غادة الوعلان
من هَقْوة عبد العزيز إلى عزيمة وطن
في المنعطفات التاريخية الكبرى، تنبثق من عمق الشعوب نفحات العزة والكرامة لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصمود والتلاحم. واليوم، ونحن نعيش أجواء يومنا الوطني السادس والتسعين، تتلاقى ذكرى التأسيس والتوحيد مع ظروف راهنة تتطلب منا أعلى درجات الوعي؛ لنثبت من خلال هذه المناسبة أن احتفالنا ما هو إلا وقفة متجددة لشحذ الهمم وتعميق اللحمة الوطنية.
ونتذكر حكاية سعوديتنا؛ أنها لم تبدأ وطناً مكتمل الملامح على خريطة، وأنها بدأت بـ«هقوة» في رجل؛ ظناً طيباً بالمستقبل، ويقيناً بأن الأرض التي أرهقتها الفرقة قادرة على أن تجتمع، وأن الخوف يمكن أن يصير أمناً، والشتات وحدة، والقبائل شعباً، والمسافات، وطناً.
فقد كان الملك عبدالعزيز -طيَّب الله ثراه- يمتلك تلك الخصلة النادرة التي صنعت دائماً الفارق بين من يعبرون التاريخ ومن يمرون على هامشه: أن يرى أبعد من واقعه، كان الواقع يضع أمامه حسابات الممكن، وكان في داخله شيء أبعد من الممكن؛ عزم رجل يعرف أن التاريخ لا يفتح أبوابه للمترددين، وأن الأوطان الكبرى لا تولد حين تصبح الظروف مواتية، وإنما حين يوجد من يؤمن بها قبل أن توجد.
وحين استردت الرياض، كان وطن كامل يخطو خطوته الأولى نحو اسمه. فامتدت الخطوات والتأمت الجغرافيا شيئاً فشيئا، وأصبح ما كان متفرقاً كياناً، وما كان حلماً دولة، وما كان خوفاً أمنا، وما كان صراعاً بناءً طويلا تعاقبت عليه الأجيال.
استغرق ذلك سنوات طويلة لا تشبه اختصارنا المريح لها في سطر: «وحّد الملك عبدالعزيز المملكة». بين الفعل ونتيجته أعمار من الرجال، وليالٍ من الخوف، وقرارات لم يكن أصحابها يعرفون إن كانوا سيعيشون ليروا ثمرتها، وخطوات كان الرجوع في بعضها أسهل كثيراً من المضي.
وحين نقرأ التاريخ من نهايته؛ نعرف أن الرياض ستُسترد، وأن البلاد ستتوحَّد، وأن الدولة ستقوم. أما الذين كانوا هناك فلم تكن النهاية مكتوبة أمامهم. كان عليهم أن يصنعوها. وهذا، في تقديري، هو المعنى الذي يستحق أن نقف عنده من ذكرى التوحيد: أن الأوطان لا يصنعها اليقين بالنتائج بقدر ما يصنعها الإيمان بالغايات.
قامت المملكة العربية السعودية دولة- ولله الحمد -وكان التوحيد بداية ملحمة طويلة لبناء الإنسان ورفاهية المواطن، والمقيم. أَمِن الناس، واستقام النظام، وفتحت المدرسة بابها، ووجد المريض من يعالجه، وشعر الإنسان في أطراف البلاد كما في قلبها، أن وراءه دولة وأن أمامه مستقبلا.
وفوق ذلك كله، حملت المملكة قدراً خاصاً؛ فهي أرض الرسالة، وفيها الحرمان الشريفان، وإليها تتجه وجوه المسلمين كل يوم. ولهذا لم يكن تاريخها الحديث منفصلًا عن معناها الأقدم. ظل الدين في وجدانها أصلًا، وخدمة المقدسات شرفًا ومسؤولية، وظل الأمن فيها أكبر من مجرد استقرار؛ لأن الآمن في هذه الأرض لا يأمن لنفسه وحده، بل يأمن معه قاصد جاءها من أقصى الأرض يرجو أن يؤدي نسكه ثم يعود سالمًا.
وربما لهذا يبدو الانتماء إلى السعودية عصيًّا على الاختصار. إنه ليس علاقة مواطن بجواز سفر، ولا إنسان بخريطة، ولا مقيم برخصة إقامة.
إنه ذلك الشعور الذي يجعل أسماء المدن جزءًا من الذات؛ يجعل للرياض في النفس معنى لا يعرفه إلا أهلها، ولنجد مكانًا يتجاوز المكان، وللحجاز مهابة تمتزج فيها الأرض بالسماء، وللشمال والجنوب والشرق حكايات مختلفة تصب جميعها في اسم واحد: السعودية.
ولذلك ظل في تكوين هذا الوطن شيء يتجاوز السياسة والجغرافيا؛ معنى أخلاقي وحضاري يجعل القوة مسؤولية، والمكان أمانة، والانتماء عهداً. ولعل هذا هو المعنى الذي ينبغي ألا نفقده ونحن نحتفل.
فنسائم الفخر، حين تهبّ مع حلول ذكرى التوحيد كل عام تضع كل مواطن حر غيور أمام مسؤوليته التاريخية، مستلهمين في ذلك كلمات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله - حين قال: «إن استقرار بلادنا واستمرار نموها، هو ثمرة للتلاحم والتعاضد بين المواطنين وقيادتهم»؛ وهو التلاحم الذي يجيب بلسان حال الواجب: أين أنت يا باغي المجد، والوطن يستنهض همتك ويجمع شملك؟
فنحن ننتمي إلى وطن هو جزء من تعريفنا لأنفسنا. في ترابه ذاكرة آبائنا، وفي لهجتنا شيء من أرضه، وفي وجوه مدنه ملامح أعمارنا، وفي تفاصيله الصغيرة أماكن لا يعرف العالم لماذا تعني لنا كل هذا، بينما نعرفه نحن بما نرى من أنفسنا فيه.
فيوم الثالث والعشرين من سبتمبر يوم في وجدان كل سعودي أصبحت فيه أرض السعودية عهداً نتوارثه جيلاً بعد جيل نحمله إلى أبنائنا ونحفظه في مواقفنا قبل كلماتنا. فالأوطان العظيمة تستمد من تواريخ مجدها شجاعة لصناعة تاريخ جديد.
واليوم، والمملكة العربية السعودية تمضي في زمن مختلف، وتتقاطع حولها التحولات والصراعات والمصالح، وتواجه منطقتنا تحديات لا تخطئها العين، تحضر أهمية الوحدة والتلاحم؛ لنثبت للعالم أجمع أن رهانات الأعداء قد خابت، وأن خططهم لتفريق الصفوف قد تبخرت وتلاشت أمام صخرة الجبهة الداخلية المتماسكة وتلاحمنا الشعبي الراسخ مع قيادتنا.
ونعلم أن قوة هذا الوطن لا تكمن في مقدراته المادية فحسب، بل في تلك الرابطة الخفية والصلبة التي تجمع أبناءه؛ وفي استعدادهم لبذل أرواحهم دون تردد لحفظ هذا البنيان مرصوصاً. مستمدين همتهم من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بعزيمته المعهودة: «عزيمة السير في صدارة الأمم مستمدة من تعاضد وتلاحم الشعب السعودي العظيم».
وعندما ينادي الوطن نسير جميعا صَفاً واحداً، لتصبح الوحدة الوطنية وسياجها المنيع هو سلاحنا الأقوى في وجه الأعاصير. فأرضنا هي دونها تُرخص الدماء، وهي التي أرست دعائمها الأولى كلمات مؤسس هذا الكيان العظيم الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن -طيَّب الله ثراه- حين قال: «أنا جندي في هذه الأمة، أسير بموجب الشريعة الإسلامية وأدافع عن عقيدتها وأرضها».
إن الدفاع عن حياض الوطن وصون مكتسباته في ظل التحديات الحالية يُعد الفرح الحقيقي لأهل التوحيد؛ يومٌ نجدد فيه العهد بأن نبقى جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
وستبقى مسيرتنا مظفرة متمسكين بأرضنا وقيادتنا، مستندين إلى راية التوحيد وسيف العدالة والحزم. وبجهود أبنائه وبناته وتلاحمهم، سنصون مجد هذا الوطن، ونواصل مسيرة البناء والتنمية يداً بيد متجاوزين كل العقبات.
فجنود الوطن الأوفياء، ومن ورائهم شعبٌ أَبِيٌّ متكاتف، يقفون اليوم في الميدان وقفة حسم لا تراجع بعدها ولا مهادنة؛ لتبقى هذه البلاد منبعاً للأمن، وحصناً للأمان، فلا عزة لنا ولا كرامة إن لم نحفظ أرضاً احتضنتنا، ونحافظ على وحدةٍ ورثناها كابراً عن كابر، لتظل رايتنا خفاقة شامخة إلى أبد الآبدين.