أحمد آدم
بين معركة التضخم في الداخل وتأمين القطب الشمالي.. سيكولوجية التاجر السياسي في التغطية على تراجع الشرق الأوسط.
في فلسفة دونالد ترامب السياسية، لا تتطلب المعارك حسمًا عسكريًا ميدانيًا بقدر ما تتطلب مهارة عالية في «صناعة النصر الشكلي» والإخراج المسرحي لصفقات الخروج. ومع تحليق أسعار الوقود إلى مستويات قياسية واشتعال جبهة التضخم التي تهدد حظوظ الحزب الجمهوري في التجديد النصفي، يدرك رئيس «الصفقات» أن الاستمرار في أتون المواجهة الإيرانية سيكلفه عرشه الداخلي.
من هنا، لا يبدو الاندفاع الأخير نحو جرينلاند وتأمين القطب الشمالي والأمريكتين سوى «غطاء استراتيجي ذكي»؛ يتيح له إعلان شلّ القدرات الإيرانية وتعليق لافتة «المهمة أنجزت»، ليمهد لانسحاب ناعم من المستنقع الإيراني قبل أن تحترق شعبيته بفواتير الطاقة اليومية للمواطن الأمريكي.
أولاً: صفقة جرينلاند: تفكيك المبالغة الترامبية والحقيقة السيادية
أعلن ترامب بشكل مفاجئ توصله إلى اتفاق أمني مع الدنمارك يمنح واشنطن سيطرة دائمة على الأمن والمصالح الحيوية في جزيرة جرينلاند الاستراتيجية. وأكدت حكومتا الدنمارك وجرينلاند عزمهما توقيع الاتفاق الأسبوع المقبل على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. الخبر ليس مجرد دعاية انتخابية محضّة، بل هناك اتفاق حقيقي بالفعل، ولكن لغة الرئيس ترامب تضمنت مبالغة وتضخيماً كبيراً لأغراض سياسية واستعراضية مقارنة بالموقف الرسمي للدنمارك وجرينلاند.
1- تأكيد الدنمارك وجرينلاند: أصدرت رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، ورئيس حكومة جرينلاند، جينس فريدريك نيلسن، بيانات رسمية تؤكد التوصل إلى «إطار اتفاق أمني يعزز أمن القطب الشمالي والأطلسي». وأكدوا أن التوقيع الرسمي سيكون الأسبوع المقبل في نيويورك.
* السيادة والخطوط الحمراء: شدد الموقف الدنماركي بشكل صارم على أن هذا الاتفاق «يحترم تماماً سيادة الدنمارك وحق شعب جرينلاند في تقرير المصير». بمعنى أن الجزيرة ليست للبيع ولم يتم التنازل عن سيادتها للولايات المتحدة كما كان يهدد ترامب سابقاً.
* الـمبالغة في صيغة «السيطرة الدائمة»: يصف المحللون إعلان ترامب بأنه «تغليف استعراضي»؛ فالولايات المتحدة تمتلك بالفعل حقوقاً عسكرية واسعة جداً في جرينلاند بموجب اتفاقية دفاعية قديمة تعود لعام 1951. الإضافة الجديدة في هذا الاتفاق هي منح أمريكا حق النقض (الفيتو) لمنع قوى معادية (مثل الصين وروسيا) من بناء قواعد عسكرية أو الاستثمار في قطاع المعادن الحساسة هناك، وهو ما صوره ترامب للداخل الأمريكي كـ«سيطرة أبدية مطلقة» لأهداف دعائية.
أكدت الدنمارك أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ بعد، ويجب أن يمر عبر الإجراءات والرقابة البرلمانية في كل من كوبنهاغن ونووك (عاصمة جرينلاند) للمصادقة عليه.
2- الفوائد الفعلية التي ستعود على الأطراف الثلاثة: في حال المصادقة النهائية على هذا الاتفاق التاريخي من قِبل البرلمانات المعنية في الدنمارك وجرينلاند، فإن لكل طرف مكاسب استراتيجية واقتصادية واضحة تسعى لتحقيقها، وإن كانت الدوافع تختلف بشكل كبير بين واشنطن وكوبنهاغن ونووك.
أ- الفوائد التي ستعود على الولايات المتحدة الأمريكية: تعتبر واشنطن هذا الاتفاق بمثابة جائزة جيوسياسية كبرى لتأمين مصالحها القومية:
* تطويق النفوذ الروسي والصيني (الفيتو الأمني): تمنح الاتفاقية أمريكا حق النقض (الفيتو) لمنع أي استثمارات أجنبية «غير صديقة» في الجزيرة. هذا يمنع الصين نهائياً من محاولات شراء أو بناء مطارات وموانئ في الجزيرة، ويحد من التمدد العسكري الروسي في القطب الشمالي.
* السيطرة على المعادن النادرة (مستقبل التكنولوجيا): تحتوي جرينلاند على واحد من أكبر احتياطيات العالم غير المستغلة من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحساسة (مثل النيوديميوم والبريسيديميوم) الضرورية لصناعة الرقائق الإلكترونية، السيارات الكهربائية، والعتاد العسكري. الاتفاق يضمن للشركات الأمريكية أولوية الاستخراج لتقليل الاعتماد الكامل على الصين.
* تحديث المراقبة العسكرية الفضائية: يتيح الاتفاق توسيع وتحديث وتأمين قاعدة «ثول» الجوية (التي تُعرف الآن بقاعدة «بيتوفيك» الفضائية) وشبكات الرادار العسكرية التابعة لقيادة الدفاع الفضائي الأمريكي (NORAD)، مما يعزز قدرة واشنطن على رصد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
* تأمين ممرات الشحن الجديدة: مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، تظهر ممرات ملاحة تجارية وعسكرية جديدة مختصرة بين آسيا وأوروبا وأمريكا؛ والسيطرة على جرينلاند تمنح واشنطن التحكم في هذه المضايق المستقبلية.
ب- الفوائد التي ستعود على جرينلاند: بالنسبة لحكومة جرينلاند (التي تتمتع بحكم ذاتي وتسعى للاستقلال التام مستقبلاً عن الدنمارك)، فإن المكاسب مادية وتنموية في المقام الأول:
* الدعم المالي والاستثماري الضخم: ستحصل الجزيرة على حزم تمويل أمريكية مباشرة بمليارات الدولارات لتطوير البنية التحتية المتهالكة (بناء شبكات طرق، موانئ حديثة، وتوسيع المطارات المحلية).
* خلق وظائف وتوطين التكنولوجيا: ستشترط حكومة جرينلاند في عقود التنقيب عن المعادن تشغيل العمالة المحلية ونقل خبرات التكنولوجيا الأمريكية إلى سكان الجزيرة الأصليين (الإينويت).
* خطوة نحو الاستقلال الاقتصادي: تعتمد جرينلاند حالياً على دعم مالي سنوي ضخم من الدنمارك لإدارة شؤونها. عوائد الاستثمارات الأمريكية في قطاعي التعدين والسياحة قد تمنح الجزيرة الاكتفاء المالي الذي يؤهلها لإعلان الاستقلال التام عن كوبنهاغن مستقبلاً.
جـ- الفوائد التي ستعود على الدنمارك: تجد الدنمارك نفسها في موقف دقيق؛ فهي تريد حماية سيادتها وفي نفس الوقت التخلص من الأعباء الأمنية والمالية:
* التخلص من عبء الدفاع الثقيل: الدنمارك دولة صغيرة ديموغرافياً وعسكرياً، وليس بمقدورها وحدها تأمين مساحة جرينلاند الشاسعة (أكبر جزيرة في العالم) ضد التهديدات الروسية المتصاعدة في القطب الشمالي. نقل المسؤولية الأمنية رسمياً لأمريكا يرفع هذا العبء عن كاهل الجيش الدنماركي.
* تعزيز المكانة داخل حلف الناتو: بتقديمها هذه التسهيلات الاستراتيجية للولايات المتحدة، تضمن الدنمارك مكانة رفيعة وحماية مطلقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتصبح حليفاً لا غنى عنه لواشنطن.
* تخفيف العبء المالي: إذا نجحت أمريكا في إنعاش اقتصاد جرينلاند، فستتمكن الدنمارك تدريجياً من تقليص المساعدات المالية السنوية (المعروفة بالكتلة النقدية المدعومة) التي ترسلها للجزيرة، وتحويل تلك الأموال لخدمة الاقتصاد الدنماركي الداخلي.
ثانياً: جيو-اقتصاد القطب الشمالي: صدمة المعادن النادرة ومأزق التضخم الداخلي
لقد أحدث الإعلان المفاجئ عن الاتفاق الأمني بين واشنطن وكوبنهاغن هزة فورية وملموسة في أسواق مالية محددة، خاصة تلك المرتبطة بقطاع المعادن الحساسة والطاقة المتجددة. ومع ذلك، فإن الملامح الكاملة للأثر الاقتصادي العام على الأسواق العالمية لا تزال في طور التبلور والتنظيم:
1- التأثيرات الفورية (انتعاش قطاع التعدين الاستراتيجي): بمجرد خروج تفاصيل الاتفاق الساعات الماضية، تفاعلت الأسواق المرتبطة بالموارد الحساسة للجزيرة بشكل إيجابي وسريع:
* قفزة أسهم شركات التعدين في جرينلاند: شهدت الشركات المدرجة في البورصات العالمية والمهتمة بالتنقيب في الجزيرة (مثل شركة Greenland Mines المدرجة في بورصة ناسداك) ارتفاعاً ملحوظاً في أسهمها. واعتبر المستثمرون أن هذا الاتفاق يمنح «غطاءً أمنياً وسياسياً أمريكياً» طويل الأجل يحمي التدفقات الرأسمالية.
* تأمين سلاسل التوريد الغربية: تلقت أسواق التكنولوجيا المتقدمة، وصناعة السيارات الكهربائية، والعتاد العسكري في أمريكا وأوروبا الخبر كـ «صمام أمان». الاتفاق يضمن عدم قدرة الصين على فرض احتكار كامل على سوق العناصر الأرضية النادرة، مما يعزز استقرار أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل رقائق أشباه الموصلات).
* ارتياح في الأسواق الأوروبية (تجنب حرب تجارية): في وقت سابق من هذا العام، هدد ترامب بفرض تعريفات جمركية عقابية (تصل إلى 25 %) على الدول الأوروبية التي تعارض خططه في جرينلاند، مما تسبب حينها في هبوط مؤشر SالجزيرةP 500 بنسبة 2 % في يوم واحد. إعلان التوصل لاتفاق سلمي الآن دفع الأسواق الأوروبية لالتقاط أنفاسها وتجنب سيناريو «الحرب التجارية الشاملة».
2- لماذا لم تتضح الملامح الاقتصادية الكاملة بعد؟ (أسباب الترقب): رغم التفاؤل الفوري، يلتزم كبار المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية حالة من الحذر والترقب لعدة عوامل لوجستية وسياسية:
* غياب النص المكتوب: حتى هذه الساعة، لم يتم نشر النص القانوني التفصيلي والنهائي للاتفاق. الأسواق لا تتحرك بالكامل بناءً على التغريدات أو البيانات الصحفية العامة؛ بل تنتظر العقود الرسمية لمعرفة حجم الصلاحيات الاقتصادية وحق النقض الأمريكي بدقة.
* انتظار توقيع الأسبوع المقبل والمصادقة البرلمانية: الاتفاق لن يصبح نافذاً إلا بعد توقيعه رسمياً في نيويورك الأسبوع المقبل، ثم مروره بالرقابة البرلمانية الصارمة في الدنمارك وجرينلاند. أي معارضة سياسية داخل برلمان كوبنهاغن قد تعيد صياغة البنود الاقتصادية.
* صعوبة وتكلفة الاستخراج الفعلي: يدرك المستثمرون أن تحويل إمكانات جرينلاند (النفطية والتعدينية) إلى أرباح حقيقية على أرض الواقع يتطلب مليارات الدولارات وسنوات طويلة من العمل، نظراً للطبيعة المناخية القاسية للقطب الشمالي وغياب البنية التحتية الأساسية، مما يعني أن العائد الاقتصادي الفعلي على الأسواق يحتاج إلى وقت طويل ليظهر في الدورة الاقتصادية العالمية.
لقد أزال الاتفاق مخاطر الحرب الجمركية ورفع أسهم قطاع المعادن النادرة فوراً، لكن ملامح تدفق الاستثمارات الأمريكية والترتيبات التجارية الكبرى لشركات النفط والتعدين (مثل مشروع Tanbreez وشركات التنقيب البريطانية والأمريكية المتواجدة هناك) لن تظهر آثارها العميقة إلا بعد التوقيع الرسمي في الأمم المتحدة وبدء ضخ التمويل الحكومي الأمريكي المباشر.
ثالثاً: ارتباك رقعة الشطرنج: كيف تلتقط القوى العظمى والكتلة الأوروبية الصدمة؟
أثارت تحركات دونالد ترامب وتصريحاته المندفعة بشأن جزيرة جرينلاند ردود أفعال عالمية
1- رد الفعل الكندي: العلاقات بين واشنطن وأوتاوا تشهد حالة من «التلاسن الجيوسياسي» المكتوم والعلني، لا سيما بعد قيام ترامب بنشر خريطة تخيلية (مصنوعة بالذكاء الاصطناعي) يظهر فيها العلم الأمريكي مفروضاً فوق كندا وجرينلاند وفنزويلا. رد الفعل الكندي الرسمي والشعبي على اتفاقية جرينلاند الأخيرة والتهديدات السابقة تميز بالخطوات التالية:
أ - موقف رئيس الوزراء الكندي (مارك كارني) وهجوم «القوى المتوسطة»: أبدى رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، قلقاً بالغاً ووصف تهديدات ترامب السابقة بفرض عقوبات على الحلفاء الأوروبيين للضغط عليهم بشأن جرينلاند بأنها «تصعيد خطير ومقلق للغاية». وفي خطاب غير مباشر ألقاه في منتدى دافوس، حذر كارني من قيام الدول الكبرى (في إشارة لأمريكا) باستخدام «التكامل الاقتصادي والتعريفات الجمركية كسلاح وضغط». وأطلق عبارته الشهيرة الموجهة لترامب: «على القوى المتوسطة أن تتحرك معاً، لأننا إذا لم نكن جالسين حول الطاولة، فسنكون نحن على قائمة الطعام».
ب- التحرك الدبلوماسي والميداني الكندي (مبدأ المعاملة بالمثل): كندا لم تكتفِ بالتصريحات الشفهية، بل اتخذت خطوات استباقية لحماية مصالحها في القطب الشمالي: فقد قامت كندا رسمياً بـ افتتاح قنصلية دبلوماسية لها في «نووك» (عاصمة جرينلاند). هذه الخطوة جاءت لتأكيد دعم أوتاوا الصارم لسيادة الدنمارك وشعب جرينلاند على أراضيهم في مواجهة الأطماع الأمريكية.
أعلنت كندا والدنمارك عن تعميق الشراكة العسكرية والأمنية لحماية القطب الشمالي. وترى كندا أن حماية جرينلاند هي حماية للأمن القومي الكندي، نظراً للحدود المائية المباشرة بينهما في القطب الشمالي.
جـ- المخاوف الكندية من «السابقة التاريخية»
تنظر النخبة السياسية والعسكرية في كندا إلى خطورة هذه الاتفاقية من منظورين:
* الخوف من نزعة الضم العسكري: تلميحات ترامب السابقة بإمكانية استخدام «القوة العسكرية» للسيطرة على جرينلاند، وحتى تلميحاته المماثلة حول كندا، تسببت في صدمة لدى أوتاوا. كندا ترى أن رضوخ الدنمارك لمنح أمريكا «سيطرة دائمة» يمثل سابقة مرعبة قد تتكرر مع السيادة الكندية على ممراتها المائية الشمالية.
* السيادة على الممر الشمالي الغربي: تخوض كندا تاريخياً نزاعاً قانونياً مع أمريكا التي تعتبر «الممر الشمالي الغربي» في كندا ممراً دولياً، بينما تعترضه كندا كمياه إقليمية خاصة بها. التمدد العسكري الأمريكي في جرينلاند يمنح واشنطن كماشة تطوق الممرات الكندية بالكامل.
كندا تقف حالياً في المعسكر الأوروبي الرافض لأسلوب «فرض الأمر الواقع» الذي يمارسه ترامب، والرد الكندي يرتكز على تقوية التحالفات داخل حلف الناتو والتأكيد على أن السيادة في القطب الشمالي ليست حقاً حصرياً لواشنطن.