أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
في المساق السابق رأينا كيف أنَّ (أبا نُواس) لم يكن وحيد قرنه في العصر العبَّاسي في التبذُّل والمجون، بل كان العصر غالبًا يبدو غارقًا في ذلك إلى أُذنيه. لا نستقرئ هذا تاريخيًّا فحسب، بل عبر وثائق النصوص الشِّعريَّة أيضًا. قال (ذو القُروح)، هدانا الله وإيَّاه إلى السَّير الدَّؤوب مع القطيع الثقافي، حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة، دون إثارة المنغِّصات على عشَّاق كُرَة القَدَم القديمة:
ـ حتى لقد بات من كرم الكرماء أن يُهدوا الشاعر غلامًا، لا للخدمة، كما قد يتبادر إلى الذهن!
ـ اتق الله، وكن من الشاكرين على نعمة الماضي العريق؛ فالذي لا ماضي له لا حاضر له!
ـ أنا لا آتي بالأشياء من عندي، في نقدي الثقافي، بل هي النصوص شواهد.
ـ قل هاتوا برهانكم، إنْ كنتم صادقين!
ـ انظر، على سبيل المثال، إنْ كنتَ صادقًا، كيف يمتدح (أبو تمَّام)(1) (الحسن بن وهب)، مشيرًا إلى غلامه الذي أهداه إليه، وبمنتهى الصفاقة، فيقول:
قَدْ جاءَنا الرَشَأُ الذي أَهدَيتَهُ
خَرِقًا ولَو شِئنا لَقُلنا المَركَبُ
لَدْنُ البَنانِ لَهُ لِسانٌ أَعجَمٌ
خُرْسٌ مَعانيهِ ووَجْهٌ مُعرِبُ
يَرْنُو فَيَثلِمُ في القُلوبِ بِطَرْفِهِ
ويَعِنُّ لِلنَّظَرِ الحَرُوْنِ فَيُصْحِبُ
قَد صَرَّفَ الرَّانُوْنَ خَمرَةَ خَدِّهِ
وأَظُنُّها بالرِّيقِ مِنهُ ستُقْطَبُ
حَمْدٌ حُبِيْتَ بِهِ وأَجْرٌ حَلَّقَتْ
مِن دُونِهِ عَنْقاءُ لَيْلٍ مُغْرِبُ
خُذْهُ وإنْ لَـمْ يَرتَجِعْ مَعْرُوفَهُ
مَحْضٌ إِذا مُزِجَ الرِّجالُ مُهَذَّبُ
وانفَحْ لَنا مِن طِيْبِ خِيْمِكَ نَفْحَةً
إنْ كانَتِ الأَخلاقُ مِـمَّا تُوهَبُ
ـ حسبُك.. حسبُك!
ـ حسبي الله ونِعم الوكيل! أنت لا تقرأ التُّراث، كغيرك ممَّن لا يقرؤون، وإنَّما تُصفِّق وتُردِّد وتحفظ، مغمض العقل. ولذا تصدمك مثل هذه المكاشفات! وهذا هو «المسكوت عنه» الواجب كشفه؛ لتعرف عمَّن تأخذ عقلك، وإلَّا كنتَ كالمريض الذي لا يُحِب أن يعلم شيئًا عن واقعه المَرَضي.
ـ لا، والله، لقد صدق الشاعر: ليست الأخلاق ممَّا توهب!
ـ لكن أين هي الأخلاق أصلًا؟: أخلاق المقول فيه؟ أم القائل؟!
ـ الأعجب أنَّ هؤلاء السُّفهاء- طيَّب الله ثراهم!- كانوا يعُدُّون أنفسهم أدباء، ومسلمين، وعلى أخلاق حميدة، وغيرهم من العالَم كفَرة فجَرة، ينبغي أن يَفتحوا ديارهم ويستبيحوا أعراضهم، ليُخرجوهم من الظُّلمات إلى النُّور!
ـ وما ظلمناهم، ولكن...!
ـ أمَّا الشاعر فمعروف، كغيره من معاصريه، من ذوي المواهب، خِفاف العقول، عديمي القِيَم والتحضُّر.
ـ ولكن ماذا عن الممدوح الهُمام، الجواد المُهدِي، (الحسن بن وهب)؟
ـ ماذا عنه هو الآخَر؟!
ـ هو: (الحسن بن وهب بن سعيد الكاتب)، وكان يزعم أنَّه مِن ولدِ (الحارث بن كعب). معروف بالكتابة، وآباؤه وأجداده كلُّهم كانوا كتبة في الدولتَين الأُمويَّة والعبَّاسيَّة. كان يكتب بين يدَي (الزيَّات)، ثم وليَ ديوان الرسائل، ووليَ بعض الأعمال في (دمشق)، وفيها ماتَ، وهو يتولَّى البريد آخر أيَّام (المتوكِّل). مَوْلِده سنة 186هـ. قال (المرزباني): بنو وهب هؤلاء أصلهم نصارَى من (جند سابور)، تعلَّقوا بنسَبٍ في (اليَمَن)، في (بني الحارث بن كعب). ونقلَ (الصُّولي) من أخباره مع (أبي تمَّام) وغلمنيَّاتهما ما يعفُّ القلم عن ذِكره.(2)
ـ ما شاء الله، سيرة عَطِرَة! ولقد كان يَطرب الذوق التقليديُّ لهذا كلِّه، بلا شك.
ـ أجل، كان وما زال وسيظل! غير أنَّه ذوقٌ بدائيٌّ من وَجْه، همجيٌّ من وَجْهٍ آخَر، يتَّخذ انتهاك الأعراض سلاحًا ضِدَّ العدو، وضِدَّ القِيَم الإنسانيَّة القويمة. وما كذلك، فيما نحسب، كانت الفِطَر الإنسانيَّة السليمة حتى في الجاهليَّة الأُولَى، فضلًا عن القِيَم الدِّينيَّة المحترمة. بَيْدَ أنَّ الشاعر ظلَّ منغمسًا، كما يشهد شِعره، في ثقافة عصره، بتهتُّكها الأخلاقي، وبربريَّتها، فجسَّدها لنا، من حيث لم يشعر، أو بالأصح من حيث كان يشعر أنه يُحسِن قولًا وتصويرًا وشِعرًا. فليسمع أولئك الذين جعلوا ديدنهم تفضيل الماضي على الحاضر، والسَّلَف على الخَلَف، في عقيدةٍ متوارثةٍ من تمجيد الماضي وأهله، منذ «قَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا! أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ؟!»
ـ لكن في مقابل هذا تقف على مغالاة نقيضة، في الثقافة الحديثة، ترى أنه ينبغي ألا تكون لدَى الرَّجل نزعةٌ ذكوريَّة، كيلا يُنْبَزَ بأنَّه «نسونجي»، لا قدَّر الله، بل يحسُن أن يكون ذا نزعة أُنثويَّة، أو ذا نزعة مِثليَّة، أو بلا نزعة نهائيًّا، وحبَّذا ألا يكون إنسانًا ، ولا كائنًا حيًّا أصلًا! وهذا من افتراعات الثقافة الماديَّة الممسوخة المعاصرة، ولا صِلَة له لا بالأديان ولا بالقِيَم ولا بالطبائع البشريَّة السويَّة.
ـ وإزاء تلك الثنائيَّة (المقدَّس- المدنَّس)، التي تطرَّق إليها مساقنا السابق، ينكشف الحجاب في العصر الحديث عن تخلُّفٍ يظنُّ نفسه تقدُّمًا. من حيث إنَّها لو كانت النظرة احتراميَّة إلى العلاقات الحِسيَّة لما جُعِلت وَفق ذلك الخطاب في مقابل المقدَّس. ما يعني: موقفًا من القداسة، وموقفًا متخلِّفًا من الحِسِّي، في آن؛ بحيث لا يراه صاحبُ ذلك الموقف إلَّا إثمًا ورذيلة، لكنَّه يلتذُّ لأجوائه تلك، لا على أنه أمرٌ طبيعي في الحياة، ولا على أنَّه في إطاره المشروع ممارسةٌ ذات قداسة، بل على أنَّه التذاذٌ بحرام، يتولَّد عن العُقَد الاجتماعيَّة نفسها التي تجعل الممنوع مرغوبًا، كما يتولَّد عن إرضاءٍ نفسيٍّ آخَر لنزعةٍ نحوَ التماثل مع سائدٍ في مجتمع آخَر. فهاهنا لذَّتان، إذن: لذَّة كسر المقدَّس، ولذَّة محاكاة النموذج والمثال الأعلى، الغربيِّ بطبيعة مزاجنا المعاصر. وتشخيص الحالة العَرَبيَّة لدَى بعض الروائيِّين- نموذجًا- ينمُّ عن أنَّهم ممسوسون بتلكما اللَّذتَين، وهُم، إذ يفلسفون الأمور بما يبرِّر مشاريعهم القلقة فكريًّا ونسقيًّا، يُثبتون أنهم خلاصة الخلاصة في النِّتاج الاجتماعيِّ العَرَبيِّ المريض بالجسد، متبدِّيًا ذلك من جعل المقدَّس والحِسيِّ على كفَّتَي ميزان. إذ هي ثنائيَّة لا تنجم إلَّا في بِنيةٍ ذهنيَّة غير سويَّة في تصوُّرها للحياة وضرورات المجتمع الحضاري، الذي يتخطَّى بقِيَمه شريعة الغاب، من جهة- بحيوانيَّة العلاقات فيها- ويقنِّن من جهةٍ أخرى ضرورات الإنسان، بما هو إنسانٌ لا مَلَك، دون أن يشطح إلى جعل الإنسان محض حيوان، أو الزعم بأنَّ في استطاعته أن يصبح مَلَكًا. وهي المعادلة الراقية التي توصَّل إليها المجتمع بعد عصورٍ من التشظِّي بين تيارات الجسد والروح والضرورات الاجتماعيَّة. إلَّا أنَّ هناك، وفي كلِّ زمان، مَن لا ينفكُّ يراوده النزوع البدائيُّ- الذي يظنُّه، أو يزعمه، تحرُّرًا وانعتاقًا- إلى خطابٍ شهوانيٍّ رجعيٍّ عتيق، تَردفه نوازعُ أدواء حضاريَّة ساذجة. وفي مقابل هذا النموذج البَشريِّ نموذجٌ آخَر يأخذ اتجاهًا نقيضًا إلى تبتُّلٍ ورهبانيَّةٍ مبتدَعةٍ ما كتبها الله عليه. هذان الباعثان النَّسقيَّان (وحش الجنس البدائي، والشغف بمحاكاة مثالٍ حضاريٍّ، يكبر في النفوس مهما انحطَّ وسخُف) يكمنان وراء الغالبيَّة من خطابنا الحِسِّي الرِّوائي الحديث- وغير الروائي وغير الحديث كذلك- وهما يملَّكان أيَّ إنسانٍ متهالك، في وقتٍ يشعر فيه بالدونيَّة إزاء ثقافات الأُمم.
ـ وختامًا، يحضر سؤالٌ مُلِحٌّ هنا: هل الفساد الأخلاقي في النصِّ فسادٌ أخلاقيٌّ في الشخص (الكاتب)؟
ـ ليس بالضرورة.. ولكن حينما يكون فساد النصِّ (شكلًا ومضمونًا)، ولا يبدو للناقد وراء الصورة الأدبيَّة مغزًى أدبيٌّ، فلا مناص من محاكمة الكاتب أخلاقيًّا وفكريًّا على ما اقترفت يداه.
* مرفأ
قَطَعْنَا الفَضَاءَ.. اخْتَرَقْنَا الهُيُوْلَى،
وفِيْـنَا سَـرَى السِّنْدِبَـادُ القَـمَرْ
لِأَنَّ جَـمَـالَكِ جِــيْـمُ الجَـمَـالِ
ورَاءُ الـرُّؤَى رَاعَ نُـوْنَ الـنَّـظَـرْ
رَجَعْنَـا بِخُفَّـيْ حُـنَـيْنٍ يَـتَامَى
وبَـاءَتْ بِشِسْعِ كُلَيْـبٍ مُـضَرْ!
**__**__**__**__**__**
(1) (1987)، ديوان أبي تمَّام بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عزَّام، (القاهرة: دار المعارف)، 1: 135- 136/ 22-25.
(2) م.ن، 1: 135- 136/ 22- 25.
(3) يُنظَر: الكُتبي، محمَّد بن شاكر، (1973)، فوات الوفيَّات، تحقيق: إحسان عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 1: 367- 368.
** **
(العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)