إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
حين ترخى ظلال الأصيل على ربوع هذا الوطن المترامي الأطراف؛ تتنفس الصحراء عبق التاريخ وتتفتح الذاكرة على تفاصيل المجد الموشى بالعز. في هذا العرس الأبدي الذي ترتدي فيه الأرض حلة الفخر بمناسبة اليوم الوطني تتسابق نبضات القلوب وتجتمع روح الأرض والسماء في لوحة وفاء كبرى. هنا حيث لا تقف الكلمات وحدها كافية لإيفاء العشق حقه؛ ترتفع أشرعة الريشة وتتحرك أصابع الفنان التشكيلي السعودي كأنها تعزف على سيمفونية الخلود. إنها ليست مجرد لوحات تعلّق على الجدران الباردة إنما هي نوافذ مفتوحة على أرواحنا الممتدة في عمق الزمن ومرايا تعكس وجه الصحراء الحانية وعنفوان الجبال وشموخ السهول لتنسج حكاية وطن عظيم يروي للأجيال تفاصيل مسيرة فريدة تتناغم فيها الأصالة مع عراقة التأسيس وتتجلى في كل زاوية ملامح الرفعة والسمو الذي يملأ الآفاق هدوءاً ونوراً لا ينضب عبر الأزمان.
في تلك اللحظة حين يقف المبدع أمام بياض قماشه الناصع؛ تتزاحم في خاطره صور الرعيل الأول، أولئك الرجال الذين أطعموا تراب هذا الوطن من عرق جباههم فأنبت عزاً وأمناً. يتأمل الأجداد وهم يبنون اللبنة الأولى وسط قسوة الطبيعة وحنان القلوب، فتتساقط قطرات الألوان على السطح الأبيض لتحتضن عمارة طينية شامخة وأسواقاً شعبية تعج بالحياة وأزياء تقليدية تفوح بعطر الماضي الأثيل. لا يقف الفنان عند حدود استجداء الذاكرة وتغنيها لكنه يغوص في لجج الحاضر ليقتنص شرارة التطور المذهل؛ تراه يرسم مدناً ذكية تلامس السحاب ومشاريع عملاقة تعانق أفق المستقبل وطاقات شبابية فتيّة تتقد عزيمة وثقة. في كل ضربة فرشاة حكاية وفي كل لون نبضة قلب تقول للوطن: نحن هنا نكتب تاريخك ببصائرنا قبل أبصارنا وتتوهج الأرواح عشقاً هادئاً لتسجيل أصدق معاني الوفاء الدائم لأرض المجد والوفاء.
ولم يكن هذا الإبداع وليد الصدفة، ولا عابر سبيل في رحلة الأيام؛ إذ تقف خلف كل فرشاة مبدعة قلوب كبيرة رعت الفن وآمنت به وفتحت له أبواب النور. وإذا ما عدنا بالذاكرة إلى الوراء لنتلمس جذور هذا الحراك التشكيلي المزدهر فإننا نقف باحترام أمام التاريخ العريق الذي خطه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حين كان أميراً لمنطقة الرياض. لقد كان يحفظه الله بمثابة البوصلة والموجه الحقيقي للحراك الثقافي يوم أن كانت الفنون خطوة ناشئة؛ فتح المعارض وشجع الرواد واحتضن المواهب برؤية واعية تدرك أن البناء العمراني لا يكتمل إلا بالبناء الروحي والجمالي. تحولت الرياض في ظل رعايته الحانية إلى واحة خضراء للفنانين وملتقى يجمع شتات الإبداع لتضع تلك اللبنات الأولى المتينة التي انطلق منها الفن السعودي نحو فضاءات أرحب مترامية الأطراف، تحمل معها عبق التاريخ وأصالة المكان لتشرق شمس الإبداع في سماء الوطن بسلام وهدوء.
ثم انفتحت الأبواب لتنطلق ملحمة العصر الحديث للنهضة الشاملة تحت راية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وبتخطيط وعزم مهندس الرؤية وصانع تحولها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-. لقد نظر سموه إلى الفن بعين القائد الذي يدرك أن الثقافة والقوة الناعمة هما اللسان الناطق بروح الأمم. لم يعد الفن في فكره مجرد ترف زائل، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز رؤية السعودية 2030 وركناً مكيناً في اقتصاد الثقافة النابض. لقد أحدث سموه تطوراً هيكلياً نقل الحركة التشكيلية من جهود الأفراد المشتتة إلى مؤسسية عالمية راسخة عبر تأسيس وزارة الثقافة والهيئات المتخصصة، وعلى رأسها هيئة الفنون البصرية التي وفرت للمبدعين مظلة الأمان والدعم والتمكين؛ لتنطلق فرشاة الفنان بخطى واثقة نحو آفاق المجد الكوني.
ولم يقف طموح الأمير محمد بن سلمان عند حدود المؤسسات إنما امتد ليعانق جغرافية الوطن برمتها. لقد تحولت الشوارع والميادين تحت توجيهاته السديدة من مجرد طرقات عابرة إلى متاحف مفتوحة تنبض بالحياة من خلال مشاريع الفن العام ومبادرة الرياض الخضراء والجداريات التي تسرد حكاية الهوية في كل زاوية وميدان. أصبح المواطن والزائر يمران وسط معارض فنية مفتوحة ترفع الذائقة وترتقي بالوجدان. كما فتح سموه أبواب الدعم المباشر ومسرعات الأعمال وافتتح جامعة الرياض للفنون ومنح الابتعاث الخارجي أمام جيل واعد من الشباب والفتيات؛ ليحطوا رحالهم في أشهر أكاديميات العالم ويعودوا محملين بالخبرات والجوائز الدولية، مؤكدين أن الطموح السعودي يعمل بهدوء وثبات دون عوائق زمنية ولا مكانية؛ لتتلاحم طاقات الإبداع مع ريادة المستقبل.
حين نطيل النظر في مرايا الفن نرى كيف تتجسد ثنائية الأمس واليوم بأبهى صورها الإبداعية. الرياض التي كانت بالأمس واحة نجدية هادئة تحيط بها الأسوار الطينية وتحرسها السكينة، أصبحت اليوم حاضنة عالمية ناطحات سحابها تنافس النجوم وأنوار تطورها تضيء ظلمات الصحراء. والمملكة التي كانت في الأمس تعتمد على بساطة العيش وتجارة الأرض؛ تحولت اليوم إلى فاعل أساسي يقود قاطرة التحول الرقمي والاقتصادي والبيئي على مستوى الكوكب. وكل هذه التحولات الكبرى وجد لها الفنان التشكيلي مكاناً فسيحاً على قماشه ليثبت للعالم أن الأصالة والحداثة جناحان لطائر المجد السعودي الذي يحلق بهدوء في سماء العز والفخر، مترجماً أحلام الأمة إلى واقع حقيقي ملموس يزهو به كل محب لهذه الأرض الطيبة.
ولم يتوقف هذا المد الجمالي عند تخوم الوطن بل امتطى صهوة الجمال ليطوف عواصم الأرض شرقاً وغرباً بفضل الدعم المباشر والرعاية الكريمة. تحولت الأعمال التشكيلية السعودية إلى سفراء صامتين ينطقون بلغة النور والجمال؛ حطت المعارض السعودية رحالها في باريس ولندن وبرلين والقاهرة وبيروت ودبي، وتألقت في محافل عالمية كبرى كبينالي فينيسا لتشكل أمتن الجسور الثقافية والحضارية. لم تكن تلك المعارض مجرد منصات لعرض الألوان، كانت محطات حوار إنساني عميق أثبتت أن الفنان السعودي يمتلك صوتاً فريداً يمزج بين عبق التراث وجرأة المستقبل؛ راسخة مكانة المملكة كمركز عالمي للفن والثقافة والتنوير الإنساني الذي يعبر القارات ويصل ما انقطع من حبال الوصل والود بين شعوب المعمورة.
في هذا اليوم الوطني المجيد، نقف باحترام أمام هذه اللوحات النابضة لنكتشف أن الفنانين هم الوعي الحي والنبض النابض لهذا الكيان، وأن ألوانهم هي ترجمة صادقة لنبض القلوب الذي يجري في عروق الأيام. إن ما نعيشه اليوم من ألق تشكيلي استثنائي هو الحصاد الهادئ لغرس ملك عظيم ورؤية قائد شاب ألهم العالم. ومع كل ضربة فرشاة جديدة ترتسم على قماش الأمل يكتب الفنانون عهداً جديداً بالوفاء، مؤكدين أن مسيرة العز مستمرة، وأن التاريخ السعودي سيظل يروي للأجيال قصة أمة صنعت من الإرادة لوحة خلود تزداد بهاءً وإشراقاً كلما مرت عليها الأيام، وتتجدد فيها الحياة لتزهر على ترابها أطهر الأماني وأعظم الإنجازات التي تملأ الوجود ضياءً وهدوءاً لا ينضب.
** **
X: AL_KHAFAJII