د. يحيى جابر
أعرف أن هذا المقال قد يتحسس منه بعض زملائنا الأكاديميين في أقسام الإعلام بالجامعات السعودية والعربية عموماً، وبما أنني ممارس للإعلام ميدانياً وفي عدد من الصحف الرصينة الرسمية لأكثر من 33 عاماً، وجمعت، ولله الحمد، بين التأهيل الأكاديمي والممارسة الفعلية، فلا بد أن أتحدث عن نقاط حساسة يعاني منها عدد من الزملاء الأكاديميين، وليس الجميع، وهي أن بعضهم متميز جداً في الجانب النظري والعلمي والبحثي، لكنه للأسف لا يمتلك المستوى نفسه من الخبرة التطبيقية في بعض مجالات العمل الإعلامي، وقد يكون ضعيفاً في مهارات مهنية أساسية يحتاج إليها طالب الإعلام بعد تخرجه، وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة الأكاديمي ولا من دوره العلمي، وإنما تفتح باباً مهماً أمام الجامعات وأقسام الإعلام لإعادة النظر في العلاقة بين المعرفة والممارسة.
المهارات والمعرفة والخبرة التدريسية
كشفت دراسة علمية حديثة في ماليزيا عن فجوة واضحة في المهارات والمعرفة والخبرة التدريسية لدى أعضاء هيئة تدريس الصحافة في مجال صحافة البيانات، وشملت الدراسة 35 من أعضاء هيئة التدريس في مؤسسات ماليزية، وتوصلت إلى أن معظم المشاركين يفتقرون إلى المهارات التقنية والحاسوبية اللازمة لتدريس صحافة البيانات بصورة فعالة، كما وجدت الدراسة فجوات في الخبرة التدريسية وتصميم المناهج، وأشارت إلى محدودية التدريب المهني والاعتماد على مناهج صحفية تقليدية، وهو ما يكشف بصورة مباشرة أن امتلاك التأهيل الأكاديمي لا يعني بالضرورة امتلاك الكفاءة التطبيقية والتقنية نفسها في جميع مجالات الممارسة الإعلامية، «المصدر ـ جامعة التكنولوجيا الماليزية، ماليزيا، دراسة هل أعضاء هيئة تدريس الصحافة مؤهلون لتدريب الصحفيين المستقبليين، دراسة حالة لتعليم الصحافة في ماليزيا، 2025»، وهذه النتيجة مهمة لأنها تنقل النقاش من مجرد الانطباع الشخصي إلى ملاحظة بحثية قابلة للفحص، فالدراسة لم تقل إن كل أكاديمي ضعيف، ولم تنتقص من المعرفة العلمية التي يمتلكها أساتذة الصحافة، لكنها كشفت فجوة في جانب تطبيقي محدد لدى معظم المشاركين فيها، وهذا هو جوهر الملاحظة التي أطرحها، فقد يكون الأستاذ متميزاً في نظريات الاتصال، والبحث العلمي، وتحليل الدراسات، وشرح المفاهيم، ولكنه لا يكون بالضرورة متمرساً بالدرجة نفسها في كتابة الخبر، وإعداد التقرير، وكتابة الخبر، وإنتاج البرنامج، والتقديم التلفزيوني، وإدارة المقابلة، وصناعة المحتوى، والعمل داخل غرفة أخبار حقيقية، وغيرها، كلاً في تخصصه.
وتلتقي هذه النتيجة مع دراسة علمية أجريت في مصر والأردن وقارنت بين تصورات الأكاديميين والممارسين في المؤسسات الصحفية، وهدفت إلى قياس مدى التوافق بين التعليم الصحفي والممارسة المهنية، وأظهرت أن معظم الأكاديميين والممارسين الذين شملتهم الدراسة رأوا وجود فجوة بين التعليم الصحفي والمهنية، كما وجدت فروقاً بين تقديرات الأكاديميين والممارسين لأهمية بعض مقررات الإعلام والمهارات المطلوبة لإعداد الخريجين لشغل الوظائف الصحفية، «المصدر ـ محمد النواوي، مصر والأردن، دراسة بين غرفة الأخبار والفصل الدراسي، معايير وممارسات تعليم الصحافة المطبوعة في مصر والأردن، 2007».
وهنا أصل إلى القضية الأساسية، الإعلام ليس تخصصاً نظرياً فقط، بل هو علم ومهنة في الوقت نفسه، فالطالب لا يدرس الإعلام لكي يعرف تعريف الخبر والتقرير والمقال والتحقيق والحوار والاتصال الجماهيري وخصائصها وسماتها فحسب، وإنما لكي يستطيع بعد التخرج أن يحول هذه المعرفة إلى منتج إعلامي حقيقي، يجب أن يستطيع كتابة خبر من معلومات أولية، وإعداد تقرير من موقع الحدث، وإجراء مقابلة، وصياغة مقدمة تلفزيونية، وإعداد برنامج، والتعامل مع الكاميرا والميكروفون، وصناعة محتوى رقمي، والتحقق من المعلومات، والتعامل مع الحدث العاجل، والمشكلة تبدأ عندما تصبح المعرفة هي الغاية النهائية، بينما يفترض أن تكون المعرفة أساساً للممارسة، فالطالب الذي يحفظ تعريف التقرير الصحفي لا يصبح معداً تلفزيونياً، والطالب الذي يعرف خصائص الخبر لا يصبح بالضرورة صحفياً، والطالب الذي يدرس فنون الإلقاء لا يصبح مذيعاً بمجرد حصوله على درجة مرتفعة في الاختبار، المهنة تحتاج إلى التكرار، والخطأ، والتصحيح، وإعادة الإنتاج، والنقد، ثم إعادة المحاولة، وهذا تحديداً ما يجعل الخبرة المهنية للممارس ذات قيمة كبيرة داخل أقسام الإعلام، والممارس يعرف تفاصيل لا تظهر دائماً في الكتب، يعرف كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يتعامل مع المصدر، وكيف يتحقق من الرقم، وكيف يختار العنوان، وكيف يختصر تصريحاً طويلاً، وكيف يكتب مقدمة واضحة، وكيف يتعامل مع المحرر، وكيف يعيد صياغة المادة بعد الملاحظات، وكيف يعمل تحت ضغط الوقت، وكيف يعد تقريراً تلفزيونياً ويجري مقابلة ويصور ويقوم بالمونتاج ويصمم ويعمل حديثا، وكلاً في تخصصه ومقرره.
وفي المقابل، يقدم الأكاديمي للطالب ما لا يمكن أن تمنحه الممارسة وحدها، من نظريات ومناهج بحث وأخلاقيات ومفاهيم وتحليل نقدي ومعرفة تاريخية وتشريعية، التي تكون في بداية المشور التعليمي، ثم التطبيقي، ولذلك فإن الحل ليس استبدال الأكاديمي بالممارس، وإنما الجمع بين الاثنين، الأكاديمي يمنح الطالب القدرة على الفهم والتحليل، والأكاديمي الممارس يساعده على تحويل هذا الفهم إلى مهارة ومنتج، وإذا وجد أكاديمي ممارس فهذا كنز حقيقي دون شك.
الفجوة
وقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن تعليم الصحافة ينبغي أن يجمع بين المعرفة المفاهيمية والمهارات المهنية، وأن التدريب العملي والميداني والارتباط بالمؤسسات الإعلامية يمثل جزءاً مهماً من إعداد الصحفي، كما شجعت على الاستفادة من خبرات الصحفيين الممارسين في العملية التعليمية، «المصدر ـ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، فرنسا، المناهج النموذجية لتعليم الصحافة، 2009»، والواقع أن الفجوة بين الأكاديمي والممارسة ليست قضية محلية، فقد خصصت دورية الصحافة عام 2025 عدداً بحثياً كاملاً لمناقشة الفجوة بين البحث الأكاديمي والممارسة الصحفية، وناقشت الدراسات المنشورة فيه أسباب ضعف انتقال المعرفة بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية والحاجة إلى بناء جسور أكثر فاعلية بين المجالين، «المصدر ـ ناديا شاتز وآنا شيوت وتوماس دودز وكلوديا ميلادو، ألمانيا وهولندا وتشيلي، مقدمة العدد الخاص، العمل غير المرئي اللازم لسد فجوة البحث والممارسة في الصحافة، 2025».
3 أنواع
وفي دراسة أمريكية منشورة في الدورية نفسها عام 2025، أجرى الباحثون 16 مقابلة شبه منظمة مع صحفيين أمريكيين يعملون في مواقع مختلفة، من المراسلين والمصورين إلى المحررين والمديرين، ووجدوا أن الصحفيين يقدرون قيمة البحث العلمي، لكنهم لا يرونه ضرورياً بصورة أساسية في عملهم اليومي، وحدد المشاركون 3 أنواع من الفجوات، أسئلة بحثية لا ترتبط بما يكفي باحتياجات الممارسة، وضعف إيصال نتائج البحوث إلى الممارسين، وعوائق مؤسسية تحول دون تطبيق المعرفة البحثية داخل غرف الأخبار، «المصدر ـ تامار ويلنر وكيغان كليمنتس هاوسر وفاليري بيلير غانيون ونشا سريدهاران، الولايات المتحدة، آراء الصحفيين حول فجوة البحث والممارسة، 2025».
وهذه الدراسات تقودنا إلى نتيجة مهمة، وهي أن المسافة بين الجامعة والممارسة لا تنتج فقط عن ضعف الطالب، وإنما يمكن أن تنتج أيضاً عن طبيعة النظام التعليمي نفسه، وعن مدى اتصال عضو هيئة التدريس بالمهنة، وعن تحديث المناهج، وعن فرص التدريب، وعن مقدار التعاون بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية، ومن واقع التجربة، أرى أن من أكبر الأخطاء أن يكون التطبيق الإعلامي مؤجلاً إلى نهاية الدراسة، لماذا ينتظر الطالب 4 سنوات حتى يكتشف قدرته على كتابة خبر أو تقديم برنامج؟ ولماذا يكون مشروع التخرج هو التجربة التطبيقية الأبرز في حياة طالب الإعلام؟ ولماذا لا يبدأ منذ السنة الأولى؟
الأفضل أن يصبح التطبيق ممارسة شهرية مستمرة، يكتب الطالب في الشهر الأول خبراً، وفي الشهر الثاني تقريراً، ثم مقابلة، ثم مقالاً، ثم تحقيقاً، ثم مادة إذاعية، ثم تقريراً تلفزيونياً، ثم برنامجاً قصيراً، ثم فيلماً وثائقياً، ثم محتوى رقمياً، ثم حملة إعلامية، ثم مشروعاً متكاملاً يحاكي غرفة الأخبار الحقيقية، وفي كل شهر يتم عمل مشاريع ويتم اختيار الأفضل منها ليتم نشره في صحيفة الجامعة ومنصاتها التي من المفترض أن تكون فعالة ومهنية وتعمل بدقة وسرعة وجودة.
وبذلك يتخرج الطالب ومعه عشرات الأعمال، وليس ورقة أو مشروعاً واحداً، ويصبح لديه ملف مهني يكشف تطوره من السنة الأولى حتى السنة الأخيرة، بل وناتج عملي ومهني وتطبيقي يشاهده الجميع ويرى التعليقات والملاحظات ويستفيد منها وكذلك الدكتور والقسم في المقرر.
وأقترح كذلك أن تنشئ الجامعات منصات إعلامية طلابية رسمية، تنشر أفضل إنتاج الطلاب وفق معايير تحريرية واضحة، بحيث تصبح هذه المنصات نافذة حقيقية على مخرجات أقسام الإعلام، وتستطيع المؤسسات الإعلامية من خلالها التعرف على الطلاب المتميزين قبل التخرج، ويتم اختيار أفضل المشاريع جودة للمنصة الرئيسة، كنوافذ تحفيز للجميع الطالب والدكتور والقسم والجامعة.
كما يمكن إنشاء غرفة أخبار جامعية تعمل بصورة منتظمة، يشارك فيها الطلاب تحت إشراف أكاديمي ومهني، فيعيش الطالب دورة العمل الإعلامي كاملة، من الفكرة إلى البحث، ومن جمع المعلومات إلى التحقق منها، ومن الكتابة إلى التحرير، ومن الإنتاج إلى النشر، ثم تقييم المنتج ومراجعته، وأدرك أنها توجد حالياً كل الإمكانات لكن ما أقصده تفعيلها بأفضل جودة وتكون مشاريع شهرية كما ذكرنا سابقاً.
استقطاب الممارسين
وهنا تظهر أهمية استقطاب الممارسين إلى الجامعات، لا أقصد أن يأتي الممارس إلى الجامعة لإلقاء محاضرة موسمية ثم يغادر، وإنما أن يكون جزءاً من العملية التعليمية، يراجع الأعمال، ويشرح للطلاب لماذا تصلح مادة للنشر وأخرى لا تصلح، ولماذا تكون هذه المقدمة أفضل من تلك، وكيف يمكن اختصار تقرير طويل، وكيف يتحول الموضوع إلى قصة تلفزيونية، وكيف يصنع الصحفي مادة تصلح للمنصات الرقمية.
كما ينبغي أن يستفيد أعضاء هيئة التدريس أنفسهم من برامج التطوير المهني، لأن الإعلام يتغير بصورة متسارعة، ما كان مهارة إضافية قبل سنوات أصبح اليوم جزءاً من العمل الأساسي، وصحافة البيانات، والتحقق الرقمي، والتحليل المرئي، وإنتاج الفيديو، وإدارة المنصات، وأدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت مجالات تحتاج إلى معرفة عملية مستمرة، وهذا يقودني إلى نقطة حساسة أخرى، وهي أن الجامعة مطالبة بتقييم الأستاذ في المجال الذي يقوم بتدريسه، فمن يدرس الصحافة العملية يحتاج إلى ارتباط حقيقي بالممارسة، ومن يدرس الإنتاج التلفزيوني يحتاج إلى معرفة فعلية ببيئة الإنتاج، ومن يدرس صناعة المحتوى الرقمي يحتاج إلى متابعة مستمرة للتحولات التي تحدث في المنصات والجمهور والأدوات، ولا يعني ذلك أن يتحول كل أكاديمي إلى صحفي محترف، فهذا غير واقعي ولا مطلوب، وإنما يعني أن يكون هناك توازن داخل القسم بين الأكاديمي المتخصص والأكاديميين الممارس المتخصص، وأن يتعاون الاثنان في إعداد الطالب.
أكاديمي تطبيقي ينتج طالبا منتجا
إنني أطرح هذه الملاحظات من موقع الممارسة والمحبة للمهنة، وليس من موقع الانتقاص من الأكاديميين، لدينا أكاديميون متميزون جمعوا بين البحث والممارسة وهؤلاء كنوز حقيقة، ولديهم تجارب مهنية ثرية، وهؤلاء يمثلون النموذج الذي يمكن البناء عليه، لكن وجود هذا النموذج لا يلغي وجود فجوة تطبيقية لدى بعض أعضاء هيئة التدريس، وقد أظهرت الدراسات الدولية وجود جوانب من هذه الفجوة في بيئات تعليمية مختلفة، والأهم أن هذه الفجوة ليست عيباً شخصياً بالضرورة، وإنما يمكن التعامل معها باعتبارها قضية تطوير مؤسسي، فالعضو الأكاديمي الذي يحتاج إلى تحديث مهاراته يستطيع أن يتدرب، والجامعة تستطيع أن تستقطب ممارسين، والمؤسسة الإعلامية تستطيع أن تفتح أبوابها للطلاب، والطالب يستطيع أن يمارس بصورة مستمرة، وهنا نشير إلى ما يهمنا جميعاً طالب يتم تخرجه بأفضل صورة وتعليم ومهنية، قادر على الإبداع والإنتاج، نظرياً وعملياً.
وأرى أن أقسام الإعلام بحاجة إلى إعادة تعريف مخرجاتها، لا يكفي أن نقول إن الطالب درس الخبر، بل يجب أن نسأل، كم خبراً كتب؟ ولا يكفي أنه درس التقرير، بل كم تقريراً أنتج؟ ولا يكفي أنه درس التقديم التلفزيوني، بل كم مرة وقف أمام الكاميرا؟ ولا يكفي أنه درس صناعة المحتوى، بل كم محتوى أنتج وراجع وطوّر؟، وما هي مشاريعه، وماذا أنتج؟.
الممارسة الفعلية
فالطالب الذي يكتب 50 خبراً خلال دراسته، بإشراف دكتور يعرف يكتب الخبر، سيكون قد مر بتجارب تحريرية أكثر من طالب لم يكتب إلا خبراً واحداً في مشروع مقرر، والطالب الذي ينتج 10 تقارير تلفزيونية سيكون قد واجه الكاميرا والمونتاج والإعداد والتقديم مرات متعددة أيضاً بإشراف دكتور يعرف أدق أساليب التقديم عملياً، والطالب الذي يتلقى ملاحظات مهنية متكررة سيتعلم من أخطائه أكثر من طالب يحصل على درجة ثم يغلق ملف المشروع، الممارسة لا تُكتسب بالقراءة وحدها، كما أن النظرية لا تُبنى من الممارسة وحدها، وهذه هي النقطة التي يجب أن ننطلق منها، نحن لا نحتاج إلى أكاديمي ضد الممارس، ولا ممارس ضد الأكاديمي، وإنما نحتاج إلى أكاديمي ممارس يعملان معاً مع الأكاديمي غير الممارس لصناعة إعلامي يمتلك المعرفة والمهارة، ومقررات نظرية ومقررات عملية تطبيقية.
أخيراً:
لا يوجد مانع في أن تتبنى الجامعات مثل هذه المبادرات وتقوم على تفعيلها لتضاف لما حققته من تميز.
** **
- دكتوراه صحافة وإعلام