د. عيسى محمد العميري
يُعد الفنان الكويتي القدير محمد المنصور واحداً من الأسماء البارزة التي ارتبطت بتاريخ الحركة الفنية في دولة الكويت والخليج العربي، بعدما امتدت مسيرته لعقود طويلة، قدّم خلالها نماذج متعددة من الإبداع في المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة، ليصبح اسمه جزءاً من الذاكرة الفنية الكويتية والعربية. وقد بدأت رحلته الفنية في سن مبكرة، عندما شارك في مسرحية «الأسرة الضائعة» عام 1963، لتكون تلك التجربة الأولى بوابة لمسيرة مليئة بالأدوار والشخصيات المتنوعة. وتميز المنصور إلى جانب موهبته الفنية باهتمامه بالتعليم والتأهيل الأكاديمي؛ فحصل على دبلوم الموسيقى من معهد المعلمين عام 1969، ثم تخصص في الإعداد والإخراج التلفزيوني في إنجلترا، قبل أن يحصل على بكالوريوس من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت عام 1972، ثم درجة الماجستير من أكاديمية الفنون في القاهرة عام 1995. وهذا التنوع العلمي والفني أسهم في تكوين شخصية فنية واعية، جمعت بين الموهبة والمعرفة والخبرة. وفي السينما، يحتل الفنان محمد المنصور مكانة خاصة، لارتباط اسمه بأعمال سينمائية كويتية وعربية مهمة. ويأتي في مقدمتها فيلم «بس يا بحر» للمخرج خالد الصديق، الذي شارك المنصور في بطولته مجسداً شخصية «مساعد». ويُعد الفيلم من العلامات البارزة في تاريخ السينما الكويتية، وقد صُوّر خلال عامي 1969 و1970 وعُرض عام 1971، كما شارك في مهرجانات دولية وحصد عدداً من الجوائز. ولم تتوقف تجربته السينمائية عند «بس يا بحر»، فقد شارك لاحقاً في أفلام بارزة، من بينها «القادسية» للمخرج صلاح أبو سيف، حيث جسد شخصية «أبو محجن الثقفي»، وكذلك الفيلم السعودي «ظلال الصمت» للمخرج عبدالله المحيسن، وهو عمل روائي سعودي طويل شارك في مهرجانات سينمائية دولية، من بينها مهرجان كان. كما تذكر المصادر مشاركته في أعمال سينمائية أخرى مثل «هروب». أما المسرح، فقد كان المجال الذي رافق المنصور منذ بداياته، وشارك خلاله في أعمال تركت حضوراً واضحاً، منها «علي جناح التبريزي»، و«عريس لبنت السلطان»، و«عزوبي السالمية»، و«ضاع الديك»، و«المخلب الكبير»، و«بخور أم جاسم»، وغيرها. كما امتد حضوره إلى التلفزيون والإذاعة وتقديم البرامج، ومنها «صباح الخير يا كويت» و«هذه مهنتي» و«تو الليل». وهكذا تمثل مسيرة محمد المنصور نموذجاً للفنان الذي حافظ على حضوره عبر أجيال متعاقبة، مستنداً إلى الموهبة والقافة والخبرة والتنوع. ومع مرور أكثر من ستة عقود على بدايته، ظل اسمه حاضراً في المشهد الفني، وتوالت التكريمات التي احتفت بعطائه، ومنها اختياره شخصية الدورة الخامسة والعشرين من مهرجان الكويت المسرحي عام 2025. إن الحديث عن محمد المنصور هو حديث عن تجربة فنية كويتية ثرية، أسهمت في إثراء المشهد الثقافي والفني، ورسخت حضور الفنان الكويتي في المسرح والسينما والتلفزيون، لتبقى مسيرته شاهداً على قدرة الفن الكويتي على صناعة أسماء راسخة تتجاوز أعمالها حدود الزمن. والله الموفق.
** **
- كاتب كويتي