الصادق جاد المولى
شاهدتُ «جنائز بلا نعوش»، الفيلم الوثائقي الذي قدمته قناة «العربية» عن معتقلي السودان ومفقوديه. انتهى الفيلم، وظل سؤال الأسر مفتوحًا: أين ذهبوا؟ تبحث أمٌّ في قوائم المستشفيات، ويسأل أبٌ من خرج من المعتقلات، ويعود الاثنان بخبرٍ لا يستطيعان تصديقه أو نفيه. قد يكون الغائب حيًا ينتظر من يصل إليه، وقد يكون قد مات دون أن يعرف أهله موضع قبره. في الحالين، يملك أحدهم الجواب ويحجبه عمّن لهم الحق الأول في معرفته.
استمعتُ إلى شهادات ذوي المفقودين، وفكرتُ في المسافة بين خبرٍ يقول «اعتُقل» وخبرٍ يقول «وجدناه». قد تستغرق تلك المسافة سنواتٍ من عمر أسرة كاملة. وقد وثّقت منظمة العفو الدولية، في تقرير نشرته في يوليو الماضي، شهادات خمسة وأربعين شخصًا احتجزتهم مليشيا الدعم السريع بغير حق، بينهم ثمانية أطفال. وصف ناجون احتجازهم داخل حاويات في مركز «مينا الباري» قرب الفاشر. خرج هؤلاء ليرووا ما جرى لهم؛ ولا تزال أسرٌ أخرى تنتظر من يخبرها أين تبحث.
وللمليشيا داعمون لا يجوز أن يغيبوا عن هذا الحديث، فكل إمدادٍ يطيل قدرتها على القتال يطيل، معه، قدرة المسلح على احتجاز الناس وحجب مصيرهم. وقد وصفت منظمة العفو الدولية إحدى دول المنطقة بأنها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، وطالبت بوقف تسليحها. لا أعرف كيف يطمئن من يساند هذه القوة إلى لغة بياناته، وفي السودان آباءٌ لا يملكون من أمر أبنائهم سوى السؤال.
إنها دولة تعاني -في سلوك قلةٍ من حكامها- عقدةَ الجغرافيا. يسعى هؤلاء إلى بناء نفوذٍ يمتد عبر الموانئ والسواحل، وإلى الإمساك بمفاتيح مؤثرة على البحر الأحمر. وقبل الحرب، أُعلن اتفاقٌ يمنح تحالفًا تقوده شركة موانئ من تلك الدولة حق تطوير أصولٍ مينائية ومناطق اقتصادية في السودان وإدارتها. الاتفاق واقعة منشورة؛ أما ما أراه في هذا المسار فهو رغبةٌ في توسيع النفوذ على حساب حق السودانيين في تقرير شؤون بلدهم. وتزداد الأسئلة قسوةً أمام دعم مليشيا ارتبط اسمها بالقتل والاحتجاز والتعذيب.
وفي اليمن يعرف الحوثي أثر الإخفاء في نفوس الناس. حيث وثّقت «هيومن رايتس ووتش» اعتقاله أشخاصًا وإخفاءهم قسرًا، بينهم عاملون في الأمم المتحدة والمجتمع المدني. نهج المليشيات واحد في هذا الباب: يستولي المسلح على الإنسان، ثم يستعمل الجهل بمصيره لإخضاع أهله وإخافة سواهم، لذلك سيفهم أهل المفقودين في اليمن ما يقوله أهل المفقودين في السودان؛ فقد وقفوا أمام الأبواب نفسها، وسمعوا الأجوبة المراوغة نفسها.
خرجتُ من الفيلم مقتنعًا بأن كشف مصير المفقودين واجبٌ عاجل. يجب إعلان أسماء المحتجزين وأماكنهم، وتمكين أسرهم من زيارتهم، وإطلاق من اعتُقلوا بغير حق، وتسليم رفات من ثبت موتهم، وحفظ الأدلة لمحاسبة المسؤولين. هذه حقوقٌ تخص أناسًا لهم أسماء وبيوت، لا ورقةً تؤجَّل إلى نهاية المفاوضات. لقد طال انتظار الأسر؛ وعلى من يعرف أين ذهب أبناؤها أن يجيب.