تشهد صناعة الصحافة والإعلام الرقمي تحولا بنيويا هو الأشمل منذ انطلاق شبكة الويب تحولا لا يستهدف مجرد ترتيب النتائج، بل يطال جوهر نموذج العمل الذي قام عليه الإعلام الثلاثة عقود: إنتاج المحتوى مقابل كتب الزيارات والنقرات.
ومع الانتشار المتسارع الميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي من «غوغل» وعلى رأسها لمحات الذكاء الاصطناعي (Al Overviews) و«وضع الذكاء الاصطناعي» (Al Mode) - ظهرت ظاهرة «البحث بلا نقرة» (Zero-Click Search) حيث يُصاغ المقال وتلخص المعلومة مباشرة أمام عين المستخدم داخل صفحة البحث، لتنتهي رحلته قبل أن تبدأ، ودون أن يطأ موقع المؤسسة الإعلامية التي أنتجت المعلومة في الأساس.
منطق سلوكي حتمي لماذا تتأكل الزيارات؟
قد يُخيل للبعض أن انخفاض الزيارات غرض تقني عابر، إلا أن التحليل السلوكي يثبت عكس ذلك، يعتمد الإنسان في بحثه اليومي على مبدأ اختصار الجهد والوقت ولطالما اضطر المستخدم سابقاً إلى بذل جهد إضافي بالنقر على رابط وقراءة مقال للحصول على مبتغاه.
اليوم، ومع تقديم الذكاء الاصطناعي إجابات جاهزة ومباشرة، يتشكل سلوك افتراضي جديد وبما أن النافع هو الحصول على المعلومة بأسرع طريق، فإن المستخدم يتخلى تدريجيا عن فعل «النقر». هذا التحول السلوكي بنيوي وغير قابل للانعكاس، مما يعني أن أي حل تشريعي أو مالي مهما بلغت قوته لن يُعيد السلوك القديم، بل يمكنه فقط تخفيف الصدمة وحماية القيمة الاقتصادية.
الأرقام تتحدث: حصيلة الخسائر عبر العالم
تُظهر البيانات المقاسة بين عامي 2024 و2026 حقيقة هذا التراجع عبر مختلف الأسواق.
- عالمياً: انخفاض حركة البحث العضوي من غوغل نحو المواقع الإعلامية بنسبة 33% ووصلت إلى 38% في الولايات المتحدة).
- تراجع معدل النقر (CTR) ترتبط ميزة Al Overviews بتراجع يبلغ 58% في معدل النقر على النتيجة الأولى.
- ألمانيا: يقدر فقدان نحو 265 مليون نقرة عضوية شهريا من المواقع المرجعية.
- فرنسا: تفاوتت نسب التراجع المسجلة لدى الناشرين بين 19% 38% حسب طبيعة المحتوى والعينة.
أربع سرعات المواجهة واحدة: الدرع الأوروبي والهشاشة العربية
تكشف المقارنة الدولية عن تفوق واضح للمنظومات التشريعية الموحدة في الحد من الآثار المباشرة.
1 - الاتحاد الأوروبي وفرنسا (السرعة المتقدمة)
تستند الدول الأوروبية إلى جدار تشريعي من ثلاث طبقات التوجيه الأوروبي لحقوق النشر 2019/ 790) الذي فرض «الحق المجاور» للصحافة، وقانون الأسواق الرقمية (DMA) الذي يمنع غوغل من التفضيل الثاني، بالإضافة إلى قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act). هذه المنظومة مكنت فرنسا من خوض مفاوضات صلبة وفرض خيارات الانسحاب (Opt-out) وحقوق التعويض المالي.
2 - الأسواق العالمية الحرة أمريكا والأسواق الأخرى)
تتأثر مباشرة وبسرعة أكبر ينمو مميزات البحث الذكي لغياب إطار اتحادي يحمي الحقوق المجاورة للناشرين بنفس الصرامة الأوروبية.
3 - العالم العربي (غياب المنظومة الموحدة)
رغم وصول ميزة Al Overviews وتدعمها للغة العربية منذ مايو 2025، يواجه العالم العربي غيابا تاما في الإطار تشريعي إقليمي موحد أو هيئة رقابية مشتركة. ويترك هذا الوضع الناشرين العرب في موقف تفاوضي فردي ضعيف، في ظل شح البيانات والأرقام المستقلة التي تقيس حجم التراجع الإقليمي بدقة.
ثلاثة سيناريوهات تهدد الإعلام العربي
في ظل غياب التحرك العربي الجماعي، تشير الدراسة إلى ثلاثة سيناريوهات مستقبلية مطلقة:
1 - التراجع الصامت المتراكم: تأكل تدريجي في الزيارات والإعلانات دون وجود أدوات قياس عربية مستقلة تحدد بدقة حجم الخسائر.
2 - تعنق الفجوة الاقتصادية: تحمل المؤسسة الإعلامية تكلفة إنتاج الصحافة الميدانية والمعلومة، بينما تحصد منصات الذكاء الاصطناعي التفاعل والقيمة الاقتصاديين.
3 - فقدان السيادة المعلوماتية: وهو الخطر الأكبر؛ إذ يتراجع دور وسائل الإعلام العربية في صياغة الرواية الوطنية والإقليمية «تاريخيا، وسياسيا، وثقافيا»، لتنتقل سلطة التلخيص والتفسير إلى خوارزميات المنصات الأجنبية.
خارطة طريق «كيف يواجه الناشر العربي هذا التحدي»؟
المواجهة هذا الواقع، يغدو التحرك على مستويين أمرا حتميا:-
- على المستوى الإقليمي والتكافلي:
* صياغة «بتوجيه عربي موحد الحقوق المجاورة» عبر الجامعة العربية والتكتلات الإقليمية.
* تأسيس تحالف إعلامي عربي يتحدث بصوت تفاوضي واحد أمام الشركات الرقمية الكبرى.
* إنشاء مرصد عربي مستقل لرصد حركة الزيارات والبيانات الرقمية.
- على مستوى المؤسسات الفردية:
* التحول من «النقرة» إلى «العلاقة المباشرة»: الاستثمار القوي في الاشتراكات، النشرات البريدية (Newsletters)، والتطبيقات الذكية.
* التركيز على المحتوى الفريد: تقديم صحافة الاستقصاء، التحليل العميق، والآراء التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن اختزالها في إجابات سريعة.
* تعزيز الثقة في العلامة التجارية: الاستثمار في بناء مجتمع قراء يزور المنصة بذاتها لا المجرد قراءة خبر عابر من محرك البحث.
الخلاصة:
إن معركة الإعلام اليوم ليست ضد التطور التقني، بل ضد الاندثار في بيئة محركات البحث الجديدة. ستبقى القوانين والتشريعات خط دفاع أول لتوفير التعويض العادل، إلا أن البقاء الفعلي سيكون للمؤسسات الصحفية التي تنجح في بناء علاقة مباشرة وموثوقة مع قارئها، وتقديم ما لا تستطيع الخوارزميات توليده.
** **
- حافظ الغريبي