أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
(مشغول!).. ربما كانت هذه من أكثر الكلمات حضوراً في أحاديثنا اليومية، نقولها معتذرين عن زيارة، وعن مكالمة تأخرت، وعن كتاب اشتريناه وبقي على الرف، وعن رياضة أجّلناها، وعن جلسةٍ مع الأبناء اختصرتها شاشة الحاسوب، وربما قلناها لأنفسنا كلما أردنا تأجيل شيء نحبه، ومع كثرة استعمالها تبدو الكلمة وصفاً طبيعياً لإيقاع الحياة، مع أنَّ التأمل في تفاصيل أيامنا يكشف أمراً يستحق السؤال: هل كثرت أعمالنا فعلاً إلى هذا الحد، أم أننا أصبحنا نطمئنّ إلى شعور الانشغال نفسه؟
في حياة كثيرين جدول ممتلئ منذ الصباح؛ رسائل تحتاج إلى جواب، ومواعيد، ومهام صغيرة، ومجموعات في الهاتف، وأخبار تتجدّد، وأعمال تتوالد من أعمال أخرى، يخرج المرء من يومه متعباً، ويستعرض ما صنعه، فيجد أنه تحرّك كثيراً وأنجز قليلاً مما يعنيه حقا، وهنا تظهر مفارقة الحياة الحديثة؛ فقد وفّرت لنا التقنية أدوات تختصر الوقت، ثم امتلأ الوقت الذي اختصرته بأعمالٍ جديدة، حتى صار الرد السريع يولّد رداً أسرع، وسهولة الوصول إلينا تجعلنا متاحين طوال اليوم، والهاتف الذي جمع عشرات الخدمات في جهاز صغير حمل معه عشرات المطالب إلى جيوبنا.
ومع الأيام يعتاد الإنسان هذا الإيقاع، ثم تنشأ بينه وبين الانشغال علاقة غريبة، يشعر بقيمته عندما تمتلئ مفكرته، ويرتاح إلى رؤية المواعيد متراصة، ويستمد شيئاً من الرضا من كثرة الرسائل التي تنتظر جوابه، وقد أصبح سؤال «ماذا تعمل هذه الأيام؟» يستدعي لدى بعضنا قائمةً طويلةً من المشروعات والارتباطات؛ فكثرة الأعمال توحي بالحضور والفاعلية والنجاح، ولذا انتقل الانشغال لدى فئة من الناس من ظرف تفرضه الحياة إلى صورة يرسم بها الإنسان مكانته أمام نفسه والآخرين!
هذا التحوّل يستحق الانتباه؛ لأنَّ الثقافة المعاصرة رفعت الإنتاجية إلى منزلة عالية، وربطت النجاح بالحركة المتواصلة، فيومك الجيد هو اليوم الممتلئ، وأسبوعك المثمر هو الأسبوع المزدحم، والإجازة نفسها تدخلها قوائم المهام، فأماكن ينبغي زيارتها، وكتب ينبغي إنهاؤها، وبرامج ينبغي متابعتها، وصور ينبغي التقاطها، حتى الراحة تحتاج عند بعضنا إلى خطة عمل!
ثم ندفع الثمن من الأشياء التي يصعب قياسها بالأرقام، قراءة عشر صفحات على مهل، حديث طويل مع صديق، جلوس مع الأسرة من غير التفات متكرر إلى الهاتف، مشي بلا هدف عملي، تأمل فكرة حتى تستوي؛ أشياء تبدو صغيرة في جدول شديد الازدحام، وهي في حقيقتها أجزاء أساسية من جودة الحياة، والإنسان يحتاج أحياناً إلى وقت يخلو من المطالب كي يسمع نفسه، ويراجع أيامه، ويعرف أين يذهب، أما الانتقال الدائم من مهمة إلى أخرى فيمنحه فرصة ممتازة للهروب من هذا اللقاء.
ولهذا يحمل إدمان الانشغال جانباً نفسياً يستحق التأمل، فالفراغ يضع الإنسان أمام أسئلة ربما أجّلها طويلا: هل أنا راضٍ عن حياتي؟ ماذا صنعت في السنوات الماضية؟ أين أسرتي من يومي؟ ما الذي أريده فعلا؟ وقد تكون الإجابة عن رسالة جديدة أيسر من الإجابة عن سؤال كهذا، فيفتح المرء هاتفه، ويتفقّد بريده، ويبحث عن مهمة، ويعود إلى المنطقة المألوفة التي يعرف كيف يتصرف داخلها، وهكذا يصبح الانشغال ستاراً كثيفاً يحجب أسئلة مؤجّلة أكثر مما يكون دليلاً على حياة ممتلئة.
والحل يبدأ بإعادة النظر في معنى الإنجاز، فعدد المهام المنتهية معيار محدود، وقيمة اليوم تتصل كذلك بما بقي منه في النفس، وبالوقت الذي ذهب إلى الأشياء الجديرة به، ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه في نهاية الأسبوع: ما العمل الذي استحق فعلاً هذه الساعات؟ ومن الأشخاص الذين أخذوا نصيبهم مني؟ وما الأشياء التي استهلكت وقتاً أكبر من قيمتها؟ أسئلة قليلة قد تكشف أن جانباً معتبراً من ازدحامنا صنعناه بأيدينا، ثم أمضينا الأيام نشكو منه.
الحياة تحتاج إلى حماية بعض أوقاتها من الاجتياح؛ وقت للأسرة، وآخر للقراءة، وثالث للجسد، ورابع للجلوس مع النفس، ومن الطريف أننا نحترم الموعد الذي يطلبه الآخرون، ثم نتعامل مع الموعد الذي نمنحه لأنفسنا بمرونة عجيبة؛ اجتماع في العاشرة نحضر إليه قبل دقائق، وساعة للرياضة في الخامسة يمكن تأجيلها إلى الغد، والغد معروف بسعة صدره تجاه كل ما نلقيه عليه.
ربما نحتاج إلى مصالحة جديدة مع الوقت؛ أن نراه حياةً تُعاش أكثر من كونه خانات ينبغي ملؤها، فالسنوات في النهاية لا تسألنا عن عدد الرسائل التي أجبنا عنها، ولا عن القوائم التي وضعنا أمام بنودها علامات الإنجاز، وما يبقى منها يتشكّل غالباً في أماكن أخرى؛ كتاب غيّر شيئاً فينا، جلسة عائلية بقي دفؤها، حديث صادق مع صديق، صحة حفظناها، وأوقات عشناها بحضور كامل.
المؤسف أن ينجح الإنسان في إدارة كل شيء، ثم يكتشف متأخراً أن الشيء الوحيد الذي ظلَّ ينتظر دوره في جدول أعماله كان حياته نفسها!