عبدالرحمن ندا
لمين ده؟
انقطعت ورقة الجورنال...
فانقطعت الجرايد.
وماتت الكلمة.
زمان...
كان الجورنال من طقوس البيت الصباحية.
فنجان الشاي.
ورقة الجورنال.
وصوت أحدهم يقرأ عنوانًا، وآخر يعلّق، وثالث يختلف.
وكان الكشك...
برلمانًا صغيرًا.
لا مقاعد فيه.
ولا رئيس جلسة.
ولا جدول أعمال.
لكن فيه كل شيء:
العناوين.
والآراء.
والسياسة.
والرياضة.
والحياة.
تقف أمامه، فتسمع الناس يناقشون ما قرأوه.
واحد يؤيد.
وآخر يعارض.
وثالث يقول:
«استنى... خلينا نقرأ الخبر كله.»
كانت الجريدة تصل من الورقة إلى العقل.
ومن العقل إلى الكلام.
ومن الكلام إلى الناس.
ثم...
انقطعت الورقة.
فانقطعت الصلة.
بين الورق والعين.
وبين العين والعقل.
وبين العقل والآخر.
حتى الجملة التي كنا نقولها زمان:
«يا عم، ده كلام جرايد!»
كان يأتي الرد فورًا:
«لا... ده اتنشر في الجرايد»
كان للجريدة وزن.
وكان للكلمة حساب.
وكان الخبر، قبل أن يصل إلى رأسك، يمر أمام عينك.
تقرأه.
وتفكر فيه.
وتختلف معه.
أما الآن...
فكل شيء يصل إليك قبل أن تعرف أنه وصل.
خبر.
وصورة.
وفيديو.
ورأي.
وتعليق.
وأحيانًا كذبة كاملة...
في ثانية.
ثم تختفي في الثانية التالية.
لمين ده؟
مين قطع الصلة دي؟
دي مش مجرد ورقة اتقطعت.
دي كانت صلة رحم...
بين ورقة وعقل.
بين إنسان وخبر.
بين مجتمع وكلمة.
ثم يقولون:
تطور.
ههههه...
أي تدهور يأتي من كلمة «كان»؟
كان هناك وقت...
وكان هناك شيء...
وكان الناس...
وكانت الجريدة.
فكان لازم التغيير.
ههههه...
تطور!
أيوه.
أي نعم.
بالتأكيد.
تدهور... بس بسرعة.
غابت الجريدة.
فغابت معها نصف الحقيقة.
وغاب معها برلمان الكشك.
وغاب ذلك النقاش البسيط الذي كان يجعل الخبر بدايةً للفكر، لا نهايةً له.
وغابت رائحة الصباح.
رائحة الورق.
رائحة الحبر.
وصوت تقليب الصفحات.
ذلك الصوت الذي كان يقول لك:
هناك شيء جديد في العالم... اقرأ.
أنا لا أرفض الجديد.
ولا أريد أن أعيد الزمن إلى الوراء.
أنا أعرف أن العالم يتغير.
وأعرف أن التكنولوجيا غيرت كل شيء.
وأعرف أن علينا أن نواكب العالم.
لكن...
هل كانت المواكبة تعني أن نفقد كل شيء جميل في الطريق؟
هل كان علينا أن نكسب السرعة...
ونخسر التمهل؟
أن نكسب المعلومة...
ونخسر النقاش؟
أن نكسب الشاشات...
ونخسر الورقة؟
أن يصبح لكل واحد منا هاتف في يده...
ولا يكون لديه من يتحدث إليه؟
مين لم يقل يومًا:
«يا ريت...»
يا ريت يومًا فات.
يا ريت صباحًا قديمًا.
يا ريت كشكًا.
يا ريت جريدة.
يا ريت فنجان شاي، وورقة تُفتح، وصوتًا يقول:
«شفت الخبر ده؟»
ثم يبدأ الكلام.
أنا...
لست مشتاقًا للجريدة وحدها.
أنا مشتاق إلى ما كانت تفعله الجريدة فينا.
مشتاق إلى رائحة الورق.
إلى الحبر.
إلى الصباح.
إلى الاختلاف.
إلى النقاش.
إلى تلك المسافة الصغيرة بين أن تقرأ...
وأن تصدق.
نعم، أريد أن أواكب العالم.
لكنني أريد أن أواكبه...
دون أن أفقد نفسي فيه.
ولذلك، حين أرى آخر جريدة تُطوى...
أقول:
لمين ده؟
مين قطع الصلة؟
بين ورقة...
وعقل؟
ثم أضحك.
وأقول:
آه... نسيت.
هذا اسمه...
تطور.