منصور بن صالح العُمري
سنواتٌ قضيتها قريبًا من الأيتام، مسؤولًا عن رعايتهم، أرى حاجاتهم قبل أن تتحول إلى أرقامٍ في التقارير، وأقرأ في عيونهم ما لا تقوله الكلمات؛ فعرفت أن اليتيم لا يحتاج نفقةً فحسب، بل يحتاج وطنًا يظلّل قلبه بالأمان، ويشعره بأن يد أبيه وإن غابت، فإن أيدي الرحمة لم تغب، وإن السند قد يتعدد حين يكون الوطن حاضرًا.
ومن الوفاء، وأنا أستعيد تلك السنوات، أن أشهد لهذا الوطن بما رأيت لا بما سمعت: لقد كانت المملكة للأيتام وطنًا معطاءً، يفتح لهم أبواب الرعاية كما تُفتح أبواب البيوت لأبنائها، ويحفظ كرامتهم، ويصون طفولتهم، ويؤمّن احتياجاتهم، ويمدّ أمامهم جسور المستقبل؛ حتى لا يكون اليُتم جدارًا يحاصر أحلامهم، ولا فقد الوالدين قدرًا يحرمهم حقهم في حياةٍ كريمة.
ولعل من الوفاء كذلك أن أشير إلى أن خادم الحرمين الشريفين ظل، طوال سنوات مسيرته، قريبًا من شؤون الأيتام، معنيًا برعايتهم، حريصًا على أن يجدوا من العناية والاهتمام ما يعوّضهم بعض ما فقدوه. كما لا أنسى أن أذكر أن من أوائل الزيارات التي قام بها سمو ولي العهد، في مقتبل شبابه، زيارةً لدار الحضانة؛ زيارةً امتدت بعدها يد عطائه، رغم حداثة سنه آنذاك، لتؤكد أن رعاية الأيتام كانت في وجدانه مبكرًا، وأن العناية بهم لم تكن موقفًا عابرًا، بل قيمةً راسخةً ومسؤوليةً إنسانيةً نبيلة.
وكم أسعدني، وأعتز به، أنني حظيت بترتيب تلك الزيارة، وتشرفت باستقبال سموه الكريم، وأصحاب السمو الملكي إخوته الكرام؛ فكانت لحظةً بقيت في الذاكرة، لا لما حملته من شرف اللقاء فحسب، بل لما عكسته من اهتمامٍ صادق بأبناءٍ كان الوطن يرى فيهم أبناءه، ويحرص على أن تصل إليهم عنايته قبل أن يطلبوها.
كنت أرى خلف كل برنامجٍ يدَ وطن، وخلف كل رعايةٍ قلبَ وطن، وخلف كل ابتسامةٍ تعود إلى وجه يتيم أثرَ عطاءٍ صادق. وكنت أرى في كل يدٍ تمتد إليه رسالةً صامتة، لكنها أبلغ من الكلام: لست وحدك؛ فهذا الوطن لك أبٌ حين يغيب الأب، وبيتٌ حين تضيق البيوت، وأملٌ لا ينطفئ.
ورغم مرور سنواتٍ على مغادرتي موقع المسؤولية، فإنني لم أغادر الوفاء لأولئك الأبناء، ولا العرفان لوطنٍ رأيت خيره يصل إليهم، ويترك في نفوسهم أثرًا لا تمحوه الأيام؛ فالمناصب تنتهي، لكن بعض المسؤوليات تستقر في القلب، وبعض الشهادات يصبح أداؤها دينًا من الوفاء، لا يبرأ منه المرء إلا بأن يقول الحق لأهله.
وفي يوم الوطن، أقولها شهادةَ رجلٍ عاش قريبًا من هذا الميدان، ورأى العطاء يتحول إلى رعاية، والرعاية تتحول إلى أمان، والأمان يتحول إلى مستقبل:
شكرًا لوطنٍ لم يترك اليتيم وحيدًا في مواجهة الحياة، ولم يجعل فقد الوالدين فقدًا للسند؛ بل أحاط أبناءه الأيتام برعايته، وفتح لهم من أبواب الرحمة ما يليق بوطنٍ عظيم، وأعطاهم من قلبه قبل أن يعطيهم من يده، ومنحهم من الأمل قبل أن يمنحهم من العون.
فيا وطنًا جعل الرحمة سياسة، والرعاية مسؤولية، والإنسان أولًا: سيبقى عطاؤك للأيتام شاهدًا على أن الوطن لا يُقاس بما يملك فحسب، بل بما يمنحه لأبنائه حين يحتاجون إليه، ولا سيما أولئك الذين فقدوا سندًا عزيزًا، فوجدوا فيك السند الذي لا يغيب.
اللهم احفظ وطننا، وقيادته الرشيدة وبارك في عطائه، وأدم عليه أمنه ورخاءه، واجزه عن أيتامه خير الجزاء، واجعل ما يقدمه لهم نورًا في حاضرهم، وجسرًا إلى مستقبلهم، وذكرى خالدة تقول للأجيال: هنا وطنٌ كان ولازال للأيتام أبًا، وللضعفاء سندًا، وللإنسانية رايةً لا تنكس.
** **
- مدير عام الإدارة العامة لرعاية الأيتام سابقاً