نجلاء العتيبي
هذا المقال مختلف كليًّا في كل ما يخصُّهُ، حتى الشعور الذي رافقني وأنا أكتبه بدا غريبًا عني، لم أكتب من قبلُ عن الفقد بهذه اللوعة، ولم أقتربْ من ذلك الموضع المختبئ في داخلي بهذا القدر من الصراحة، كنتُ أظنُّ أنني تجاوزتُهُ، أو تعلَّمتُ كيف أعبُرُ بمحاذاته دون أن يمسَّني، فإذا بالكلمات تُعيدني إليه، لا كما وقع أول مرة، وإنما كما ظل حيًّا خلف أعوام ظننتُها كفيلة بمداواتي.
نحسبُ أن السنين تأخذ الألم معها، وأن ابتعاد الحادثة يعني ابتعاد أثرها، غير أن الزمن لا يمحو دائمًا؛ أحيانًا يُعلّمنا كيف نحمل ما حدث بوجه ثابت، ونُواصل أيامنا من غير أن يلحظ أحدٌ ثقل الخطوة، تتبدَّل هيئة الحزن، يهدأ صوته، وينتقل إلى مكان لا تراه العيون، لكنه يعرف طريقه إلينا حين تلامسه إشارة صغيرة.
ومن العجيب أنني صبورةٌ أمام فواجع القدر الكبيرة، أُواجه اللحظة بما تقتضيه، أضمُّ قلبي إلى ضلوعي، وأمنح مَن حولي الطمأنينة التي أحتاجها أنا، أبدو قادرةً على الاحتمال، وأقوم بما يجب، كأن القوة تستيقظ في أوقاتها الأصعب لتسندني، وبعد انقضاء العاصفة، قد يأتي موقف بسيط لا تتهيَّأ له النفس: نبرة تشبه صوتًا غائبًا، مكان احتفظ بملامحه، كلمة قيلت مصادفة، أو فرحة ناقصة المقعد؛ فينهار الحاجز كله أمام سبب يبدو للآخرين ضئيلًا.
ليس ذلك ضعفًا متأخرًا، ولا اعتراضًا على ما مضى، تلك ذاكرة الشعور حين تكشف أن الاحتمال لم يكن شفاءً كاملًا، وأن الإنسان يستطيع النجاة من الواقعة، فيما يبقى جزءٌ منه واقفًا عندها؛ فالصابر الكتوم لا يخلو من الوجع؛ إنه يتقن إخفاءه إلى درجة تجعل صمته أكثر إيلامًا من البكاء، يحمل حزنه بتهذيبٍ، ويخشى أن يُثقل به على مَن يُحِبُّ، فيختصر حديثه، ويبتسم في مواضع تستدعي المشاركة، ويُؤجّل نفسه مرة بعد أخرى.
وللكتمان كلفة لا تظهر فورًا؛ فكل عبارة حُبست تحتاج من القلب مساحةً، وكل دمعةٍ رُدَّت إلى الداخل تظلُّ تبحث عن موعدٍ آمنٍ؛ لهذا يُفاجئنا الحزن في أهدأ المواقف، لا لأنه ازداد، وإنما لأن النفس وجدت أخيرًا شقًّا تتنفس منه، وقد نلوم أنفسنا على تأثُّر لا يناسب حجم المناسبة، وننسى أن الموقف الحاضر ليس وحده من أبكانا؛ لقد استدعى وراءه أيامًا لم تحصل على نصيبها من التعبير، وما يبدو انكسارًا أمام أمر صغير قد يكون وفاءً مؤجَّلًا، وحنينًا ظل مهذبًا، ثم عجز للحظة عن مواصلة التخفي، عندها يحتاج المرء إلى الرفق بنفسه، لا إلى محاكمتها.
وتُشير دراسة نفسية إلى أن كبت المشاعر يُضاعف وطأتها الجسدية والنفسية معًا.
لهذا لا ينبغي أن تخدعنا هيئة المتماسكين، بعضهم لا يحتاج نصيحةً، ولا سؤالًا مباشرًا يضعُهُ في موضع الدفاع عن قوته، بل يحتاج حضورًا رحيمًا يمنحه حقَّ الكلام إن أراد، وحقَّ السكوت من غير أن يُترَك وحيدًا، وقد تكون أجمل المواساة أن نُشعره بأن حزنه مفهومٌ، وأن طول المدة لا يسقط حقَّ القلب في الحنين.
والاعتراف بالفقد لا يُعيدنا إلى بدايته؛ إنه ينقذنا من قسوة التظاهر بأننا انتهينا منه. للإنسان أن يفتقد، وأن تضيق عبارته، وأن يبكي بعد أعوام من الثبات، وهذه المشاعر لا تنقص صبره، وإنما تُؤكّد أنه أحبَّ بصدقٍ، وأن الغائب ترك في حياته أثرًا جديرًا بالبقاء.
ربما لا تشفينا السنوات بالطريقة التي تصوَّرناها، لكنها تمنحنا فهمًا أوسع لأنفسنا، نتعلم أن نحمل الذكرى دون أن تتحوَّل إلى قيدٍ، وأن نمنح الحزن منفذًا كريمًا كي لا يستوطن أعماقنا في هيئة ألمٍ مجهولٍ؛ فالقوة الحقيقية ليست وجهًا لا يتغيَّر؛ هي أن نصون قلوبنا ونحن نمضي، وأن نسمح لها أحيانًا بأن تقول: ما زلتُ أفتقدُ، ومع ذلك أواصل الحياة بمحبةٍ ورضًا وامتنانٍ.
ضــــوء
«كلمـا عمَّق الحزنُ حفرةً في كينونتك؛ ازدادت قدرتُكَ على احتواء فرح أكثر».
- جبران خليل جبران.