د. سيف محمد الرشيدي
ليس الوطن يومًا في التقويم، ولا مناسبة عابرة نحتفي بها ثم تنتهي بانتهاء مظاهر الاحتفال؛ فالوطن أكبر من ذلك بكثير. إنه ذاكرة المكان، وأمن الحاضر، وطموح المستقبل، والمسؤولية التي يحملها الإنسان في كل موقع يقف فيه.
حين يحل اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، نستعيد بفخر قصة وطن بدأت بملحمة التوحيد التي قادها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله-، ثم توالت من بعدها مراحل البناء والتنمية، حتى أصبحت المملكة اليوم تعيش مرحلة استثنائية من الطموح والتحول.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده في هذه المناسبة ليس فقط: ماذا حقق الوطن؟ بل أيضًا: ماذا قدمنا نحن للوطن؟
فالوطنية ليست كلمات نرددها، ولا مشاعر نعلن عنها في المناسبات، وإنما سلوك يومي يتجسد في العمل بإخلاص، واحترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات العامة، وإتقان المهنة، وخدمة المجتمع، والحرص على أن يكون حضور الإنسان في وطنه إضافة لا عبئًا.
من هنا يأتي دور التربية؛ إذ لا يمكن بناء وطن قوي ومستدام من دون بناء إنسان يمتلك المعرفة والقيم والمهارات. فالمدرسة والجامعة ليستا مؤسستين لإنتاج الشهادات فحسب، وإنما فضاءان لصناعة الإنسان القادر على التفكير، وتحمل المسؤولية، والعمل، والمبادرة، والمشاركة في صناعة المستقبل.
ومن واقع الميدان التربوي، أدرك أن أعظم استثمار يمكن أن تقدمه أي دولة لمستقبلها هو الاستثمار في الإنسان. فالطالب الذي يتعلم كيف يفكر، وكيف يحل المشكلات، وكيف يعمل مع الآخرين، وكيف يحترم الاختلاف، وكيف يؤدي عمله بإتقان؛ هو في الحقيقة مشروع مواطن يسهم في بناء وطنه سنوات طويلة قادمة.
ولذلك فإن علاقتنا بالوطن ينبغي ألا تتوقف عند حدود الانتماء العاطفي، بل تمتد إلى الانتماء المسؤول؛ ذلك الانتماء الذي يجعل المعلم أمينًا على رسالته، والطبيب مخلصًا في مهنته، والمهندس متقنًا لعمله، والموظف حريصًا على خدمة المستفيد، والطالب جادًا في تعليمه، وكل فرد مدركًا أن جودة أدائه جزء من جودة الحياة في وطنه.
وفي هذا السياق، تكتسب رؤية المملكة 2030 أهمية خاصة؛ لأنها لا تتعامل مع التنمية باعتبارها مشروعات ومؤشرات فحسب، بل تجعل الإنسان والمجتمع جزءًا أساسيًا من مسيرة التحول. والطموح الذي تعيشه المملكة يحتاج إلى عقول تتعلم باستمرار، وأجيال تمتلك القدرة على الابتكار، ومؤسسات تؤمن بأن التطوير ليس خيارًا مؤقتًا، وإنما ثقافة مستمرة.
إن الاحتفاء باليوم الوطني يمكن أن يتحول من مناسبة للاحتفال إلى مناسبة للمراجعة والتجديد: ماذا أنجزنا؟ ماذا تعلمنا؟ أين نريد أن نصل؟ وكيف يمكن لكل واحد منا أن يكون جزءًا من الإجابة؟
فليس المطلوب من المواطن أن يحمل هموم الوطن كلها على عاتقه، وإنما أن يؤدي دوره بإتقان، في موقعه الذي اختاره الله له. فالأوطان لا تبنى بالأدوار الكبيرة وحدها؛ بل تبنى بملايين الأعمال الصغيرة التي تؤدى كل يوم بضمير حي.
وقد يكون أجمل ما نقدمه لوطننا في يومه الوطني أن نجدد العهد على أن يكون حبنا له ظاهرًا في أعمالنا قبل كلماتنا، وفي أخلاقنا قبل احتفالاتنا، وفي حرصنا على مستقبله قبل حديثنا عن أمجاده.
إن المملكة العربية السعودية، وهي تمضي نحو مستقبل أكثر طموحًا، تحتاج إلى إنسان يؤمن بأن نجاحه الشخصي يمكن أن يكون جزءًا من نجاح وطنه، وأن إتقانه لعمله، وتطويره لذاته، وخدمته لمجتمعه، كلها صور من صور المواطنة الصادقة.
وفي اليوم الوطني، نستذكر الماضي باعتزاز، ونعيش الحاضر بثقة، وننظر إلى المستقبل بطموح.
فالوطن الذي نحبه اليوم، هو الوطن الذي نتركه أكثر قوةً ونماءً للأجيال القادمة.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، ووفق قيادتها وشعبها لمواصلة مسيرة البناء والتنمية، وجعل هذا الوطن دائمًا أرضًا للإنجاز، وموطنًا للطموح، ومستقبلًا للأجيال.