د. ياسين علي محمد عزي
في مكة لا تبقى الأيديولوجيا حبيسة اللغة؛ تدخل امتحانها حين تقترب القوة من الحرمة، وحين يصبح ما يملأ الخطاب مطالباً بأن يثبت قدرته على المنع. ولهذا تبدو الحادثة الأخيرة أبعد من مسار طائرة؛ فهي تستدعي في ذاكرة المكان سؤالاً تركه جهيمان قبل عقود، وتعيده هذه المرة مع الحوثي، في مقابل دولة سعودية جعلت صون الحرمين وخدمة قاصديهما من صميم مسؤولياتها. عند هذا الحد لا نكون أمام خطابين متقابلين بقدر ما نكون أمام علاقتين بالدين: واحدة تستعير لغته لمشروعها، وأخرى تحمل حرمة المكان أمانة وشرف لا تتبدل بتبدل المصلحة.
ومن هذا الموضع تأخذ «الأمركة والجهمنة الحوثية» دلالتها؛ ليست مجرد مفردة لغوية جديدة، بل قراءة لما يحدث حين يتغير ترتيب الثوابت داخل الخطاب نفسه. ففي الأولى يفقد العدو الذي صيغ في صورة مطلقة شيئاً من صلابته حين يدخل حساب السياسة، وفي الثانية تصبح الحرمة أمام امتحان القوة. وبين الحالتين لا تعود اللغة وحدها قادرة على تقديم المشروع بالصورة التي يريدها لنفسه؛ إذ يعيد الفعل ترتيب مواقع القيم حين يحين وقت القرار.
ولعل الأيام الأخيرة قدمت الصورتين في زمن متقارب؛ فقد التقى ممثلون عن الحوثيين مسؤولين أمريكيين في مسقط، وقال مصدران إن الجماعة أكدت عدم نيتها استهداف السفن الأمريكية والتزامها بوقف النار مع واشنطن، فيما نسب مصدر يمني واحد إليها القول بعدم استهداف السفن الإسرائيلية أو التجارية الأخرى باستثناء السفن السعودية. وفي الأيام نفسها عاد اسم مكة إلى أخبار الحرب بعد ما قالت السعودية إن دفاعاتها اعترضت مسيَّرة حوثية جنوب المدينة قبل دخول مجالها الجوي المحظور.
في الخطاب الحوثي تبدو أمريكا عدواً نهائياً، مكتمل الصورة، لا تترك له اللغة مساحة خارج الخصومة، غير أن هذه الصلابة تخف حين تنتقل من المنبر إلى واقع السياسة؛ فالموقف الذي يقدم للجمهور في هيئة يقين عقائدي يعود، عند الحاجة، إلى طبيعته السياسية القابلة للتفاوض وإعادة التقدير. وليس في التفاوض مع الخصم ما يثير الاستغراب في ذاته؛ فقد عرفت الحروب دائماً طاولات يجلس إليها من يتواجهون في الميدان، وإنما يستحق التأمل ذلك الفارق بين خطاب يرفع الخصومة فوق المراجعة، وممارسة تعيدها، ساعة الحاجة، إلى حدود الممكن السياسي.
ومن هنا تأخذ «الأمركة» موقعها في النص؛ فالخصومة مع واشنطن لم تنته، والتفاوض لم يصنع تحالفاً لم تعلنه الأطراف، لكن العدو الذي بناه الخطاب في وعي جمهوره على صورة مطلقة عاد في الممارسة طرفاً ممكناً للكلام والتفاوض. وما يتغير في مثل هذه اللحظة ليس صورة الخصم وحدها، بل منزلة اللغة التي صنعت تلك الصورة من البداية.
أما ذاكرة مكة، فقد عرفت قبل الحوثي صورة أشد قسوة لهذا الامتحان. ففي نوفمبر 1979 حمل جهيمان وأتباعه السلاح إلى المسجد الحرام، وبايعوا رجلاً على أنه المهدي، بعد مسار من الغلو خرج من محيط «الجماعة السلفية المحتسبة» وانتهى إلى جماعة متطرفة قامت على دعوى المهدية. وتؤكد الدراسات الأكاديمية أن مقتحمي الحرم كانوا فصيلاً متشدداً انشق عن تلك الجماعة قبل أحداث 1979 .
لم يكن الدين غائباً عن خطاب جهيمان حتى يفسر غيابه ما حدث؛ كان حاضراً إلى حد التخمة. وهنا تكمن قسوة الحادثة: قد تملأ الحرمة اللغة كلها، ثم لا يبقى منها في لحظة الفعل ما يكفي ليقول لصاحبها: قف. وحين يبلغ الخطاب هذه الحال لا يكون صاحبه قد تخلص من القيمة، بل فعل ما هو أخطر؛ أبقى اسمها وحرر نفسه من سلطانها.
ولهذا بقي جهيمان في ذاكرة مكة بالفعل لا بالفكرة؛ لم تحفظه المدينة بما ادّعاه لنفسه، وإنما بما أبقته فعلته من سؤال عن العلاقة بين المشروع وما يزعم تقديسه. ففي بعض لحظات التطرف لا يجري التخلي عن الدين، بل يعاد تشكيله حتى يتسع لما يريده صاحبه، فيشبه من يصنع آلهته بيده ثم يأخذ منها كلما ضاقت به حاجته؛ يرفعها ما دامت تمنح مشروعه شرعية، ثم يعيد ترتيبها متى أصبحت قيداً عليه. وعندئذ لا يعود الدين حاكماً على المشروع، بل يصبح المشروع هو الذي يرسم له موضعه وحدوده.
والقيمة لا تعرف بما تمنحه لصاحبها من يقين بقدر ما تعرف بما تنتزعه منه من إمكان؛ فثمة أبواب يقدر الإنسان على فتحها ثم تغلقها في وجهه حرمة يؤمن بها، وأفعال يملك أدواتها ثم يمتنع عنها لأن القدرة وحدها لا تكفي لتجعلها مباحة. وحين تتحول القيمة إلى مورد للمبررات أكثر منها حداً للفعل، يبقى اسمها في الخطاب بينما يكون سلطانها قد اندثر في مهب الريح.
وبعد نحو سبعة وأربعين عاماً، عادت عقيدة الظلال وقانون التطرف إلى جوار مكة من جهة أخرى؛ ففي 15 سبتمبر 2026 أعلنت السعودية أن دفاعاتها الجوية اعترضت ودمرت مسيرة حوثية جنوب المدينة قبل دخول مجالها الجوي المحظور، ووصفت الواقعة بأنها محاولة لاستهداف العاصمة المقدسة، فيما نفى الحوثيون أن تكون مكة أو المواقع الدينية هدفاً لهم. ولم يصب الحرم بسوء، لكن بعض الأفعال تحمل صورتها معها؛ فحين يعلو في الخطاب اسم الدين حتى يكاد يملأه، ثم يقترب السلاح من مكة، يصبح مقدار ما تفرضه الحرمة على اليد أكثر دلالة من مقدار حضورها في الكلام.
لا يعود جهيمان لأن الحوثي امتداد له، بل لأن مكة أعادت الاسمين إلى موضع واحد في ذاكرتها؛ هناك، حيث لا تعود الرايات والعقائد كافية للفصل بين صورتين جمعهما أن الأيديولوجيا سبقت الحرمة إلى القرار، وأن السلاح قال في لحظة واحدة ما عجزت عنه طبقات الخطاب الديني كلها. تتغير الأزمنة وأسماء الجماعات، لكن الذاكرة لا تحفظ الأنساب الفكرية بقدر ما تحفظ ما فعله أصحابها حين أصبحت مكة في طريق ما يريدون.
ومن هذا الموضع تأخذ «الجهمنة» معناها؛ لا نسباً إلى رجل مضى، بل وصفاً للحظة تتقدم فيها الفكرة على القيمة حتى يصبح المشروع هو الذي يرسم للدين حدوده. وعندها لا يعود اختلاف الأصل والسياق كافياً لمحو الأثر الذي يضع الاسمين في ذاكرة المكان؛ فمكة لا تحتفظ طويلاً بما قاله أصحاب السلاح عن أنفسهم، وإنما بما أبقته أفعالهم في سجل من انتهكوا حرمتها.
وهنا تظهر الصلة بين الأمركة والجهمنة من داخل الخطاب نفسه؛ ففي الأولى تنخفض صلابة العدو المطلق أمام حساب السياسة، وفي الثانية تضيق منزلة الحرمة أمام حساب القوة. وما يبدو ثابتاً في اللغة لا يثبت معناه حقا إلا حين يصبح قيدا على صاحبه، لا أداة في يده.
فالخطاب لا يمنح الأشياء أسماءها فحسب؛ يمنحها مواقعها في وعي المتلقي أيضا، فيرفع خصومة سياسية إلى منزلة تبدو عصية على المراجعة، ويحيط بعض القيم بما يوحي أنها أسبق من المصلحة وأعلى من القوة. غير أن الكلمات لا تمتحن وهي آمنة في المنبر؛ امتحانها يبدأ حين تدخل القرار، وحين يصبح ما قدم بوصفه ثابتاً مطالباً بأن يفرض حدوده على الفعل، لا أن يعاد ترتيب حدوده كلما تغيَّرت حاجة المشروع.
قد تتغيَّر الحرب، ويجلس خصوم اليوم غداً إلى الطاولة نفسها، وتنطفئ عداوات ظن أصحابها أنها خلقت لتبقى؛ فهذه كلها من طبائع السياسة، تعيد ترتيب وجوهها كلما تغيَّر الزمن. لكن مكة وقداستها لا تدخلان هذا التبدل بالسهولة ذاتها؛ فما يمس حرمتها لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يبقى في ذاكرة المكان أطول من أصحابه وأشد حضوراً من الرواية التي أرادوا أن يتركوا بها أسماءهم.
ومنذ استقرت مكة والمدينة في كنف الدولة السعودية، شهد الحرمان توسعات متعاقبة ومنظومات واسعة للأمن والتشغيل والهندسة والخدمات، وتطورت خدمات القاصدين في مجالات الإرشاد والترجمة والخدمات الرقمية والرعاية، وصولاً إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والحلول التفاعلية متعددة اللغات في خدمة المعتمرين والزوار. هذه وقائع تصف امتداد مسؤولية الدولة تجاه الحرمين من الحماية إلى إدارة منظومة واسعة من الرعاية والخدمات.
ولهذا لم يكن لقب «خادم الحرمين الشريفين» مجرد إضافة بروتوكولية إلى اسم الملك، بل دلالة على منزلة جعلت صون الحرمين ورعاية قاصديهما في صميم مسؤولية الحكم. وتوالى ملوك المملكة والحرم في قلب الأمانة، حتى غدت رعايته وخدمة قاصديه جزءا أصيلا من الحضور السعودي في العالم الإسلامي.
مكة لا تحفظ الكلمات بالطريقة التي يريدها أصحابها؛ تحفظ ما صار منها فعلا. ولهذا لا تستوي في ذاكرتها أيديولوجيا استعارت من الدين لغته ثم دفعت السلاح إلى جوار البيت، ودولة حملت شرف الحرمين حتى صار صونهما وخدمة قاصديهما جزءا من مسؤولية الحكم، تتوارثه المؤسسات والملوك كما تتوارث الأمانة.
وما يبقى بعد ذلك ليس ما قيل عن الحرمة، بل ما صنع لها؛ فالصون يترك أثره، وانتهاك حرمة البيت يترك سيرة لا تنقذها الرايات ولا تعيد كتابتها الخطب العصماء.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي