د. طلال الحربي
ثمة لحظات في حياة المرء تجعله يقف وقفة المتأمّل، لا المارّ العجول؛ لحظات تفرض على العقل أن يُعيد حساباته وتوقعاته، وتُجبر الوجدان على الاعتراف بأن ما كان يظنه سقفًا للإبداع لم يكن سوى أرضيته. ولعلّ أبلغ هذه اللحظات في تجربتي الممتدة خمسةً وعشرين عامًا في ميادين الاستشارات والتخطيط الاستراتيجي، تلك التي أعيشها في كل مرة تطأ قدمايَّ صالاتِ شركة التنفيذي المنتشرة في مطارات المملكة العربية السعودية؛ سواء أكنت مسافرًا يشدّ رحله إلى وجهة بعيدة، أم مُودِّعًا يُشيّع عزيزًا، أم مستقبِلًا يترقّب وصول قادم. في كل مرة يتكرر فيها هذا المشهد، أجدني أمام تجربة تأبى أن تكون مجرد محطة عابرة، بل تفرض على الزائر أن يُعيد النظر في ما كان يعدّه المعيار الأعلى لصناعة الضيافة والاستقبال.
لا يُدرك المرء حقيقةَ التميّز حين يُقال له إن هذه خدمة راقية، بل يُدركه حين يشعر بذلك دون أن يُنبَّه إليه؛ حين يدخل المكان فيستقبله الجمال قبل أن يستقبله الموظف، وحين تسبق الراحةُ الطلبَ، وتتقدّم التفاصيلُ المُعتنى بها على كل توقع. وهذا بالضبط ما تُحقّقه صالات التنفيذي السبع والعشرون الموزعة على ستة وعشرين مطارًا في أرجاء المملكة، والتي باتت تُجسّد نموذجًا استثنائيًا في منظومة الضيافة والخدمات المطارية؛ ليس على المستوى المحلي وحسب، بل في مقارنة جريئة ومشروعة مع أعرق الصالات في كبريات المطارات العالمية. فالشركة التي انطلقت بمفهوم واضح في تشغيل الصالات التنفيذية تُدار اليوم بعقلية مؤسسة تبني إرثًا، لا بعقلية مشغّل يؤدي واجبًا.
ما يستوقفني حقًا، وأنا الذي خبر بيئات الجودة في أربع قارات، ليس أن هذه الصالات تقدّم خدمات مُتقنة، بل أنها لا تقبل بمرحلة الإتقان نهايةً للمطاف. في كل زيارة، أرصد إضافةً لم تكن، أو تجديدًا طال تفصيلة مررتُ بها في المرة السابقة دون أن أُعيرها انتباهًا لاعتقادي أنها في مستواها الأمثل. يجعلني هذا أقف أمام مفارقة جميلة: حين تعتقد أنك بلغت الذروة، تكتشف أن ثمة ذروة فوق الذروة. وهذا ليس ترفًا في التعبير، بل هو وصف دقيق لمنهجية مؤسسية راسخة تقوم على أن التحسين المستمر ليس استجابةً للنقد بل استباقٌ له، وأن التميّز ليس حالةً تُستحصَل بل مسيرة لا تتوقف. وخير دليل على ذلك أن الشركة أعادت تطوير أكثر من اثنتي عشرة صالة منذ عام 2021، رافعةً طاقتها الاستيعابية إلى ما يصل مئة بالمئة في بعض المواقع، في مسار واضح الوجهة نحو تحويل كل صالة إلى وجهة ضيافة متكاملة لا مجرد غرفة انتظار فارهة.
غير أن ثمة بُعدًا في تجربة التنفيذي يمسّني بشكل أعمق، ويتجاوز في دلالته كل حديث عن الجودة والتميّز الخدمي؛ ذلك البُعد الإنساني الذي يتجلّى في حرص هذه الصالات الحقيقي والمدروس على استيعاب الأشخاص ذوي الإعاقة واحتضان تجربتهم بالمستوى ذاته من الرقيّ والاحترام. فمن موقعي المهني والأكاديمي الذي أتيح لي فيه تقييم بيئات إمكانية الوصول في مشاريع عملاقة، أستطيع بكل موضوعية أن أشهد أن صالات التنفيذي لم تتعامل مع احتياجات ذوي الإعاقة باعتبارها التزامًا تنظيميًا يُستوفى بالحد الأدنى، بل أدمجت هذه الاحتياجات في صميم فلسفتها التصميمية والتشغيلية. المداخل الميسّرة، ومحطات الراحة المُهيَّأة، والمرافق الصحية المُصمَّمة بتفكير حقيقي لا بنسخ اشتراطات، والكوادر المُدرَّبة على التعامل مع الزوار من ذوي الإعاقة باحترافية لا تخلو من دفء إنساني أصيل، كل ذلك يُشكّل في مجموعه رسالةً واضحة مفادها أن هذا المكان لكل الناس بلا استثناء، وأن الكرامة الإنسانية ليست خدمة إضافية تُضاف بل قيمة تأسيسية لا يُفرَّط فيها. وفي عالم كثيرًا ما تتحول فيه متطلبات الشمول إلى واجهة تُعلَّق على الجدران دون أن تعيش في التفاصيل، تأتي صالات التنفيذي لتقول بجرأة ووضوح إن المهنية الحقيقية لا تكتمل دون روح إنسانية تسكنها، وإن التميّز الذي لا يصل إلى الجميع ليس تميّزًا بمعناه الحقيقي.
وإذا كانت الأرقام لغة لا تكذب، فإن مسيرة التنفيذي تتحدث بصوت لا يُعلى عليه. فالشركة التي استقبلت نحو أربعمئة وخمسين ألف ضيف عام 2021 تخدم اليوم ما يتجاوز مليونًا وأربعمئة وثمانين ألف ضيف، بنسبة نمو تتخطى المئتين والتسعة والعشرين بالمئة في غضون أربع سنوات فحسب. أما قاعدة العضويات فقد نمت بأكثر من مئة وتسعة وثمانين بالمئة، والرحلات المخدومة ارتفعت من مئة وثمانية وعشرين ألف رحلة إلى أكثر من مئتين وثمانية عشر ألفًا. وهذه ليست مجرد مؤشرات نمو، بل هي انعكاس موضوعي لتحوّل في ثقة الضيف وقناعته بأن ما تقدّمه هذه الشركة يستحق الولاء ويستدعي العودة. وقد رافق هذا النمو تحوّل رقمي متسارع تجلّى في تطوير التطبيق ليصبح منصة ذكية متكاملة، وفي اعتماد أنظمة حديثة لإدارة رحلة الضيف من لحظة الوصول حتى المغادرة، في توجه يُعكس وعيًا تامًا بأن مستقبل صناعة الضيافة يُبنى على البيانات والتخصيص لا على الخدمة التقليدية المعلّبة.
وتتجاوز رؤية الشركة حدود الصالات لتمتد إلى منظومة خدمية متكاملة تُحيط بالضيف في كل مراحل رحلته؛ من خدمة توصيل الأمتعة مباشرة إلى مقر الإقامة، إلى خدمة النقل الفاخر المتاحة في أكثر من مئتين وثلاثين مدينة حول العالم، إلى شبكة الخدمات الدولية التي تضمن للضيف امتداد تجربته السعودية الراقية أينما حلّ. وكأن الشركة تقول لضيوفها بوضوح: نحن لم نكن في يوم من الأيام مجرد صالة انتظار، بل كنا دائمًا شريكًا في رحلتك. هذا التوجه الاستراتيجي بتوجيهات معالي وزير النقل والخدمات اللوجيستية ومتابعة رئيس مجلس الادارة وبقيادة الرئيس التنفيذي جلبان الجلبان يترجم طموحًا مؤسسيًا حقيقيًا يتجه بالشركة نحو بناء علامة وطنية للضيافة الفاخرة قادرة على المنافسة عالميًا، مستهدفةً رفع قيمتها إلى نحو أربعة مليارات ومئتي مليون ريال بحلول عام 2030، والتموضع ضمن أفضل خمس علامات في قطاعها محليًا، وبين أفضل خمسين علامة على مستوى العالم.
ولا يمكن لمنصفٍ أن يتحدث عن كل هذا المستوى دون أن يُشير إلى العامل الأهم في المعادلة: الإنسان السعودي الشاب. ما يميّز التنفيذي عن كثير من نظيراتها حول العالم، أن هذه التجربة الراقية بأكملها صنعتها أيدٍ وعقول سعودية شابة؛ رجالًا وشابات يحملون من الطموح ما يجعلهم يرون في كل مهمة يومية فرصةً لإعادة اختراع الأفضل. إن قيادة الشركة، من رئيس مجلس إدارتها إلى رئيسها التنفيذي وكوادرها الواعدة في مختلف المستويات، تنتمي إلى تلك الفئة من القادة الذين يُدركون أن بناء الثقافة المؤسسية أصعب من بناء الجدران، وأن الاستثمار في الإنسان السعودي وتمكينه ليس شعارًا ترفعه الوثائق بل ممارسة تترجمها التجربة اليومية للزائر قبل أن يُدوِّنها أي تقرير.
إن الفخر الذي يستولي عليّ في كل زيارة لهذه الصالات ليس وليد العاطفة الوطنية المجرّدة، وإن كانت تحضر بقوة بكل تأكيد، بل هو فخر العارف الذي نظر في المعطيات وقيّم التجارب وقارن المخرجات. فخر من يرى مشروعًا ناجحًا بمعايير موضوعية صارمة، ويرى في الوقت ذاته بوصلة أخلاقية راسخة تجعل الإنسان في قلب كل قرار، ووجهه نصب كل خدمة. وشركة التنفيذي، بما تمثّله اليوم وما تطمح إليه غدًا، هي واحدة من أوضح الأدلة على أن رؤية 2030 ليست وثيقة تُقرأ في القاعات بل واقع يُعاش في المطارات، وأن الشباب السعودي حين يُمنح الثقة والفرصة لا يكتفي بتلبية التوقعات، بل يُعيد صياغتها من جديد.