤولية وزارة التعليم أكبر من مسألة تسجيل الغياب، وملاحقة الطالب المتغيب وولي الأمر! لأنَّ الغياب قد يكون عَرَضًا، وإذا كان الطالب يشعر أنّ الأشياء الأكثر تأثيرًا في قبوله الجامعي تحدث خارج المدرسة، فعلينا أنْ نفهم لماذا أصبحت المدرسة أقلُّ وزنًا في حساباته؟
لا اعترض على الاختبارات، والجامعات تحتاج هي الأخرى إلى أدوات تفرِّق بها بين أعدادٍ كبيرةٍ من المتقدمين، ومن حقها أنْ تضع معايير تناسب برامجها؛ لكن المعيار نفسه يجب أنْ يبقى قابلاً للمراجعة، فلا يوجد اختبار مقدس، ولا صيغة قبول يجب أن تبقى للأبد لمجرد أننا اعتدنا عليها.
وعليه؛ فإنَّني لا أحمل وزير التعليم شخصيًا كل ما تراكم عبر سنوات، فالتَّعليم نظام كبير تشارك في تشكيله جهات، وقرارات، وتحولات كثيرة؛ لكنَّ المنصب العام يضع صاحبه أمام الأسئلة الَّتي لم تجد جوابها بعد، ومن حق المواطن أنْ يطرحها.
ماذا نريد من الصف الثالث الثانوي؟ هل نريده سنة تعليم حقيقية؟ أم سنة انتظار بين المدرسة والجامعة؟ وإذا كانت الَّسنة تعليمية، فلماذا يشعر بعض الطلاب أنَّ الجزء الحاسم من مستقبلهم يجري خارج الفصل؟
هذه الأسئلة هي ما ينبغي أنْ يسبق سؤال: لماذا يغيب الطالب؟
لأننا نستطيع أنْ نضع أنظمةً أكثر صرامةً للحضور، وقد ننجح في إبقاء جسد الطالب داخل المدرسة، لكنَّ بقاء العقل مسألة أخرى!
ومؤخراً قدّمت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن مثالاً يستحق التأمل والوقوف عنده والاقتداء به، ففي مسار القبول الأساسي لعام 2027 أصبحت الدرجة الموزونة للمنافسة على القبول موزعة بنسبة 50 في المائة لاختبار القدرات العامة و50 في المائة لاختبار تحصيلي خاص بالجامعة يقدَّم عن طريق مركز قياس، ولم تعد نسبة الثانوية جُزءًا من هذه الدرجة الموزونة في هذا المسار، وللدقة؛ فإنَّ الجامعة لم تقم بإِلغاء جميع المتطلبات؛ فما زالت هناك متطلبات للغة الإنجليزية وغيرها، كما أنَّ للجامعة مسارات قبول أخرى تختلف معاييرها لكن ما يهمنا هو المبدأ؛ فجامعة بحجم جامعة الملك فهد قالت عمليًا إنّ طريقة الاختيار يمكن إعادة تصميمها؛ إذ لم تتعامل مع معايير القبول وكأنها شيء ثابت إلى الأبد.
نستطيع أن نقول إنَّها فكرّت، وسألت نفسها السؤال الَّذي ينبغي على جميع جامعاتنا أنْ تسأله لنفسها أيضًا: ما الذي نريد قياسه في المتقدم إلينا؟
وفي ضوء ذلك قامت ببناء أداةٍ تناسب الإجابة الَّتي وصلت إليها، وقد نتفق مع النموذج الجديد أو نختلف في بعض تفاصيله، وقد تظهر بعد تطبيقه أمور تحتاج إلى مراجعة هذا أمر طبيعي ومفهوم؛ لكن الخطوة والمبادرة الَّتي قامت بها تفتح باباً مهماً جداً للنقاش.
فإذا كانت الجامعة تستطيع إعادة النَّظر في طريقة اختيار طلابها، فلماذا لا نعيد نحن النَّظر في الطَّريقة الَّتي يعيش بها الطالب سنته الأخيرة من مرحلة التعليم العام؟ لماذا لا يكون هناك تنسيق أعمق بين التعليم العام والجامعات يجعل السنة الأخيرة أكثر وضوحًا؟ ولماذا لا تصبح المدرسة نفسها جزءاً من استعداد الطالب لمستقبله بدل أنْ يضطر إلى بناء مدرسة موازية بعد الظهر؟
لقد رأينا أبناءنا في «آيسف» وفي المسابقات العلمية الدولية. رأينا الطالب السعودي حين يجد سؤالاً حقيقيًا يبحث فيه، ومشروعًا يعمل عليه، ومعلماً يرشده، ومساحة للتجربة يمارس فيها المحاولة والخطأ في تلك اللحظة سيظهر طالب مختلف، وقد يكون هذا الطالب نفسه الّذي يُرى صامتًا في حصة لا يعرف علاقتها بمستقبله، وهذا ما يجعلني أتحفّظُ كثيرًا على اتهام الجيل بأنَّه لا يريد أنْ يتعلم.
فالطالب يريد أنْ يتعلم؛ لكنه يريد أنْ يعرف لماذا يتعلم، وربما لا تكون المشكلة دائمًا في دافعية الطالب، ربما نحتاج نحن أيضًا إلى مراجعة قدرتنا على إعطائه معنى لما نطلبه منه.
نحتاج إلى مشروعٍ حقيقيٍّ للسَّنة الثَّالثة الثَّانوي. مشروع يبدأ مبكرًا بالتَّوجيه الجامعيِّ والمِهني، ويربط المدرسة بمساراتِ القبول، ويفتح مجالاً أكبر للمشروعات، والبحث، واكتشاف الميول، ويوفر إِرشاداً نفسيًا وأكاديميًا يتناسب مع حساسية المرحلة الَّتي يعيشها، ويقلل من حالة التشتت بين مدرسة في الصباح، ومدرسة موازية في المساء.
وانطلاقاً مما سبق، نتوجه بسؤال ينبغي أنْ يطرق أبواب وزارة التعليم:
كيف نجعل المدرسة مكاناً يشعر طالب الثالث الثانوي أن حضوره إليه يستحق وقته؟
هذا السؤال لم أطرحه أنا بل طرحه إِبني الَّذي يدرس في سنته الأخيرة في الثانوية عندما رأى أنَّ حضوره في أحد الأيام يمثِّل ثقلاً عليه فقال: «يا والدي بالله هذا جدول يستحق أنْ أذهب للمدرسة، وأمكث بها سبع ساعات، أريد أنْ أتغيب، وأشغل وقتي بالمذاكرة أفضل».
وإلى أنْ تجد الوزارة إجابةً جادّة عن هذا السؤال، حينها ربما يتغير الكثير؛ لأنِّ الرهان لا ينبغي أنْ يكون على أن يصل الطالب إلى الجامعة بأيِّ ثمنٍ.
الرِّهان الحقيقي هو أنْ يصل إليها بعد اثني عشر عاماً من التعليم، وهو ما زال يثقُ بنفسه، ويرى معنى فيما تعلم، وما زال يريد أنْ يتعلم!
المراجع:
- Alsaleem, S. A., Al-Qahtani, A. H., Al-Qahtani, E. H., الجزيرة AlKhaldi, Y. M. (2024). Stressors and coping strategies among secondary school male students in Abha City, Saudi Arabia. Frontiers in Psychology, 15, 1303721.
-Barnawi, M. M., Sonbaa, A. M., Barnawi, M. M., Alqahtani, A. H., الجزيرة Fairaq, B. A. (2023). Prevalence and determinants of depression, anxiety, and stress among secondary school students. Cureus, 15(8).
-Jabri, M. A., Elsubai, I., Alshanqiti, T., Alotaibi, N. M., Aljohani, M., Alhazmi, J., ... الجزيرة Alahmadi, A. S. (2026). Prevalence and risk factors of depression, anxiety, and stress among secondary school students in Abha city, Saudi Arabia. Frontiers in Psychiatry, 17, 1885953.
-Vansoeterstede, A., Cappe, E., Lichtle, J., الجزيرة Boujut, E. (2023). A systematic review of longitudinal changes in school burnout among adolescents: Trajectories, predictors, and outcomes. Journal of Adolescence, 95(2), 224-247.
-Hegazi, M. A., Abudawoud, D. H., Alahmadi, T. S., Alghamdi, W. A., Atwah, A. F., Almazrui, M. M., ... الجزيرة Al Hussain, B. A. (2026). Prevalence and factors associated with depressive symptoms among adolescents in Saudi Arabia after the COVID-19 pandemic: a cross-sectional study. Frontiers in Psychiatry, 17, 1878623.