عبدالله بن براهيم بن عبدالعزيز الغليقة
يومنا الوطني ليس يومًا عابرًا، بل هو عبق لغراس صقر الجزيرة الذي تنامى، وأصبح يعزف وتره من صدى الماضي لعبير الحاضر، ومعه رجالات بالإصرار وحسن القصد قد تسنموا المكانة وطيب المنزل، فهم بالحزم والعزم ثابتون، وعلى نهج كلمة التوحيد مُستبقون، فأهدت لهم بريقًا تعاظم وتكاثر، فأصبح نبتًا حسن الزرع والثمر، وذاك من عهد عبدالعزيز العزم وأبنائه البررة، رحمهم الله، وصولًا لسلمان الحزم -وفقه الله- ليسعد به جيل الغد، والله حق أن يُحمد، سبحانه، واهب العطيات مُجزل البركات!.
عندما أقرأ عن المغفور له الملك عبدالعزيز رحمه الله، بات ما هو محتوم لدي عن ارتباط الماضي بأريج الحاضر، والوقوف على ما كُتب، أكد لي كم من جهدٍ أرق..! وكم من مكابدةٍ في سبيل توحيد هذا الكيان «القاري» المترامي الأطراف..!
يقول الأول:
لا يمتطي المجد من لم يركبِ الخطرا
ولا ينالُ العُلا من قدم الحذرا
ومن أراد العُلا عفوًا بلا تعبٍ
قضى ولم يقضِ من إدراكِها وطرا
* * *
كان رحمه الله واثق الخُطى، صمم وأراد لاستعادة إرث الآباء والأجداد، فمضى بعزمٍ في الخامس من شوال لعام 1319هـ، فأصبح ذلك الواثق الذي وُصِف بطول قامته، والذي كعزمه وطموحه لا يتهادى ولا يتوانى، فلا يقنع بما دون النجوم، فسار هو وثُلة من خيرة الرجال على ظهور الجياد، هدفهم سامٍ، متشمرين: بلا إله إلا الله، وهم بُناة مجدٍ وعُمار أوطان، حيث إنهم شهدوا لنا بخيرٍ مُستطاب، قاده عبدالعزيز لوضع لبِنات مستقبلٍ جليل، فحققوا المبتغى ونالوا المراد.
وكأن لسان الحال يتمثل القول: «أحنُ إلى نجدٍ حنين متيمٍ!»
فلو تفكرنا في هذا اليوم الذي هو سِجل لبنيانٍ مرصوص، والذي بعد توفيق الله جعل منا مواكبين لقطار التطور والتقدم، فظهر لنا ما يبهج خاطرنا ويُعز ناظرنا، وحق لنا أن نفاخر، كيف لا، وها نحن نرفل في طمأنينة ويسر ورغد وأمان، وحسبنا بما عشناه في أيام مضت وشاهدناه في خِضم هذه الخطوب يمنةً ويسرةً.
والملك عبدالعزيز رحمه الله شخصية تستحق الوقوف عندها وخوض أسبارها، قد جاء للجزيرة في حينٍ صعب، سادت فيه الفرقة والسرق والقتل ومغازٍ لا حصر لها في البادية والحاضرة، فلم تسلما من الثارات والغارات، وأصبحتا حالهما تئن وتئن! فسخر الله ذلك الإمام الذي إمكانياته تكاد تكون محدودة، لكن طموحاته ليس لها حد، فوهب له الباري في علاه عقيدةً لا ريب فيها، وقصدًا صالحًا، بنيةٍ سليمة، وعزمٍ ثابت، وصبرٍ عظيم، وإصرارٍ حثيث لا يفتر، وعُرف عنه دائمًا تمثل القول:
«الحزم أبا العزم أبا الظفرات، الترك أبا الفرك أبا الحسرات».
ولو نظرنا لجانب تعامله مع من يخالفه، فسيظهر لنا أنه قد درس خصومه!؛ فمعاملته لهم ليست كأسنان المشط، إنما يرى لكل منهم مفتاحه الخاص به، فواحد لا ينفع معه إلا القوة (فالحزم أبا العزم)، وآخر من أن تكسبه باللين، وثالث بالتجاهل والإعراض، ورابع بالإغداق، فساسهم كما يرغب ويريد، وهلم جرى.
قال الأول:
ذاك الإمام الذي كادت عزائمهُ
تسمو به فوق هام النصر والقطب
والروايات والقصص عنه كثيرة، وجدير بنا أن نستذكر منها ونستلهم الفوائد الجمة والمضيئة، فكما قالوا: «تجارب السابقين مرايا للاحقين»؛ ومن ذلك ما وقع بين يدي في كتاب (إنسانية ملك - دارة الملك عبدالعزيز -)، مُهدًى إلينا من معالي د. عبدالعزيز بن عبدالرحمن الثنيان (وكيل وزارة المعارف وعضو الشورى الأسبق) حفظه الله، ومما جاء فيه: ما رواه الملك سلمان حفظه الله للدكتور الثنيان شخصيًا بقوله:
«في ذلك الأسبوع الذي توفي فيه الوالد (الملك عبدالعزيز)كان مقرراً أن أتزوج بأم فهد، ولكن حين اشتد
المرض على الوالد رأيت تأجيل الزواج، وكان الوالد يصحو ويغيب وذات مرة فتح عينيه ورأى والدتي بجواره فسألها لماذا لم تذهبي لحفلة زواج الابن سلمان فقالت له الوالدة: إن الابن سلمان أجل الزواج وامتنع عن إقامة حفلته إلى ما بعد شفائك ألبسك الله الصحة والعافية. تقول الوالدة: وأطرق الملك وتمتم بالدعاء وفهمت منه قوله داعياً: الله يبارك في سلمان، الله يبارك في سلمان، وصارت أُمي تُؤمن على دُعائه»، وهذا الموقف فيه دلالة بليغة عظيمة على الوفاء الأصيل ومن البِر العاجل وحصول دعاء الأب للإبن.
ومما ورد عن توقيره وإجلاله لأهل العلم والفضل وهذا ديدنهُ رحمه الله أنه :
«في ذاتِ يومٍ أُقيمت في القصْرِ الملكيِ حفلةُ عشاءٍ دُعي إليها كبارُ الموظفين وأعيانُ الرِياض وفي مقدمتهم الأمراءُ؛ وجاء دخولُ المدرِسين إلى قاعة الطعامِ متأخراً، ورآهم الملكُ وأكرمهُم وقدمهم على غيرِهم وأجلسهم على مائدته، وصار يقولُ لمنْ حوله: إن الحياء يغلبُهم فأكرمُوهم.
إن للمعلمين عنده مكانة وحظوة، ووفاء واحتراماً... وذات مرة وعلى غيرِ ميعاد زار مدرسة الأمراء في الرِياض، ودخل إحدى غُرف التدريس، واجتمع حوله التلاميذُ من أطفال آل سعود، ولحظ في ثوْبِ أحدهم بقعة كبيرة من الحبر والطالبُ يُحاول إخفاءها عن نظر أبيه.
فقال الملكُ له: يا بُني لا تُخْفِها؛ إنها عطرُ المتعلمين.
ومما جاء في كرمه والذي جعل من عثرة القلم تأكيداً للكرم الإنساني والذي أبى ألا يجعل الجماد -القلم- سابقاً لصاحبه في السخاء والجود :
«قدم وافِد على الملِكِ عبدالعزيز ذات مرةٍ، وأمر الملِكُ بإكْرامِه، وأخذ قلماً، وكتب له بثلاثمئة ريالٍ، ولكن القلم زاد صفراً، وتردد المختصُ، وراجع الملِك، فقال الملِكُ: إنها شطحةُ قلم. أعطوه ثلاثة آلافٍ، ولا يكن قلمُ عبدالعزيز أكرم من عبدالعزيز».
وفي النهاية أقول: المملكة يتحوفها التوحيد، ومشاهد الدين ظاهرة تملأ السمع والبصر، وهي مأرز الإيمان، منها خرج الوحي، واستنار السلف والخلف، سادت فيها لغة القرآن، وبها منبت العروبة، فأرض وطننا مقصد لا يُدنس، وقاطنيه كالحصن المنيع له، وقضاؤها حكمة، وقادتها أئمة إصلاح، وليعلم الخائضون المارجون والذين هم لبلادنا حاسدون، أن بلادنا سائرة، وبالخير آتية بحول الله، فكم من يد بُترت وساق قُطعت وكم من عائلة ترملت وأبناء يُتموا صوناً وحفظاً لهذه الدار فجنودنا جعلوا من أرواحهم سوراً للأمن ومرغداً للطمأنينة ليهنأ من على ثرى هذه الأرض لنعيش بسلامٍ آمنين، فبلادنا تصون التوحيد، وتُخلد المجد التليد، ولله الفضل والمنة ،فاللهم وفق ولاة أمورنا للخير، واحفظ جنودنا وأدم علينا العز والأمن والأمان يا كريم يا منان.
ودمتم سالمين.