عوض علي أحمد الطالبي
في محراب الوطن..
حين تشرق شمس الثالث والعشرين من سبتمبر، لا تقتصر التباينات المناخية أو الجغرافية على رسم لوحة طبيعية فحسب، بل يمتد النور ليشمل وجدان أمة بأكملها تقف إجلالاً وإكباراً أمام ملحمة تاريخية متفردة. ستة وتسعون عاماً مضت على إعلان توحيد المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الباني الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-.
وفي الذكرى السادسة والتسعين، يتجدد الموعد مع التاريخ ليكون اليوم الوطني السعودي 96 ليس مجرد تاريخ في تقويم سنوي، بل هو نافذة واسعة لإطلالة واعية على الماضي العريق، وقراءة متأملة للحاضر المزدهر، واستشراف طموح ومخطط له بعناية لمستقبل واعد يرتكز على إنسان هذه الأرض الطاهرة.
إن تتبع سيرة هذا الوطن المعطاء يكشف بوضوح عن ثبات المنهج وديناميكية الحركة؛ فالقواعد الراسخة التي وضعت لبناتها الأولى قبل عقود طويلة، هي ذاتها التي تنهض اليوم لتلامس عنان السماء في ظل القيادة الحكيمة لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظهما الله-. ومن خلال شعار هذا العام المميز «عزّنا بطبعنا»، تتجسد معانٍ عميقة تلامس الروح وتؤكد أن الهوية السعودية ليست وليدة الصدفة، بل هي إرث متوارث من الشجاعة، والكرم، والجود، والأصالة، والرؤية الثاقبة.
أولاً: ملحمة التوحيد وبناء الدولة العصرية من الشتات إلى الوحدة الكبرى
لنفهم عمق الفرحة العارمة التي تجتاح الشارع السعودي في كل عام، لابد لنا من العودة بالذاكرة إلى ذلك الزمن الذي سبق التوحيد؛ حيث كانت شبه الجزيرة العربية تعيش حالة من التشتت والفرقة وانعدام الأمن وغياب الاستقرار. في تلك البيئة القاسية، برزت عبقرية القائد الفذ الملك عبد العزيز -رحمه الله- الذي انطلق في رحلة تاريخية استثنائية عام 1902 لاسترداد الرياض، مرورا بجهود مضنية امتدت عقوداً لتوحيد أقاليم متباينة ومجتمعات متعددة في كيان سياسي واحد قوي ومتماسك.
لم تكن عملية توحيد المملكة مجرد ضم لأراضٍ جغرافية تحت راية واحدة، بل كانت صهراً للقلوب، وتأسيساً لمداميك العدل والأمن وتطبيق الشريعة الإسلامية. لقد أدرك المؤسس بحنكته السياسية أن بناء الدولة الحديثة يتطلب إرساء دعائم متينة من المؤسسات، ومد جسور التواصل بين البادية والحاضرة، وتحويل التنوع القبلي والمحلي إلى فسيفساء وطنية متناغمة تنصهر فيها الولاءات الضيقة لصالح الولاء الأكبر للوطن والدين.
الانتقال من التأسيس إلى التمكين
تتالى أبناء الملك المؤسس الأبرار على حمل الأمانة، فساهم الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبد الله -رحمهم الله جميعاً- في ترسيخ هذه المؤسسات وبناء بنية تحتية قوية. واليوم، نشهد مرحلة «التمكين الشامل» في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، والتي تحولت فيها المملكة من مرحلة تثبيت المكتسبات إلى قيادة التحولات العالمية الكبرى، مستندة على ثقلها السياسي والاقتصادي والديني في العالمين الإسلامي والعربي.
ثانياً: عنفوان الرؤية وعصر التحول الرقمي والتقني ثورة الذكاء الاصطناعي وبناء المدن الذكية
لم تعد المملكة تكتفي بمواكبة المستقبل، بل أصبحت تصنعه. فمن خلال رؤية 2030، قفزت السعودية خطوات وثابة نحو الاقتصاد المعرفي؛ حيث تتواءم احتفالات اليوم الوطني 96 مع حقيقة تحول مدننا إلى حواضر ذكية بالكامل. تشهد مشاريع مثل نيوم (NEOM) وذا لاين على إعادة تعريف مفهوم العيش المستدام وصناعة بيئة تقنية متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، مما يجعل المملكة وجهة ومختبراً عالمياً لابتكارات الغد.
الحوكمة والتحول الرقمي المستدام
تجلت كفاءة الدولة العصرية في أتمتة الخدمات الحكومية ورفع كفاءة الإنفاق عبر استراتيجيات الحوكمة الصارمة. لقد أصبحت الهوية الرقمية والتعاملات السحابية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن والمقيم، مما ساهم في تصدر المملكة المؤشرات الدولية في الأمن السيبراني والخدمات الإلكترونية، محققةً نقلة نوعية في تسهيل بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ثالثاً: سدرة المجد الاستدامة البيئية والمشاريع الكبرى مبادرة السعودية الخضراء ونبض سدرة الوطن
تأتي «السدرة» برمزيتها المتجذرة في الثقافة السعودية كشاهد على الصمود والعطاء، وهي تتجسد اليوم واقعاً عبر مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر. في عامها الـ 96، تخطو المملكة بثبات نحو مكافحة التغير المناخي عبر زراعة مليارات الأشجار وتقليل الانبعاثات الكربونية، مؤكدةً للعالم أن التنمية الاقتصادية العملاقة تسير جنباً إلى جنب مع حماية البيئة واستدامتها للأجيال القادمة.
المشاريع السياحية والتراثية الكبرى
من أزقة الدرعية التاريخية التي تروي قصة التأسيس الأولى، إلى شواطئ البحر الأحمر الساحرة وجبال العلا الأثرية، تحولت المملكة إلى بوصلة السياحة العالمية الأولى. هذه المشاريع لا تقدم تجارب ترفيهية فحسب، بل تعيد صياغة التاريخ وتفتح أبواباً واسعة لتنويع مصادر الدخل القومي، محولةً الإرث الثقافي إلى طاقة اقتصادية حية.
رابعاً: «عزّنا بطبعنا» الإنسان السعودي محرك التنمية الهوية الوطنية والأصالة المتوارثة
يأتي شعار هذا العام ليختزل حكاية تلاحم فريدة؛ فالكرم العتيق، والشهامة، والترحاب، والاعتزاز بالجذور ليست مجرد شعارات، بل هي «طبع» أصيل يمارسه إنسان هذه الأرض. إن هذا العمق الثقافي هو الحصن المنيع الذي تنطلق منه الأجيال نحو العولمة دون أن تفقد بوصلتها وثوابتها الدينية والوطنية.
تمكين الشباب والمرأة
إن الثروة الحقيقية التي تراهن عليها القيادة هي الإنسان. وقد أثمر هذا الرهان عن تمكين غير مسبوق للمرأة السعودية التي تبوأت أرفع المناصب القيادية، السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. كما أضحى الشباب السعودي، بعزيمته وعنفوانه، القوة الدافعة خلف كل إنجاز، مسجلين حضوراً استثنائياً في المحافل العلمية والرياضية والابتكارية حول العالم.
خاتمة: وفي سماء المجد رايتنا ترفرف
نقف اليوم في الذكرى السادسة والتسعين لتوحيد هذا الكيان الشامخ، ونحن أكثر لُحمة، وأقوى عزيمة، وأوضح رؤية. إن ملحمة التوحيد التي بدأت قبل قرن من الزمان لم تكن نهاية المطاف، بل كانت شرارة البداية لوطن لا يرضى بغير الصدارة بديلاً. حفظ الله المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً وأرضاً، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان والاستقرار، ولتبقى راية التوحيد الخضراء «لا إله إلا الله محمد رسول الله» عالية خفاقة في سماء المجد والسؤدد، شاهدةً على وطنٍ يعانق بأصالته التاريخ، ويسابق بعنفوانه المستقبل.