تركي بن شجاع بن تركي الخزيم
الشأن الثقافي حاجز يصد ما يصد، وقد يتجاوزه فيضان الخرافة أو يتسرب مع مسارب لا ترى إلا أنه -أي الشأن الثقافي- حين يُنهض به ويشاع وعيه في محاضن أو منابر يكون له وهج ورهج ويتعالى على ما فاض وتسرب،ويحاول إحكام المنافذ والاحتياط لها؛ حتى لا تجتاح ثم لا تبقي ولا تذر، قال النضر بن شميل: «في كتاب الحيل ثلاث مئة وعشرون أو ثلاثون مسألة كلها كفر» هذا في عصره -رحمه الله- فكيف وقد تطاول الزمان وتساوقت البلدان وصُدِّر ما خزن الإنسان وأبدع من القديم والحديث، ثم غابت عنه التسمية من الرحمن ونفخ فيه الشيطان من وسائل التهويج والترويج والتهريج، وقال شريك -رحمه الله-: «من يخادع الله يخدعه» والمستدعي لكل هذا التمهيد العنوان أعلاه الجين بالجوار. فما الجين وما المقصود بالجوار؟
الجين هو اكتشاف شريط الوراثة التسلسلي وإن كان يقال بطريقة أخرى: إن الجين -على سبيل التمثيل- يفرز مادة إلى البصيلات التي تغذي الشعر بالصبغات فإذا أخفق في إفرازها تغير لونها، فهذا على سبيل التقريب أن الجين فيما يخص الإنتاج يقرب الصورة لما يعين التسلسل، وهذه السلسلة هي المقصودة بتحديد القرابة بين الأفراد والجماعات والفروع والبطون والقبيلة والشعوب التي تأتي بمثابة السلالات، والقبيلة هي التي تمثل التحورات، وما تحتها يمثل الخطوط والعينات الفردية كل بحسبه، فهذا هو التراتب السلالي ولا شيء غيره. وقاعدته الشرعية الجد وإن علا، فما علاك فهو جد لك مهما اقترب أو ابتعد حرمة أو قدرا، وهكذا من انشعاب إلى انشعاب.
أما الجوار فقد قال تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب» النساء: 36، تبينَ من الآية الكريمة النص على تسمية جارين وورد الصاحب معطوفًا عليهما، فإذا أجازت سنن العربية وصح المفهوم دخول الصاحب طالت صحبته أم قصرت، حضر أم غاب، اقترب أم ابتعد أن نثلث به جارا لمن سمي، فقد يجوز أن نضيف المجير والمستجير تحت ظرف الزمان واختلاف المكان وتغير أنماط الإنسان، وقد تقدم شيء من بعض الجوار ولكن بقي اصطحاب أهل اللسان أو النحويين على وجه الخصوص: فالجر بالجوار مفهوم في النحو العربي يشار به إلى تأثير الاسم المجاور على الاسم المجرور، ففي مثل قولهم: «هذا جحر ضب خرب» تعد (خرب) صفة للجحر، وليس للضب، مما يدل على أن الجرَّ يكون مبنيًا على المجاورة. ويعدّ هذا النوع من الجرِّ ضعيفًا أو غير صحيح في اللسان العربي، إذ يفضل الاعتماد على الأسماء المجرورة مباشرة، قال القرطبي -رحمه الله-: «قال النحاس: لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله، ولا في شيء من الكلام، وإنما الجوار غلط، وإنما وقع في شيء شاذ». ونقول: إننا لا نستدرك على الآية ونضيف إلى كتاب الله ما ليس فيه وإنما نبين ماله علاقة بالجار والجيرة وما يتصرف ويتعرف ويطّرد بما يناسب بيان مقصود العنوان والهدف من ضربه مثالا، فإذا توضح بعض الشيء عن طرفي العنوان بين القديم والمستجد؛ المستجد الجين والقديم الجوار، والمزاوجة بينهما في الاستعمال والاعتراض على تلك المقولة من المعاصرين، أنه عند إيقاع الفحص على الأموات والأحياء من مختلف أصقاع المعمورة وانتظام السلالات والتحورات والخطوط وتطبيقها على الأفراد والجماعات والقبائل والشعوب على كثرة تحركاتهم التموجية، وجهل العابثين بالتعيين ببعض المعارف التفصيلية تعيينا وبيانا عن الإنسان بمختلف العلامات التي يحملها سمة ومنطوقًا (لهجة)وشكلا ولباسا وعادة ووصفا ممن وصفوه؛ مجايلين له أو منقولا لهم أو محللين أو مقارنين وقد استعمل جهال المعاصرين ربط الجين بالجوار تعليلا وتدليلا خاطئيْن وهذا ما عُنون به المقال (الجين بالجوار) وفحوى قولهم الخاطئ: إن زيدًا القادم من القطب الشمالي جاور عمرًا الذي يسكن القارة الأفريقية -على سبيل التمثيل- في ساحل قرطاج (تونس الحالية) وهذا حاصل فعليًا إلا أن المستحيل وإن توافق في المنطق والمظهر وجانس في المعيشة وهو أن بصمتيهما لا تندمج في أساسيهما ولا تطغى واحدة على الأخرى، على أن وضع الخلائط الجينية وبعض السمات المكتسبة (الشبه) هي استدلال مع فارق التمثيل والتطبيق والتعيين فيبقى زيد غير مندمج في عمرو، وهذا فحوى العنوان لما تقدم من البيان، فصلى الله وسلم على من قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» متفق عليه، فهذا بلا شك يبين الاستفادة من السنة المطهرة استظهارا واستمطارا لجواهرها، فإذا أعددنا ما قيل خرافة وهو بلا شك كذلك، أي أنه لا يصح اختلاط الأنساب بالجوار وإنما تتشابه المظاهر وائتلاف الناس في ديدن الحياة وتنظيم أمورهم المعيشية إدارة وانتظاما، فإن هذه الخرافة العصرية لقائليها ليست الأولى ولا الأخيرة وسيتلوها مقال لنا بعنوان (الخرافة والتمثيل لها) ولن يكون مؤصلا تار يخَ الخرافة ولا مفصلا وإنما عن خرافات عاصرتُها ومهدت وقعدت لها، فهذه المقالة القادمة، وإلى مقال آخر في القريب إن شاء الله في صحيفتنا الجزيرة الغراء وابنتها الثقافية الحسناء.
** **
- باحث يهتم بالتراث الجغرافي والقبائل والشأن الثقافي للمفاهيم