أ.د. محمد بن عبدالعزيز العميريني
من مسلمات اللغة أن الكلام لا يكون مفهوماً ما لم ينتظم في شبكة من القوانين الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية التي تمنحه قابلية التداول، كما أن اللغة لا تتحقق فعلاً إلا حين تنتقل من صورتها المجردة إلى مقام الاستعمال، حيث المتكلم والمخاطب والسياق والقصد والثقافة والظرف الاجتماعي، وكل ما يتعلق بواقع الخطاب، وطرائق الإرسال والتلقي، وكذلك وسائل فهم هذا الخطاب، وإدراك تأويله.
والمراد بـ(قانون اللغة) تلك العلاقات والقواعد التي ينتظم بها اللسان في مستوياته المختلفة، فاللغة لا تسمح بتأليف أصواتها اعتباطاً، أو جُزافاً حين يكون المقصود الإيصال والإفهام، ولا بتكوين كلماتها دون أنماط محددة بتراكيب موافقة للسماع، ولا ببناء جملها دون علاقات، ولا بإنتاج المعنى خارج شبكة من المواضعات التي اكتسبت قدراً من الثبات داخل الجماعة اللغوية، والذي مكّن لها هذا الثبات والاستمرار هو فاعلية القواعد، والقدرة على توظيفها في سياقات تتصف بالضبط والمرونة، والقابلية للتجدد والمواكبة اللغوية.
وتكشف قراءة تراثنا النحوي العربي المبكر أن العلاقة بين القاعدة والاستعمال كانت أكثر دقة مما توحي به بعض الصور التأليفية المتأخرة عن النحو، لاسيما في جوانب (الفروع) التي ارتبط بالأصول (الاستقراء) منذ النشأة، وتكييف التأليف التراثي ليكون ملائماً لتطور اللغة، وتشعّب قوانينها، وتباين المتحدثين بها.
فمشروع سيبويه-مثلاً- في (الكتاب) لم يبدأ من مجموعة قوانين عقلية مجردة أراد فرضها على العربية، وإنما قام بدرجة كبيرة على استقراء ما عُدّ من كلام العرب المحتج به، وملاحظة وجوه استعمالهم، ثم البحث عن النظام الذي تنتظم فيه تلك الاستعمالات، وهو بهذا الصنيع يُقرر أن القاعدة النحوية تالية للاستعمال العربي، وليس كما يُشيع بعض المعاصرين من أن القواعد النحوية فُرضت قسراً على استعمال العرب ونصوصهم، وكأنهم بهذا يقسّمون العربية إلى نمطين: نمط النصوص العربية القديمة السابقة على التقعيد، ونمط النصوص(المركبة) بعد فرض القواعد.
ولهذا اكتسبت فكرة السماع أهميتها المنهجية؛ لأن المسموع يمثل الواقعة اللغوية التي ينبغي للنظر النحوي أن يفسرها، كما أن السماع (القواعدي) في التراث النحوي تجاوز مفهوم الاستشهاد بنص عربي لإثبات حكم جزئي، ليؤسس مرجعاً معرفياً تقوم عليه شرعية الحكم النحوي نفسه، ولذا فإن ما ثبت نقله عن فصحاء العرب وثقاتهم لا تُقاس قيمته بمطابقته لقاعدة مقررة سلفاً، لأن القاعدة أساساً استمدت مشروعيتها من استقراء كلام العرب زمن الاحتجاج النحوي، وبيئته الجغرافية، ويمكن بعد هذا أن نقرر أن وقوع الظاهرة في كلام مسموع موثوق بمتحدثه أو ناقله ، ربما يكون سبباً رئيساً في مراجعة حدود (القانون)، أو تقييد مجمله، أو تضييق عمومه، أو توسيع مجاله.
والمنطق في التقعيد النحوي أن نسأل : كيف تكلم العرب؟، وبناء على الإجابة تغدو القاعدة النحوية مقبولة، ويترتب على فهم الإجابة -أيضاً- أن نميّز بين مستويين نظاميين ربما وقع الخلط بينهما: الإمكان النحوي، والإمكان الاستعمالي، ومراد ذلك أن البنية النحوية قد تسمح بتركيبٍ ما من حيث القياس (المجرّد)، غير أن الحس اللغوي لا يستسيغه، لأنه لم يرد في حديث العرب، وطرائق تعبيرهم، وفي المقابل ربما سُمع عنهم تركيب يخالف (ظاهراً) قاعدة نحوية، وحينئذ لا يمكن التسرع في الحكم عليه بالخروج عن العربية، وإنما قد يكشف أن القاعدة النحوية التي قررها النحاة أضيق من الواقع الذي تصفه، وهذا أدق وصف لتلك العملية، وهو أولى من كثرة التأويل والتخريج لإنقاذ القاعدة، ولهذا كان من (المشروع) في مثل تلك الحالات محاولة الحفاظ على النص؛ لأن المشكلة الحقيقية ليست فيه، وإنما في التشدد في البناء، ورسم الظواهر اعتماداً على نصوص متماثلة، دون الأخذ في الحسبان بما تكلمت به العرب أو (بعضهم) مما ليس على تلك السجية.
والمحصّلة أن النحوي يجد أمامه ظاهرة من الظواهر اللغوية، ثم يحاول الكشف عن قانونها، وبذلك نستطيع أن نرى في مفهوم السماع اعترافاً مبكراً بأن اللغة لا تُعرف من داخل القاعدة وحدها، بل من داخل الاستعمال الذي أنشأ القاعدة ابتداءً، ويمكن الجزم بأن السماع وحده لا يكفي لبناء علم للغة؛ لأننا لو اكتفينا بتسجيل كل عبارة سُمعت دون البحث عن العلاقات التي تجمعها، لتحول النحو إلى أرشيف للشواهد، وليست تلك غاية النحاة الأولى عند جمع اللغة ونصوصها، ولهذا جاءت أهمية القياس في كونه محصّلة (تفكيرية) لنقل المعرفة اللغوية من ملاحظة الجزئي إلى اكتشاف الكلي، أي: من (ما قيل)، إلى (ما يمكن أن يقال وفق النظام الذي كشفه ما قيل).
و-هنا- تظهر عبقرية التفكير النحوي الذي اعتمد على (عقلية عربية خالصة)، فاللغة ليست محفوظات محدودة، وإنما نظام قادر على إنتاج عدد غير محدود من التراكيب، فالسماع يؤسس المادة، والقياس يكشف قدرتها التوليدية، أو بجدلية أخرى: السماع يمنح القاعدة شرعيتها التاريخية، والقياس يمنحها قدرتها الإنتاجية، وبهذا المفهوم الواضح لا يقتصر دور (القياس) على مجرد إلحاق فرع بأصل كما قرر الأصوليون، وإنما ذهب إلى أعمق من ذلك حين ارتأى النحاة أن يجعلوا هدفه اكتشاف مبدأ الانتظام الكامن وراء تعدد الوقائع، فـ(الفكر النحوي) وظف القياس توظيفاً دقيقاً حين انتقل به من مستوى (الحفظ)، إلى مستوى (النمذجة)، وبهذه النظرية أسس النحاة علماً لا يكتفي بحفظ المنجز اللغوي فحسب، وإنما يستخرج من هذا المنجز (المحدود) صوراً ونماذج وقوانين قادرة على تفسير (غير المحدود).