خالد محمد الدوس
في منتصف القرن العشرين، لم يكن هناك اسم أكثر تأثيراً في الأنثروبولوجيا البريطانية من العالم الشهير «ألفريد راد كليف براون».. الرجل الذي حول الدراسة الأنثروبولوجية من وصف عادات وتقاليد إلى علم يبحث عن قوانين اجتماعية عامة، تاركاً إرثاً لا يزال يشكل العقل الأنثروبولوجي حتى اليوم.
وُلد أبو الأنثروبولوجيا الحديثة» كليف براون» في برمنغهام عام 1881، ودرس في جامعة كامبريدج ،وكان أول طالب يتخصص في الأنثروبولوجيا الاجتماعية على يد ريفرز وهادون. بعد تخرجه، أمضى عامين (1906-1908) في جزر أندامان، حيث جمع المادة التي شكلت كتابه الأول «سكان جزر أندامان» (1922). ثم انتقل إلى أستراليا حيث درس أنظمة القرابة لدى السكان الأصليين، وهي الدراسات التي جعلته مرجعاً في هذا المجال.
كان الإسهام الأكبر» للفريد كليف براون» هو تطوير( الوظيفية البنيوية)، وهو اتجاه نظري يستمد جذوره من عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم، بينما ركز مالينوفسكي على «الثقافة»، اختار رائد الانثروبولوجيا «بروان « التركيز على «البنية الاجتماعية» أي شبكة العلاقات المنظمة بين الأفراد والجماعات.
في نظره، المجتمع يشبه الكائن الحي: يتكون من أجزاء مترابطة، وكل جزء يؤدي وظيفة ضرورية لبقاء الكل. وظيفة أي عادة أو مؤسسة اجتماعية تكمن في الدور الذي تلعبه في الحفاظ على استمرارية البنية الاجتماعية. ولأنه سعى لجعل الأنثروبولوجيا علماً طبيعياً، دعا إلى استخدام مناهج مقارنة صارمة لاكتشاف القوانين العامة للمجتمع البشري.
كان يلقب بـ«مؤسس الأقسام» بامتياز، حيث أسس قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كيب تاون (1921)، ثم جامعة سيدني (1926)، وعمل أستاذاً في شيكاغو (1931-1937) وأكسفورد (1937-1946). كما درّس في الصين والبرازيل ومصر، فانتشرت أفكاره عالمياً، وبالتالي أصبح من أشهر العلماء في الحقل الانثروبولوجي في بريطانيا وخارجها. وقد ترك مؤلفات غزيرة أبرزها (سكان جزر أندامان 1922)، و( علم طبيعي للمجتمع 1957) صدر بعد وفاته تضمن محاضراته في شيكاغو حول رؤيته للمنهج العلمي، و(المنهج في الأنثروبولوجيا الاجتماعية 1958)، مجموعة من المقالات المنهجية نشرت بعد وفاته.
في أستراليا، أنشأ العالم الراحل.. مجلة «أوقيانوسيا» (1930)، التي أصبحت منبراً رئيسياً للأنثروبولوجيا في منطقة المحيط الهادئ. وكتابه «التنظيم الاجتماعي للقبائل الأسترالية» (1931) شكل علامة فارقة في دراسة أنظمة القرابة، إذ جمع مادة هائلة من مصادر متفرقة ونظمها في إطار تحليلي متماسك.
جمعت مقالاته ومحاضراته في كتب أصبحت كلاسيكيات، أبرزها «البنية والوظيفة في المجتمع البدائي» (1952)، الذي يُعد حتى اليوم من أكثر أعماله قراءةً.
لم يخلُ مشروع «ألفريد براون» من الانتقادات، رأى بعض النقاد أن مقاربته «آلية» أكثر من اللازم، وأن تركيزه على التوازن والاستقرار جعله غير قادر على تفسير التغيير والصراع. كما وُجهت إليه تهمة التواطؤ مع الإدارة الاستعمارية البريطانية. لكن حتى منتقدوه يعترفون بأن تأثيره «عميق»، وأنه لولا إصراره على تطبيق المناهج العلمية على دراسة المجتمع، لما كانت الإنجازات اللاحقة في الأنثروبولوجيا ممكنة.
توفي» أبو الأنثروبولوجيا».. في لندن عام 1955، تاركاً وراءه مدرسة فكرية وطلاباً أمثال «إيفانزبريتشارد»، و»فورتيس، وغلوكمان»، و»ألفريد إيغان» الذين سيطروا على الأنثروبولوجيا البريطانية لعقود زمنية. قد لا تكون نظريته اليوم بلا عيوب، لكن سؤاله المركزي كيف يمكننا فهم المجتمعات البشرية بطريقة منظمة وعلمية؟ لا يزال سؤالاً محورياً لكل دارس للأنثروبولوجيا.!!
بعد رحيله عام 1955، لم تتوقف الأنثروبولوجيا عنده، بل انطلقت في اتجاهات متعددة، بعضها حافظ على جوهر مشروعه وبعضها الآخر تجاوزه أو انقلب عليه.
يمكن القول: إن إرثه العلمي تحول من «مدرسة» إلى «أساس» تبني عليه الأنثروبولوجيا الحديثة حتى وهي تنتقده.
انقسم الجيل التالي من الأنثروبولوجيين البريطانيين إلى أربعة مسارات رئيسية: فريق استمر في خط بحثه المباشر (مثل فورتيس وجودي)، وفريق آخر بقيادة فيرث ركز على فعل الفرد بدلاً من البنية الاجتماعية، مستعيداً بعضاً من العالم «إرث مالينوفسكي». فريق ثالث تبنى أفكار العالم «ليفي ستروس» البنيوية مع تكييفها لدراسة العمليات الاجتماعية. أما الفريق الأكبر والأكثر تأثيراً فقد سار خلف تلميذه «إيفانز بريتشارد «في رفض اعتبار الأنثروبولوجيا «علماً»، مفضلاً المقاربة التفسيرية التي تضع الأنثروبولوجيا في قلب العلوم الإنسانية.
في الولايات المتحدة، قاد «كليفورد غيرتز» هذا التحول التفسيري، محولاً الثقافات من «قواعد نحوية» يجب استنباطها إلى «لغات» يجب ترجمتها. وفي فرنسا، تعرضت البنيوية لهجوم ما بعد الحداثة، مما أضعف الافتراضات الكبرى عن البنى الثابتة.
رغم كل هذه التحولات، لا تزال البنية مفهوماً محورياً في الأنثروبولوجيا، وإن تغيرت معانيه. فقد تطورت» المدرسة المانشسترية» التي أسسها تلميذه» ماكس غلوكمان» لتدمج الصراع والتغيير في تحليل البنية، معتبرة أن درجة من الصراع ضرورية للحفاظ على النظام الاجتماعي. كما تحولت البنية من «إطار ثابت» إلى»مجموعة فضفاضة من القيود» يتفاعل معها الفاعلون.
لكن الأنثروبولوجيا اليوم لم تعد تبحث عن «قوانين طبيعية» على طريقة الفيزياء..!! كما أراد العالم الراحل (راد كليف براون)، لكن السؤال المركزي الذي طرحه كيف نفهم المجتمع كنسق مترابط..؟ لا يزال حاضراً، حتى لو أصبحت الإجابة أكثر تعقيداً وأقل طموحاً.