حسن بن مريّع
حين تضيق مساحات العقل في عالمٍ تموج به الصراعات وتتقاذفه الأنواء، تقف المملكة العربية السعودية كطودٍ أشمّ، لا تزيده محاولات المعتدين وغدرات الأيام إلا رسوخاً وشموخاً. إنها أرضٌ شُيّدت دعائمها على يقينٍ إيمانيٍّ راسخ، وسياسةٍ وئيدة تأبى بطبعها ورصانتها أن تستدرجها الاستفزازات العابرة أو صخب الغوغاء؛ فسياستها منذ فجر التأسيس نسيجٌ فريد من الحلم المتزن والهيبة الواثقة، تزن الخطوب بميزان البصيرة النافذة، وتدرك بفطنة قيادتها أن القوة الحقيقية ليست في ضجيج الشعارات، بل في حكمة القرار، وسداد التدبير، وثبات الفعل الذي يحمي الحِمى بكل هدوء واقتدار.
وعلى هذا الثرى الطاهر، تتجلى أعظم صور التلاحم الإنساني؛ شعبٌ عظيمٌ لم يعرف الذل أو الانكسار يوماً، يعقد بينه وبين قيادته ميثاق عشقٍ وولاء تعجز عن الإحاطة به الكلمات. تراهم ساعة الشدة جسداً واحداً لا مدخل فيه لريبة، تلتقي نبضات قلوبهم على كلمة رجلٍ واحد، يذودون عن شرف أرضهم وعرضهم ببسالة الفرسان وإيمان الصادقين، محاطين بسياجٍ متين من التكاتف والتراحم، كأنما خُلق كل فردٍ فيهم ليكون ترساً لأخيه ودرعاً لوطنه. هؤلاء الذين رضعوا العزة من رمال جزيرتهم، أثبتوا للدنيا أن الشجاعة لديهم سجيةٌ مغروسة، وأنهم بحبهم لبعضهم وثقتهم الراسخة بحكامهم حصنٌ منيع تنكسر عند أقدامه أوهام كل حاقد ومعتدٍ.
وليس الفخر هنا محصوراً في الذود والمنعة فحسب، بل يتوّجه تاج القداسة الذي تحمله هذه البلاد بحبٍّ وتفانٍ لا ينقطع؛ خدمة الحرمين الشريفين ورعاية وفود الرحمن. إنها الأمانة العظمى التي يراها قادة البلاد وشعبها شرفاً يعلو فوق كل شرف، حيث تسخّر المملكة كل مواردها وأفئدة أبنائها لخدمة ضيوف البيت العتيق ومسجد نبيه المصطفى، ليعود الحاج والمعتمر مكللاً بالسكينة والرضوان، كأن أرض المملكة كلها محرابُ أمانٍ ممدودٍ للأرواح الظمأى من شتى بقاع الأرض.
ومن هذا المنبع الفياض، تمتد النخوة السعودية بلبوس الأخوة والوفاء إلى رحاب العالم العربي والإسلامي؛ فتراها دوماً السند الوثيق إذا ادلهمت الليالي، والبلسم الشافي لجراح الأشقاء في كل نازلة، بلا منٍّ ولا أذى.
إنها قيم المروءة العربية الأصيلة، وعقيدة التضامن التي تسري في وجدان الشعب السعودي، وتفيض في تعامله مع إخوانه العرب مودةً ونبلاً ورغبةً صادقة في استقرار أوطانهم ورخائها. هكذا تبقى هذه البلاد المباركة، منارةً للحكمة، وقلعةً للصمود، وأنموذجاً فريداً لوطنٍ يعانق المجد بإيمانه، ويصنع التاريخ بحب قيادته وتماسك شعبه الأبيّ.